سؤال واحد في مؤتمر باريس: ماذا فعلتم حتّى الآن؟

المتوقَّع في افتتاح مؤتمر دعم الجيش في باريس مطلع آذار أن تتوجّه الدول المشاركة إلى الوفد اللبنانيّ الحاضر بسؤال أوّل قد يكون الوحيد يحمل في طيّاته كلّ الحرج: ماذا فعلتم حتّى الآن؟ بناءً على الجواب واقتناع السامعين بما سيُدلى به، يتقرّر مستقبل علاقة المجتمع الدوليّ بلبنان أو ابتعاده عنه، أو ربّما في أسوأ الاحتمالات المبطّنة الإيعاز إلى إسرائيل بالإقدام على ما تعجز عنه الدولة اللبنانيّة.
الوقت قصير حتّى موعد مؤتمر باريس لدعم الجيش في 5 آذار لأنّ المهمّة صعبة معقّدة تحتاج إلى أكثر من ثلاثة أسابيع. حتّى ذلك اليوم، روزنامة المواعيد ذات الصلة بالمؤتمر كالآتي: انتظار عودة قائد الجيش العماد رودولف هيكل من الولايات المتّحدة، لا لسماع ما أدلى به هناك أمام القيادة العسكريّة الأميركيّة، بل لمعرفة ما سيعود به منها من ضغوط تُفرض عليه وتعهّدات يقطعها وشروط يجب أداؤها.
سيصدر تقرير للجيش في مطلع شباط عن خطّته للمرحلة الثانية لحصر السلاح في يد الدولة، انطلاقاً من جنوب نهر الأوّلي حتّى الخطّ الأزرق، وموافقة مجلس الوزراء عليها، ويليه تقرير آخر يجب التقدّم به إلى مجلس الوزراء عشيّة انعقاد مؤتمر باريس يزوّد الوفد اللبنانيّ المشارك بما بلغه تنفيذ المرحلة الثانية. بناءً على الذي سيحمله لبنان إلى هناك، يتقرّر مآل المؤتمر فيما بعد.
جنوب اللّيطاني: المهمّة الأسهل؟
يلتئم المؤتمر ليوم واحد بناءً على “ورقة مفاهيميّة” (ورقة إطار) يعدّها الفرنسيّون والسعوديّون بمتابعة أميركيّة تتضمّن أهداف انعقاده والنتائج المتوخّاة. ليس المراد منه تقديم دعم عسكريّ فحسب، بل وامتحان الدولة اللبنانيّة في ما وصل إليه تنفيذها لقرار حصر السلاح في يدها، وهو البرنامج الوحيد الذي آل إلى انتخاب الرئيس جوزف عون ورئاسة الرئيس نوّاف سلام للحكومة وتعهّدهما للمجتمع الدوليّ بتنفيذه. هو أيضاً مصدر إصرار الرئيسين، في كلّ مناسبة تقريباً، على تأكيد أنّ قرار حصر السلاح نهائيّ ولا رجوع عنه. الأهمّ في ذلك أنّهما يستمدّان قوّة الحكم وإرادة اتّخاذ القرار من المظلّة الدوليّة لبرنامجهما هذا.
حتّى الوصول إلى ذلك الموعد، يقيم المأزق في بضعة معطيات:
- على الرغم من انتهاء كلّ المرحلة الأولى من تنفيذ قرار حصر السلاح في جنوب نهر الليطاني بيد الدولة إلى حدّ بعيد، وهو ما أقرّ به رئيس الجمهوريّة، هذه المرحلة التي احتاجت إلى سنة شاقّة كي تتحقّق هي في الأصل المهمّة الأسهل. ليس انتشار الجيش في جنوب نهر الليطاني إلّا نتيجة حتميّة أولى لاتّفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024، وشرطاً لازماً لإنهاء الحرب الإسرائيليّة آنذاك على “الحزب” الذي سلّم بخروجه نهائيّاً من بقعة عمليّات القرار 1701، معترفاً ضمنيّاً بخسارة المواجهة العسكريّة مع العدوّ.
