شتورا “بنك مركزي مواز”: السوريون في لبنان يقعون بفخّ السعرين

الكاتب: رهام علي | المصدر: المدن
29 كانون الثاني 2026

في الوقت الذي كانت فيه دمشق تشهد، منذ بداية كانون الثاني 2026، بداية إطلاق الليرة السورية الجديدة وحذف صفرين من قيمتها الإسمية، كانت “ساحة شتورا” في البقاع اللبناني تشهد نوعاً آخر من الاستنفار. هنا، حيث تُعد المنطقة “الرئة المالية” والممر الإلزامي للسوريين المقيمين في لبنان، لم يكن الأمر مجرد “إجراء تقني”، كما وصفه مصرف سوريا المركزي، بل تحول إلى رحلة بحث شاقة عن سبل لتصريف “الأوراق القديمة” قبل أن تفقد قيمتها القانونية، وسط مخاوف من التهامها بـ “مقصلة” عمولات الصرافين.

خارج الحسابات الرسمية

وبالرغم من إعلان حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر حصرية، تخصيص أكثر من 1000 منفذ للتبديل داخل الأراضي السورية، إلا أن السوريين في لبنان وجدوا أنفسهم خارج حسابات الخطة الرسمية. ومع غياب أي قنوات تبديل عبر المصارف اللبنانية أو البعثات الدبلوماسية، تُركت الساحة مفتوحة لـ السوق السوداء في شتورا والمصنع والمناطق الحدودية.

“الجديدة” أغلى من “القديمة”

في جولة استقصائية أجرتها “المدن” على خطوط النقل الدولية ومكاتب الصيرفة في شتورا، تكشفت ملامح “بورصة” غير رسمية تحكمها قوانين الندرة لا قوانين المصرف المركزي. ففي حين يُفترض أن يكون حذف الأصفار إجراءً حسابياً محايداً، خلقت سوق الصرف في شتورا تمايزاً سعرياً واضحاً؛ إذ يُسعر الدولار مقابل الليرة السورية “القديمة” بنحو 11450 ليرة، بينما ينخفض السعر إلى 11200 ليرة عند التعامل بالإصدار “الجديد”. هذا الفارق السعري يعني عملياً أن حاملي العملة الجديدة يدفعون “ضريبة تميز” غير معلنة، ناتجة عن سهولة حمل الأوراق الجديدة وتداولها مقارنة بالرزم الضخمة للإصدارات القديمة.

أما الصدمة الكبرى للمغترب السوري، فتتمثل في “انعدام التبديل المباشر”. فوفقاً لشهادات متقاطعة من سائقين يعملون على خط بيروت-دممشق، يرفض صرافو شتورا والمصنع نهائياً استبدال “ليرة قديمة بجديدة”، ما يضع المواطن أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما بيع ليراته القديمة مقابل الدولار بخسارة، أو تكبد عناء السفر إلى الداخل السوري لتبديلها رسمياً. 

وبحسب أحد العاملين على الخط، فإن “العملة الجديدة لا تزال ضيفاً نادراً في أسواق بيروت وشتورا، ولا تحظى بزخم في التداول بعد”، ما يعزز الاستنتاج بأن السوق اللبنانية لم تهضم بعد الإصدار الجديد، وتتعامل معه كسلعة نادرة أكثر من كونه وسيلة دفع يومية.

“كلو ماشي”.. فخ الإنكار الشعبي

وفي مقابل “بورصة شتورا” المستعرة، يسود نوع من “الهدوء المريب” في أوساط مجتمعات السوريين الرقمية في لبنان. ففي رصد قامت به “المدن” لنقاشات المقيمين، بدت الغالبية العظمى وكأنها تعيش في “منطقة زمنية نقدية” منفصلة، إذ تُجمع الشهادات على أن “الليرة القديمة لا تزال سيدة الموقف” في التعاملات اليومية والحوالات، وسط جهل تام أو تجاهل لمخاطر انتهاء مهلة التبديل الرسمية.

عبارات مثل “مامسكنا جديد” و”القديم كلو ماشي” تلخص حالة “الإنكار المالي” التي يعيشها العمال السوريون، الذين لا يزالون يرسلون مدخراتهم بالرزم القديمة عبر الحدود، غير مدركين أن “السيولة” التي بين أيديهم اليوم قد تتحول إلى عبء أو ورق بلا قيمة قانونية مع اقتراب الربيع المقبل. 

هذا الانفصال بين جشع “السماسرة” على الحدود ولامبالاة “البسطاء” في بيروت، يرسم صورة واضحة لغياب أي دور إرشادي للملحقيات الرسمية، ويترك آلاف السوريين أمام احتمالية الاصطدام بحقيقة “فقدان القيمة” فجأة، حين يكتشفون متأخرين أن زمن “الورق القديم” قد انتهى.

تسعير “فقدان الثقة” وكلفة الانتقال

من منظوره الاقتصادي، يرى المستشار في الإدارة والاقتصاد الدكتور سامر رحال، أن ما يحدث في سوق شتورا ليس مجرد تلاعب عابر، بل هو “تسعير تلقائي للمخاطر”. ويشرح رحال لـ”المدن”، أن الفارق السعري بين الليرتين لا يعكس اختلافاً في القيمة الاسمية، بل يُترجم مستوى المخاطر المرتبط بقابلية التداول والتصريف. فالليرة الجديدة تتمتع بقبول أوضح داخل سوريا، في حين ترتبط “القديمة” بمهلة زمنية محدودة وقيود جغرافية ومخاطر إدارية، ما يدفع السوق إلى تسعير هذه الفروقات بشكل فوري.

ويضيف رحال أن هذا السلوك الاقتصادي يعكس “ضعف الثقة وغياب القنوات الرسمية العابرة للحدود”، إذ يحمّل الصرافون الورق القديم كلفة إضافية تعكس احتمالات التعثر في إعادة تصريفه أو تحوّله إلى “أصل منخفض السيولة” مع اقتراب الساعة الصفر.

وبحسب رحال، فإن الإشكالية الأساسية تكمن في الإطار القانوني للقرار؛ فحصر الاستبدال داخل الجغرافيا السورية، دون توفير ترتيبات واضحة للسوريين في الخارج، خلق فجوة حادة بين القرار النقدي والواقع الاجتماعي، لا سيما في لبنان حيث تتركز كتل نقدية كبيرة خارج النظام المصرفي السوري.

بالتوازي، يحذر رحال من سيناريو “الأيام الأخيرة”، متوقعاً تزايد الضغوط على سوق الليرة القديمة مع اقتراب نهاية المهلة، إذ سيؤدي فائض العرض مقابل تراجع الطلب إلى “شح ملحوظ في السيولة”، ما يضع السوريين أمام خيارات مكلفة. 

كذلك، يرى رحال أن الأسواق ستميل حينها إلى “مرحلة تصفية سريعة للأصول”، يصبح فيها عامل الوقت أكثر تأثيراً من السعر نفسه، ما يتطلب توفير قنوات استبدال منظمة خارج الحدود لتقليص الخسائر الفردية وتعزيز الاستقرار.

 الهروب نحو “الدولرة”

في السياق، تشير المعطيات الميدانية إلى أن هذا التفاوت دفع بقطاع واسع من السوريين للهروب نحو “الدولرة الكاملة”، وتسييل مدخراتهم بالعملة الوطنية بأي ثمن لتجنب تعقيدات التبديل، ما زاد من الضغط على الليرة وحوّل عملية “الإصلاح النقدي” إلى عبء إضافي يُقتطع من أجور العمال البسطاء، في مشهد يثبت أن شتورا تظل دائماً “البنك المركزي الموازي” الذي لا يعترف إلا بلغة الربح والمخاطرة.