المرحلة الأولى مهمّة لاحترامها قرار مجلس الأمن، وتُعدّ إنجازاً لأنّها أوّل اختبار لقوّة الدولة في مواجهة “الحزب”. بيد أنّها غير كافية وناقصة لسبب وجيه هو أنّ مؤتمر باريس لا ينعقد من أجلها فحسب، ولا تقتصر عليها “الورقة المفاهيميّة” كإطار ضيّق، بل في سبيل الحصول على أدلّة على مقدرة السلطات اللبنانيّة على المضيّ في الخطّة الأوسع، وهي استعادة سيادتها على كلّ أراضيها وإنهاء التنظيم المسلّح لـ”الحزب”.
- ليست في حسبان “الحزب” مرحلة ثانية تتعلّق بجنوب نهر الأوّلي كي يصير إلى ربطه بجنوب نهر الليطاني وصولاً إلى الخطّ الأزرق. لم يعد تمسّك “الحزب” بسلاحه اللازمة الوحيدة التي يتناولها يوميّاً، بل أضاف إليها لازمة محدّثة هي أن لا وجود لمرحلة ثانية في اتّفاق وقف النار وفي القرار 1701، قبل أن يتقدّم خطوة مهمّة إلى الأمام قبل أيّام بالقول إنّه جزء لا يتجزّأ من أيّ مواجهة محتملة بين إيران والولايات المتّحدة وإسرائيل. سواء عُدَّ هذا الموقف تهويلاً وتخويفاً أو جدّيّاً، يعني أوّل ما يعني أنّ مغادرته جنوب نهر الليطاني مؤقّتة، ويعتقد في أنّ مواجهة مقبلة مع إسرائيل.
انهيار الثّقة بين “الحزب” والرّئيس
- تُقبل الدولة اللبنانيّة على المرحلة الثانية لقرار حصر السلاح بحرج: ليس في وسعها فرض تطبيقها بالقوّة ولا باللين، على نحو ما رافق المرحلة الأولى ما إن انكفأ عنها “الحزب”، ولا في وسعها حمل “الحزب” على التحاور معها في شأنها. لذا وضع خطّة للمرحلة الثانية غير كافٍ للوصول إلى تحقيقها. هذه المرّة تُمتَحن الدولة اللبنانيّة أمام المجتمع الدوليّ، وهو ما سيفصح عنه مؤتمر باريس، في مقدرتها الفعليّة على فرض قرارها بمعزل عن أيّ تطوّرات خارجيّة. المرحلة الثانية هي أكثر ما سيعني مؤتمر باريس الخوض فيه لذاك السبب.
- ليس الحوار في المرحلة الثانية أو في سلاح “الحزب” المشكلة فحسب، بل وفكرة الحوار بحدّ ذاتها وجدوى جلوس طرفَي الاشتباك، رئيس الجمهوريّة و”الحزب”، بعدما باتت أكثر تعقيداً. ليس السجال الأخير غير المباشر بينهما إلّا التعبير الأدقّ عن انهيار الثقة، من وفرة ما يُساق أو يُسرَّب عن كلّ منهما حيال الآخر.
ليس في الواقع ما يصحّ أن يلتقيا عليه: رئيس الجمهوريّة لا يتحدّث إلّا عن قرار حصر السلاح بعدما قال إنّه فقد وظيفته ودوره، دونما أن يعرّج على استراتيجية أمن وطنيّ كما لو لم تعد مطروحة لديه، فيما “الحزب” يُبصر الاستراتيجية هذه على أنّ مؤدّاها إعادة تشريع احتفاظه بسلاحه، وإن من خلال تنسيق وهميّ مع الجيش من ضمن هذا الخيار. المهمّ الذي يعنيه الإبقاء على سلاحه لديه هو.
يشطب الوصول إلى استنتاج كهذا فوراً أيّ فرصة في مرحلة ثانية لتنفيذ قرار حصر السلاح بلا مشكلة جسيمة داخليّة أو تدخّل خارجيّ مكلف.
سؤال واحد في مؤتمر باريس: ماذا فعلتم حتّى الآن؟

المتوقَّع في افتتاح مؤتمر دعم الجيش في باريس مطلع آذار أن تتوجّه الدول المشاركة إلى الوفد اللبنانيّ الحاضر بسؤال أوّل قد يكون الوحيد يحمل في طيّاته كلّ الحرج: ماذا فعلتم حتّى الآن؟ بناءً على الجواب واقتناع السامعين بما سيُدلى به، يتقرّر مستقبل علاقة المجتمع الدوليّ بلبنان أو ابتعاده عنه، أو ربّما في أسوأ الاحتمالات المبطّنة الإيعاز إلى إسرائيل بالإقدام على ما تعجز عنه الدولة اللبنانيّة.
الوقت قصير حتّى موعد مؤتمر باريس لدعم الجيش في 5 آذار لأنّ المهمّة صعبة معقّدة تحتاج إلى أكثر من ثلاثة أسابيع. حتّى ذلك اليوم، روزنامة المواعيد ذات الصلة بالمؤتمر كالآتي: انتظار عودة قائد الجيش العماد رودولف هيكل من الولايات المتّحدة، لا لسماع ما أدلى به هناك أمام القيادة العسكريّة الأميركيّة، بل لمعرفة ما سيعود به منها من ضغوط تُفرض عليه وتعهّدات يقطعها وشروط يجب أداؤها.
سيصدر تقرير للجيش في مطلع شباط عن خطّته للمرحلة الثانية لحصر السلاح في يد الدولة، انطلاقاً من جنوب نهر الأوّلي حتّى الخطّ الأزرق، وموافقة مجلس الوزراء عليها، ويليه تقرير آخر يجب التقدّم به إلى مجلس الوزراء عشيّة انعقاد مؤتمر باريس يزوّد الوفد اللبنانيّ المشارك بما بلغه تنفيذ المرحلة الثانية. بناءً على الذي سيحمله لبنان إلى هناك، يتقرّر مآل المؤتمر فيما بعد.
جنوب اللّيطاني: المهمّة الأسهل؟
يلتئم المؤتمر ليوم واحد بناءً على “ورقة مفاهيميّة” (ورقة إطار) يعدّها الفرنسيّون والسعوديّون بمتابعة أميركيّة تتضمّن أهداف انعقاده والنتائج المتوخّاة. ليس المراد منه تقديم دعم عسكريّ فحسب، بل وامتحان الدولة اللبنانيّة في ما وصل إليه تنفيذها لقرار حصر السلاح في يدها، وهو البرنامج الوحيد الذي آل إلى انتخاب الرئيس جوزف عون ورئاسة الرئيس نوّاف سلام للحكومة وتعهّدهما للمجتمع الدوليّ بتنفيذه. هو أيضاً مصدر إصرار الرئيسين، في كلّ مناسبة تقريباً، على تأكيد أنّ قرار حصر السلاح نهائيّ ولا رجوع عنه. الأهمّ في ذلك أنّهما يستمدّان قوّة الحكم وإرادة اتّخاذ القرار من المظلّة الدوليّة لبرنامجهما هذا.
حتّى الوصول إلى ذلك الموعد، يقيم المأزق في بضعة معطيات:
- على الرغم من انتهاء كلّ المرحلة الأولى من تنفيذ قرار حصر السلاح في جنوب نهر الليطاني بيد الدولة إلى حدّ بعيد، وهو ما أقرّ به رئيس الجمهوريّة، هذه المرحلة التي احتاجت إلى سنة شاقّة كي تتحقّق هي في الأصل المهمّة الأسهل. ليس انتشار الجيش في جنوب نهر الليطاني إلّا نتيجة حتميّة أولى لاتّفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024، وشرطاً لازماً لإنهاء الحرب الإسرائيليّة آنذاك على “الحزب” الذي سلّم بخروجه نهائيّاً من بقعة عمليّات القرار 1701، معترفاً ضمنيّاً بخسارة المواجهة العسكريّة مع العدوّ.
المرحلة الأولى مهمّة لاحترامها قرار مجلس الأمن، وتُعدّ إنجازاً لأنّها أوّل اختبار لقوّة الدولة في مواجهة “الحزب”. بيد أنّها غير كافية وناقصة لسبب وجيه هو أنّ مؤتمر باريس لا ينعقد من أجلها فحسب، ولا تقتصر عليها “الورقة المفاهيميّة” كإطار ضيّق، بل في سبيل الحصول على أدلّة على مقدرة السلطات اللبنانيّة على المضيّ في الخطّة الأوسع، وهي استعادة سيادتها على كلّ أراضيها وإنهاء التنظيم المسلّح لـ”الحزب”.
- ليست في حسبان “الحزب” مرحلة ثانية تتعلّق بجنوب نهر الأوّلي كي يصير إلى ربطه بجنوب نهر الليطاني وصولاً إلى الخطّ الأزرق. لم يعد تمسّك “الحزب” بسلاحه اللازمة الوحيدة التي يتناولها يوميّاً، بل أضاف إليها لازمة محدّثة هي أن لا وجود لمرحلة ثانية في اتّفاق وقف النار وفي القرار 1701، قبل أن يتقدّم خطوة مهمّة إلى الأمام قبل أيّام بالقول إنّه جزء لا يتجزّأ من أيّ مواجهة محتملة بين إيران والولايات المتّحدة وإسرائيل. سواء عُدَّ هذا الموقف تهويلاً وتخويفاً أو جدّيّاً، يعني أوّل ما يعني أنّ مغادرته جنوب نهر الليطاني مؤقّتة، ويعتقد في أنّ مواجهة مقبلة مع إسرائيل.
انهيار الثّقة بين “الحزب” والرّئيس
- تُقبل الدولة اللبنانيّة على المرحلة الثانية لقرار حصر السلاح بحرج: ليس في وسعها فرض تطبيقها بالقوّة ولا باللين، على نحو ما رافق المرحلة الأولى ما إن انكفأ عنها “الحزب”، ولا في وسعها حمل “الحزب” على التحاور معها في شأنها. لذا وضع خطّة للمرحلة الثانية غير كافٍ للوصول إلى تحقيقها. هذه المرّة تُمتَحن الدولة اللبنانيّة أمام المجتمع الدوليّ، وهو ما سيفصح عنه مؤتمر باريس، في مقدرتها الفعليّة على فرض قرارها بمعزل عن أيّ تطوّرات خارجيّة. المرحلة الثانية هي أكثر ما سيعني مؤتمر باريس الخوض فيه لذاك السبب.
- ليس الحوار في المرحلة الثانية أو في سلاح “الحزب” المشكلة فحسب، بل وفكرة الحوار بحدّ ذاتها وجدوى جلوس طرفَي الاشتباك، رئيس الجمهوريّة و”الحزب”، بعدما باتت أكثر تعقيداً. ليس السجال الأخير غير المباشر بينهما إلّا التعبير الأدقّ عن انهيار الثقة، من وفرة ما يُساق أو يُسرَّب عن كلّ منهما حيال الآخر.
ليس في الواقع ما يصحّ أن يلتقيا عليه: رئيس الجمهوريّة لا يتحدّث إلّا عن قرار حصر السلاح بعدما قال إنّه فقد وظيفته ودوره، دونما أن يعرّج على استراتيجية أمن وطنيّ كما لو لم تعد مطروحة لديه، فيما “الحزب” يُبصر الاستراتيجية هذه على أنّ مؤدّاها إعادة تشريع احتفاظه بسلاحه، وإن من خلال تنسيق وهميّ مع الجيش من ضمن هذا الخيار. المهمّ الذي يعنيه الإبقاء على سلاحه لديه هو.
يشطب الوصول إلى استنتاج كهذا فوراً أيّ فرصة في مرحلة ثانية لتنفيذ قرار حصر السلاح بلا مشكلة جسيمة داخليّة أو تدخّل خارجيّ مكلف.