شتورا “بنك مركزي مواز”: السوريون في لبنان يقعون بفخّ السعرين

الكاتب: رهام علي | المصدر: المدن
29 كانون الثاني 2026

في الوقت الذي كانت فيه دمشق تشهد، منذ بداية كانون الثاني 2026، بداية إطلاق الليرة السورية الجديدة وحذف صفرين من قيمتها الإسمية، كانت “ساحة شتورا” في البقاع اللبناني تشهد نوعاً آخر من الاستنفار. هنا، حيث تُعد المنطقة “الرئة المالية” والممر الإلزامي للسوريين المقيمين في لبنان، لم يكن الأمر مجرد “إجراء تقني”، كما وصفه مصرف سوريا المركزي، بل تحول إلى رحلة بحث شاقة عن سبل لتصريف “الأوراق القديمة” قبل أن تفقد قيمتها القانونية، وسط مخاوف من التهامها بـ “مقصلة” عمولات الصرافين.

خارج الحسابات الرسمية

وبالرغم من إعلان حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر حصرية، تخصيص أكثر من 1000 منفذ للتبديل داخل الأراضي السورية، إلا أن السوريين في لبنان وجدوا أنفسهم خارج حسابات الخطة الرسمية. ومع غياب أي قنوات تبديل عبر المصارف اللبنانية أو البعثات الدبلوماسية، تُركت الساحة مفتوحة لـ السوق السوداء في شتورا والمصنع والمناطق الحدودية.

“الجديدة” أغلى من “القديمة”

في جولة استقصائية أجرتها “المدن” على خطوط النقل الدولية ومكاتب الصيرفة في شتورا، تكشفت ملامح “بورصة” غير رسمية تحكمها قوانين الندرة لا قوانين المصرف المركزي. ففي حين يُفترض أن يكون حذف الأصفار إجراءً حسابياً محايداً، خلقت سوق الصرف في شتورا تمايزاً سعرياً واضحاً؛ إذ يُسعر الدولار مقابل الليرة السورية “القديمة” بنحو 11450 ليرة، بينما ينخفض السعر إلى 11200 ليرة عند التعامل بالإصدار “الجديد”. هذا الفارق السعري يعني عملياً أن حاملي العملة الجديدة يدفعون “ضريبة تميز” غير معلنة، ناتجة عن سهولة حمل الأوراق الجديدة وتداولها مقارنة بالرزم الضخمة للإصدارات القديمة.

أما الصدمة الكبرى للمغترب السوري، فتتمثل في “انعدام التبديل المباشر”. فوفقاً لشهادات متقاطعة من سائقين يعملون على خط بيروت-دممشق، يرفض صرافو شتورا والمصنع نهائياً استبدال “ليرة قديمة بجديدة”، ما يضع المواطن أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما بيع ليراته القديمة مقابل الدولار بخسارة، أو تكبد عناء السفر إلى الداخل السوري لتبديلها رسمياً. 

وبحسب أحد العاملين على الخط، فإن “العملة الجديدة لا تزال ضيفاً نادراً في أسواق بيروت وشتورا، ولا تحظى بزخم في التداول بعد”، ما يعزز الاستنتاج بأن السوق اللبنانية لم تهضم بعد الإصدار الجديد، وتتعامل معه كسلعة نادرة أكثر من كونه وسيلة دفع يومية.

“كلو ماشي”.. فخ الإنكار الشعبي

وفي مقابل “بورصة شتورا” المستعرة، يسود نوع من “الهدوء المريب” في أوساط مجتمعات السوريين الرقمية في لبنان. ففي رصد قامت به “المدن” لنقاشات المقيمين، بدت الغالبية العظمى وكأنها تعيش في “منطقة زمنية نقدية” منفصلة، إذ تُجمع الشهادات على أن “الليرة القديمة لا تزال سيدة الموقف” في التعاملات اليومية والحوالات، وسط جهل تام أو تجاهل لمخاطر انتهاء مهلة التبديل الرسمية.

عبارات مثل “مامسكنا جديد” و”القديم كلو ماشي” تلخص حالة “الإنكار المالي” التي يعيشها العمال السوريون، الذين لا يزالون يرسلون مدخراتهم بالرزم القديمة عبر الحدود، غير مدركين أن “السيولة” التي بين أيديهم اليوم قد تتحول إلى عبء أو ورق بلا قيمة قانونية مع اقتراب الربيع المقبل. 

هذا الانفصال بين جشع “السماسرة” على الحدود ولامبالاة “البسطاء” في بيروت، يرسم صورة واضحة لغياب أي دور إرشادي للملحقيات الرسمية، ويترك آلاف السوريين أمام احتمالية الاصطدام بحقيقة “فقدان القيمة” فجأة، حين يكتشفون متأخرين أن زمن “الورق القديم” قد انتهى.

تسعير “فقدان الثقة” وكلفة الانتقال

من منظوره الاقتصادي، يرى المستشار في الإدارة والاقتصاد الدكتور سامر رحال، أن ما يحدث في سوق شتورا ليس مجرد تلاعب عابر، بل هو “تسعير تلقائي للمخاطر”. ويشرح رحال لـ”المدن”، أن الفارق السعري بين الليرتين لا يعكس اختلافاً في القيمة الاسمية، بل يُترجم مستوى المخاطر المرتبط بقابلية التداول والتصريف. فالليرة الجديدة تتمتع بقبول أوضح داخل سوريا، في حين ترتبط “القديمة” بمهلة زمنية محدودة وقيود جغرافية ومخاطر إدارية، ما يدفع السوق إلى تسعير هذه الفروقات بشكل فوري.

ويضيف رحال أن هذا السلوك الاقتصادي يعكس “ضعف الثقة وغياب القنوات الرسمية العابرة للحدود”، إذ يحمّل الصرافون الورق القديم كلفة إضافية تعكس احتمالات التعثر في إعادة تصريفه أو تحوّله إلى “أصل منخفض السيولة” مع اقتراب الساعة الصفر.

وبحسب رحال، فإن الإشكالية الأساسية تكمن في الإطار القانوني للقرار؛ فحصر الاستبدال داخل الجغرافيا السورية، دون توفير ترتيبات واضحة للسوريين في الخارج، خلق فجوة حادة بين القرار النقدي والواقع الاجتماعي، لا سيما في لبنان حيث تتركز كتل نقدية كبيرة خارج النظام المصرفي السوري.

بالتوازي، يحذر رحال من سيناريو “الأيام الأخيرة”، متوقعاً تزايد الضغوط على سوق الليرة القديمة مع اقتراب نهاية المهلة، إذ سيؤدي فائض العرض مقابل تراجع الطلب إلى “شح ملحوظ في السيولة”، ما يضع السوريين أمام خيارات مكلفة. 

كذلك، يرى رحال أن الأسواق ستميل حينها إلى “مرحلة تصفية سريعة للأصول”، يصبح فيها عامل الوقت أكثر تأثيراً من السعر نفسه، ما يتطلب توفير قنوات استبدال منظمة خارج الحدود لتقليص الخسائر الفردية وتعزيز الاستقرار.

 الهروب نحو “الدولرة”

في السياق، تشير المعطيات الميدانية إلى أن هذا التفاوت دفع بقطاع واسع من السوريين للهروب نحو “الدولرة الكاملة”، وتسييل مدخراتهم بالعملة الوطنية بأي ثمن لتجنب تعقيدات التبديل، ما زاد من الضغط على الليرة وحوّل عملية “الإصلاح النقدي” إلى عبء إضافي يُقتطع من أجور العمال البسطاء، في مشهد يثبت أن شتورا تظل دائماً “البنك المركزي الموازي” الذي لا يعترف إلا بلغة الربح والمخاطرة.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار