خلافة نبيه بري: أربعة سيناريوهات بين التوافق والانفجار

مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية فإن السؤال الذي يتردد في الأروقة السياسية، والذي يتجنب الجميع طرحه علناً: ماذا بعد بري؟ وهل هناك تحضيرات جدية في صفوف حركة “أمل” ومع “حزب الله” لمرحلة ما بعده؟
منذ عام 1992، يتربع نبيه بري على رأس مجلس النواب اللبناني، في ولاية متجددة لم تشهد منافساً جدياً، على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وهو للمفارقة بات رئيس مجلس النواب الذي يبقى في منصبه لأطول فترة في التاريخ.
فرئاسة مجلس النواب اللبناني، المخصصة بحسب الدستور للطائفة الشيعية، تميزت بمرحلتين واضحتين، ما قبل الطائف (1990)، إذ كان الانتخاب سنوياً، وما بعد الطائف، إذ أصبح الرئيس ينتخب لكامل الولاية النيابية (أربع سنوات).
ويشكل الرئيس بري حالة استثنائية بكونه الرئيس الوحيد للمجلس منذ نحو 33 سنة، عاصر خلالها أحداثاً تاريخية ومفصلية، وأزمات سياسية وحروباً ونزاعات واحتلالات، محافظاً على موقعه كأحد أبرز صناع القرار في لبنان.
لكن ومع اقتراب موعد الانتخابات النيابية فإن السؤال الذي يتردد في الأروقة السياسية، الذي يتجنب الجميع طرحه علناً: ماذا بعد بري؟ هل هناك تحضيرات جدية في صفوف حركة أمل ومع “حزب الله” لمرحلة ما بعده، أم أن الموضوع يبقى من المحظورات ما دام أن الرئيس على قيد الحياة؟ وهل يكفي أن يفوز نائب شيعي من خارج “الثنائي الشيعي” (أي “حزب الله” وحركة “أمل”) لتنتخبه الأكثرية النيابية بدلاً عن بري؟
الاستحقاق الأصعب
يبلغ الرئيس بري اليوم 88 سنة، واستمراريته في منصبه لم تكن وليدة الصدفة، بل نتيجة معادلة معقدة تجمع بين أحادية القرار داخل الطائفة الشيعية عبر حركة “أمل” وتحالفاتها، والتفاهم الاستراتيجي مع “حزب الله”، وتخطيط دؤوب ومستمر لعدم السماح بأي خرق شيعي للثنائي داخل البرلمان، إضافة إلى العلاقات المتشعبة التي أتقن بري نسجها على مر السنوات الـ33 مع مختلف القوى اللبنانية، حتى مع الخصوم في بعض الحالات.
وقد تكون خلافته من أصعب الاستحقاقات التي سيواجهها لبنان في المرحلة المقبلة، خصوصاً أن موقع رئاسة المجلس ليس مجرد منصب بروتوكولي، بل هو مفصل أساس في النظام اللبناني، وورقة ضرورية يتمسك فيها “الثنائي الشيعي” للتوازن الداخلي، كما يقول.
وقد أظهرت السنوات الماضية ولا تزال مدى تأثير هذه الورقة في الاستحقاقات والقرارات المصيرية، فالمعادلة السائدة قامت على إقفال المجلس إذا اعترض رئيسه وحليفه، وفتحه فقط إذا رضخت الأكثرية لقرار الرئيس، حتى بات قرار المجلس يختصره “الرئيس”، وفق خصومه.
التأجيل إلى أجل غير مسمى
يعتبر كثيرون أن مسألة خلافة بري تواجه عوائق جوهرية متعددة.
أولها غياب البديل الجاهز، فعلى عكس معظم المناصب السياسية، لا يوجد “ولي عهد واضح” لا داخل عائلة بري أو حركة “أمل”، لموقع رئاسة المجلس.
ناهيك بأن بري لم يعمل على تحضير خليفة محدد، مما يترك فراغاً كبيراً قد يفتح الباب لصراعات معقدة، والموضوع بحد ذاته لا يزال من المحظورات داخل البيئة المؤيدة للثنائي.
حاولنا التواصل مع أكثر من شخصية سياسية وإعلامية من داخل حركة “أمل” أو حتى مقربة منها، لكنها جميعها من دون استثناء رفضت الحديث عن هذا الجملة، “لا من قريب ولا من بعيد”.
وفي السياق تؤكد مصادر سياسية قريبة من حركة أمل لـ”اندبندنت عربية” أن موضوع الخلافة غير مطروح للنقاش، ما دام الرئيس بري على قيد الحياة.
وتذهب بعيداً في تأكيدها حتمية بقائه في رئاسة المجلس، وتقول “هناك مرشح جديد لرئاسة المجلس إذا حصلت الانتخابات النيابية في موعدها، واسم المرشح نبيه بري”. وفي السياق كان رئيس كتلة “حزب الله” النيابية النائب محمد رعد قطع الطريق على أي نقاش في شأن خلافة بري، عندما أكد في تصريحٍ إعلامي قبل خمسة أشهر الاستمرار في انتخابه “حتى في حال وفاته”.
ماذا لو فاز نائب شيعي من خارج الثنائي؟
يتصاعد الجدل حول إمكان إحداث تغيير في المشهد السياسي اللبناني من خلال الانتخابات النيابية المقبلة، إذ يطرح احتمال فوز نواب شيعة مستقلين عن الثنائي ليصبحوا مرشحين محتملين لرئاسة مجلس النواب بدعم من الأكثرية النيابية المعارضة للثنائي، التي تضم بصورة أساسية حزب “القوات اللبنانية”، ونواب مستقلين من الطوائف كافة، وحزب “الكتائب”، ونواب التغيير، وغيرهم.
غير أن مراقبين كثراً يشددون على أن مجرد كون المرشح نائباً شيعياً لا يكفي، بل تتطلب رئاسة المجلس توفر شروط أساسية تشمل شرعية طائفية مستمدة من القوى الشيعية الرئيسة، لأن أي مرشح لا يحظى بدعم القوى الشيعية الأساسية سينظر إليه كـ”مفروض من الخارج”، وسيواجه رفضاً شعبياً قد يترجم إلى أزمة سياسية ممتدة، في المؤسسات كما في الشارع.
كما تتطلب رئاسة المجلس توافقاً وطنياً واسعاً، وقبولاً من الدول المؤثرة في الساحة اللبنانية، وثقلا سياسياً يمكن المرشح من ملء الفراغ الكبير الذي سيخلفه الرئيس نبيه بري.
في هذا السياق، يطرح السؤال نفسه: هل من بديل لبري؟ وهل يمكن تصور المجلس النيابي من دونه؟
النائب السابق بطرس حرب، الذي حضر داخل المجلس النيابي كنائب طوال أربعة عقود من عام 1972 حتى 2018 وعاصر ثلاثة رؤساء للمجلس هم كامل الأسعد وحسين الحسيني ونبيه بري، يؤكد من حيث المبدأ أنه لا يوجد شخص لا يمكن استبداله، مستشهداً بالمثل الشعبي “مات النبي ولم تتعطل أمته”، ويضيف حرب أنه لا يمكن القول إنه بعد عمر طويل ووفاة الرئيس بري لن يعثر على شخص مناسب للمنصب، مشيراً إلى أن المجلس شهد في الماضي رؤساء أكفاء أداروه بكفاءة عالية.
لكن حرب في الواقع يستبعد البحث عن بديل لبري ما دام على قيد الحياة، مؤكداً أنه لن يجرؤ أحد على الترشح ضده، وأن قانون الانتخاب الحالي لا يسمح باختراق المقاعد الشيعية بأي مرشح في أية منطقة.
ويذكر بأنه طوال وجود الرئيس بري كان ولا يزال ممنوعاً على أي نائب شيعي أن يترشح ضده، وهذا ما أكده بري نفسه في مذكراته التي كتبها الصحافي نبيل هيثم وصدرت في كتاب عام 2004، إذ أشار إلى أنه في فترة سابقة حاول أحد النواب الشيعة طرح نفسه، إلا أن الرئيس بري أرسل إليه وأبلغه أن وحدة الطائفة خط أحمر، فانسحب المرشح حينها.
بناء على ذلك، يرى حرب أن البحث في البديل حالياً لا يمكن تحديده قبل نتائج الانتخابات المقبلة، المزمع إجراؤها في مايو (أيار) المقبل.
فإذا لم يترشح أحد ضد بري سيعاد انتخابه حكماً، وربما قد يعدل بري عن الترشح بسبب تقدمه في السن وعندها تتغير كل المعادلة، لكن المؤكد أن أي رئيس للمجلس لن يخرج عن إرادة “الثنائي الشيعي”، وفق حرب، الذي يمتلك القدرة على منع أي مرشح من الوصول إلى الرئاسة، حتى لو نجح في الفوز بالانتخابات وتمكن من اختراق الكتلة الشيعية الممسوكة من “أمل” و”حزب الله”.
الجواب سيكون لدى الأكثرية
يتفق الكاتب السياسي نبيل بو منصف مع حرب في استبعاد الحديث أو البحث في خلافة بري راهناً، مشيراً إلى أن المسألة ليست مطروحة لدى الثنائي حالياً، وإنما قد تبحث في الكواليس داخل حركة “أمل” وربما على المدى البعيد، لكن ليس لهذه الدورة، إذ من المتوقع أن يبقى الوضع على حاله. ويرى بو منصف أنه من المبكر الحديث عن هذه المسألة، خصوصاً إذا جرت الانتخابات النيابية في موعدها وفاز نواب الثنائي بالمقاعد الـ27، مما يعني أن المعادلة الحالية لن تتغير، لكن السؤال المطروح بحسب رأيه هو ماذا سيفعل الآخرون برئاسة بري، ومن هي الأكثرية الجديدة التي ستصل إلى مجلس النواب، وهل سترشح شخصاً آخر غير بري إذا نجحت في تأمين فوز نائب شيعي من خارج الثنائي. علماً أنه، حتى لو وصل نائب شيعي مستقل إلى البرلمان بطريقة ما، فإنه يحتاج إلى أكثرية الـ128 نائباً لانتخابه رئيساً للمجلس، وهذه الأكثرية لن تتحقق من دون موافقة “الثنائي الشيعي” أو أحدهما في الأقل.
السيناريوهات المحتملة
وعلى رغم أن حظوظ انتخاب بديل عن الرئيس بري تبقى وفق ما تقدم معدومة أو مؤجلة، فإن السؤال الذي يطرح ماذا لو اضطر الثنائي لسبب ما إلى البحث في مسألة الخلافة؟
المؤكد أن السيناريوهات المحتملة تمر كلها في عين التينة (مقر رئاسة مجلس النواب)، والضاحية (مقر “حزب الله”).
فالسيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في احتفاظ حركة “أمل” بالموقع عبر شخصية قيادية فيها بموافقة “حزب الله”، والأسماء المطروحة بصورة غير رسمية تشمل المعاون السياسي لبري النائب علي حسن خليل، ووزير المالية ياسين جابر، وغيرهم من القياديين في الحركة.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في تبادل الأدوار بين حركة “أمل” و”حزب الله”، إذ ينتقل الموقع إلى شخصية من الحزب في مقابل تنازلات في مواقع أخرى سواء وزارية أم خدماتية أم حتى إدارية، بما يحفظ التوازن بين الطرفين.
لكن هذا السيناريو تعترضه عقبات أهمها استحالة التوافق الداخلي والقبول الدولي على تولي “حزب الله” رئاسة المجلس في وضعه العسكري الحالي، إلا إذا تطورت الأمور بصورة دراماتيكية داخلياً وتحول الحزب خلال السنوات القليلة المقبلة إلى حزب سياسي غير مسلح. السيناريو الثالث، وهو الأضعف احتمالاً، يقوم على طرح شخصية شيعية توافقية مقبولة من الجميع في حال تعذر التوافق الداخلي بين “أمل” و”حزب الله”، لكن هذا السيناريو يبدو بعيد المنال في ظل التوازنات الحالية.
أما السيناريو الرابع فهو الأزمة المفتوحة، ففي أسوأ الحالات قد يؤدي غياب التوافق إلى أزمة دستورية تشل عمل المجلس النيابي، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع استحقاقات انتخابية أو تطورات إقليمية حادة، كما حصل في أزمات سابقة عطلت المؤسسات اللبنانية لأشهر طويلة.
خلافة نبيه بري: أربعة سيناريوهات بين التوافق والانفجار

مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية فإن السؤال الذي يتردد في الأروقة السياسية، والذي يتجنب الجميع طرحه علناً: ماذا بعد بري؟ وهل هناك تحضيرات جدية في صفوف حركة “أمل” ومع “حزب الله” لمرحلة ما بعده؟
منذ عام 1992، يتربع نبيه بري على رأس مجلس النواب اللبناني، في ولاية متجددة لم تشهد منافساً جدياً، على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وهو للمفارقة بات رئيس مجلس النواب الذي يبقى في منصبه لأطول فترة في التاريخ.
فرئاسة مجلس النواب اللبناني، المخصصة بحسب الدستور للطائفة الشيعية، تميزت بمرحلتين واضحتين، ما قبل الطائف (1990)، إذ كان الانتخاب سنوياً، وما بعد الطائف، إذ أصبح الرئيس ينتخب لكامل الولاية النيابية (أربع سنوات).
ويشكل الرئيس بري حالة استثنائية بكونه الرئيس الوحيد للمجلس منذ نحو 33 سنة، عاصر خلالها أحداثاً تاريخية ومفصلية، وأزمات سياسية وحروباً ونزاعات واحتلالات، محافظاً على موقعه كأحد أبرز صناع القرار في لبنان.
لكن ومع اقتراب موعد الانتخابات النيابية فإن السؤال الذي يتردد في الأروقة السياسية، الذي يتجنب الجميع طرحه علناً: ماذا بعد بري؟ هل هناك تحضيرات جدية في صفوف حركة أمل ومع “حزب الله” لمرحلة ما بعده، أم أن الموضوع يبقى من المحظورات ما دام أن الرئيس على قيد الحياة؟ وهل يكفي أن يفوز نائب شيعي من خارج “الثنائي الشيعي” (أي “حزب الله” وحركة “أمل”) لتنتخبه الأكثرية النيابية بدلاً عن بري؟
الاستحقاق الأصعب
يبلغ الرئيس بري اليوم 88 سنة، واستمراريته في منصبه لم تكن وليدة الصدفة، بل نتيجة معادلة معقدة تجمع بين أحادية القرار داخل الطائفة الشيعية عبر حركة “أمل” وتحالفاتها، والتفاهم الاستراتيجي مع “حزب الله”، وتخطيط دؤوب ومستمر لعدم السماح بأي خرق شيعي للثنائي داخل البرلمان، إضافة إلى العلاقات المتشعبة التي أتقن بري نسجها على مر السنوات الـ33 مع مختلف القوى اللبنانية، حتى مع الخصوم في بعض الحالات.
وقد تكون خلافته من أصعب الاستحقاقات التي سيواجهها لبنان في المرحلة المقبلة، خصوصاً أن موقع رئاسة المجلس ليس مجرد منصب بروتوكولي، بل هو مفصل أساس في النظام اللبناني، وورقة ضرورية يتمسك فيها “الثنائي الشيعي” للتوازن الداخلي، كما يقول.
وقد أظهرت السنوات الماضية ولا تزال مدى تأثير هذه الورقة في الاستحقاقات والقرارات المصيرية، فالمعادلة السائدة قامت على إقفال المجلس إذا اعترض رئيسه وحليفه، وفتحه فقط إذا رضخت الأكثرية لقرار الرئيس، حتى بات قرار المجلس يختصره “الرئيس”، وفق خصومه.
التأجيل إلى أجل غير مسمى
يعتبر كثيرون أن مسألة خلافة بري تواجه عوائق جوهرية متعددة.
أولها غياب البديل الجاهز، فعلى عكس معظم المناصب السياسية، لا يوجد “ولي عهد واضح” لا داخل عائلة بري أو حركة “أمل”، لموقع رئاسة المجلس.
ناهيك بأن بري لم يعمل على تحضير خليفة محدد، مما يترك فراغاً كبيراً قد يفتح الباب لصراعات معقدة، والموضوع بحد ذاته لا يزال من المحظورات داخل البيئة المؤيدة للثنائي.
حاولنا التواصل مع أكثر من شخصية سياسية وإعلامية من داخل حركة “أمل” أو حتى مقربة منها، لكنها جميعها من دون استثناء رفضت الحديث عن هذا الجملة، “لا من قريب ولا من بعيد”.
وفي السياق تؤكد مصادر سياسية قريبة من حركة أمل لـ”اندبندنت عربية” أن موضوع الخلافة غير مطروح للنقاش، ما دام الرئيس بري على قيد الحياة.
وتذهب بعيداً في تأكيدها حتمية بقائه في رئاسة المجلس، وتقول “هناك مرشح جديد لرئاسة المجلس إذا حصلت الانتخابات النيابية في موعدها، واسم المرشح نبيه بري”. وفي السياق كان رئيس كتلة “حزب الله” النيابية النائب محمد رعد قطع الطريق على أي نقاش في شأن خلافة بري، عندما أكد في تصريحٍ إعلامي قبل خمسة أشهر الاستمرار في انتخابه “حتى في حال وفاته”.
ماذا لو فاز نائب شيعي من خارج الثنائي؟
يتصاعد الجدل حول إمكان إحداث تغيير في المشهد السياسي اللبناني من خلال الانتخابات النيابية المقبلة، إذ يطرح احتمال فوز نواب شيعة مستقلين عن الثنائي ليصبحوا مرشحين محتملين لرئاسة مجلس النواب بدعم من الأكثرية النيابية المعارضة للثنائي، التي تضم بصورة أساسية حزب “القوات اللبنانية”، ونواب مستقلين من الطوائف كافة، وحزب “الكتائب”، ونواب التغيير، وغيرهم.
غير أن مراقبين كثراً يشددون على أن مجرد كون المرشح نائباً شيعياً لا يكفي، بل تتطلب رئاسة المجلس توفر شروط أساسية تشمل شرعية طائفية مستمدة من القوى الشيعية الرئيسة، لأن أي مرشح لا يحظى بدعم القوى الشيعية الأساسية سينظر إليه كـ”مفروض من الخارج”، وسيواجه رفضاً شعبياً قد يترجم إلى أزمة سياسية ممتدة، في المؤسسات كما في الشارع.
كما تتطلب رئاسة المجلس توافقاً وطنياً واسعاً، وقبولاً من الدول المؤثرة في الساحة اللبنانية، وثقلا سياسياً يمكن المرشح من ملء الفراغ الكبير الذي سيخلفه الرئيس نبيه بري.
في هذا السياق، يطرح السؤال نفسه: هل من بديل لبري؟ وهل يمكن تصور المجلس النيابي من دونه؟
النائب السابق بطرس حرب، الذي حضر داخل المجلس النيابي كنائب طوال أربعة عقود من عام 1972 حتى 2018 وعاصر ثلاثة رؤساء للمجلس هم كامل الأسعد وحسين الحسيني ونبيه بري، يؤكد من حيث المبدأ أنه لا يوجد شخص لا يمكن استبداله، مستشهداً بالمثل الشعبي “مات النبي ولم تتعطل أمته”، ويضيف حرب أنه لا يمكن القول إنه بعد عمر طويل ووفاة الرئيس بري لن يعثر على شخص مناسب للمنصب، مشيراً إلى أن المجلس شهد في الماضي رؤساء أكفاء أداروه بكفاءة عالية.
لكن حرب في الواقع يستبعد البحث عن بديل لبري ما دام على قيد الحياة، مؤكداً أنه لن يجرؤ أحد على الترشح ضده، وأن قانون الانتخاب الحالي لا يسمح باختراق المقاعد الشيعية بأي مرشح في أية منطقة.
ويذكر بأنه طوال وجود الرئيس بري كان ولا يزال ممنوعاً على أي نائب شيعي أن يترشح ضده، وهذا ما أكده بري نفسه في مذكراته التي كتبها الصحافي نبيل هيثم وصدرت في كتاب عام 2004، إذ أشار إلى أنه في فترة سابقة حاول أحد النواب الشيعة طرح نفسه، إلا أن الرئيس بري أرسل إليه وأبلغه أن وحدة الطائفة خط أحمر، فانسحب المرشح حينها.
بناء على ذلك، يرى حرب أن البحث في البديل حالياً لا يمكن تحديده قبل نتائج الانتخابات المقبلة، المزمع إجراؤها في مايو (أيار) المقبل.
فإذا لم يترشح أحد ضد بري سيعاد انتخابه حكماً، وربما قد يعدل بري عن الترشح بسبب تقدمه في السن وعندها تتغير كل المعادلة، لكن المؤكد أن أي رئيس للمجلس لن يخرج عن إرادة “الثنائي الشيعي”، وفق حرب، الذي يمتلك القدرة على منع أي مرشح من الوصول إلى الرئاسة، حتى لو نجح في الفوز بالانتخابات وتمكن من اختراق الكتلة الشيعية الممسوكة من “أمل” و”حزب الله”.
الجواب سيكون لدى الأكثرية
يتفق الكاتب السياسي نبيل بو منصف مع حرب في استبعاد الحديث أو البحث في خلافة بري راهناً، مشيراً إلى أن المسألة ليست مطروحة لدى الثنائي حالياً، وإنما قد تبحث في الكواليس داخل حركة “أمل” وربما على المدى البعيد، لكن ليس لهذه الدورة، إذ من المتوقع أن يبقى الوضع على حاله. ويرى بو منصف أنه من المبكر الحديث عن هذه المسألة، خصوصاً إذا جرت الانتخابات النيابية في موعدها وفاز نواب الثنائي بالمقاعد الـ27، مما يعني أن المعادلة الحالية لن تتغير، لكن السؤال المطروح بحسب رأيه هو ماذا سيفعل الآخرون برئاسة بري، ومن هي الأكثرية الجديدة التي ستصل إلى مجلس النواب، وهل سترشح شخصاً آخر غير بري إذا نجحت في تأمين فوز نائب شيعي من خارج الثنائي. علماً أنه، حتى لو وصل نائب شيعي مستقل إلى البرلمان بطريقة ما، فإنه يحتاج إلى أكثرية الـ128 نائباً لانتخابه رئيساً للمجلس، وهذه الأكثرية لن تتحقق من دون موافقة “الثنائي الشيعي” أو أحدهما في الأقل.
السيناريوهات المحتملة
وعلى رغم أن حظوظ انتخاب بديل عن الرئيس بري تبقى وفق ما تقدم معدومة أو مؤجلة، فإن السؤال الذي يطرح ماذا لو اضطر الثنائي لسبب ما إلى البحث في مسألة الخلافة؟
المؤكد أن السيناريوهات المحتملة تمر كلها في عين التينة (مقر رئاسة مجلس النواب)، والضاحية (مقر “حزب الله”).
فالسيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في احتفاظ حركة “أمل” بالموقع عبر شخصية قيادية فيها بموافقة “حزب الله”، والأسماء المطروحة بصورة غير رسمية تشمل المعاون السياسي لبري النائب علي حسن خليل، ووزير المالية ياسين جابر، وغيرهم من القياديين في الحركة.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في تبادل الأدوار بين حركة “أمل” و”حزب الله”، إذ ينتقل الموقع إلى شخصية من الحزب في مقابل تنازلات في مواقع أخرى سواء وزارية أم خدماتية أم حتى إدارية، بما يحفظ التوازن بين الطرفين.
لكن هذا السيناريو تعترضه عقبات أهمها استحالة التوافق الداخلي والقبول الدولي على تولي “حزب الله” رئاسة المجلس في وضعه العسكري الحالي، إلا إذا تطورت الأمور بصورة دراماتيكية داخلياً وتحول الحزب خلال السنوات القليلة المقبلة إلى حزب سياسي غير مسلح. السيناريو الثالث، وهو الأضعف احتمالاً، يقوم على طرح شخصية شيعية توافقية مقبولة من الجميع في حال تعذر التوافق الداخلي بين “أمل” و”حزب الله”، لكن هذا السيناريو يبدو بعيد المنال في ظل التوازنات الحالية.
أما السيناريو الرابع فهو الأزمة المفتوحة، ففي أسوأ الحالات قد يؤدي غياب التوافق إلى أزمة دستورية تشل عمل المجلس النيابي، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع استحقاقات انتخابية أو تطورات إقليمية حادة، كما حصل في أزمات سابقة عطلت المؤسسات اللبنانية لأشهر طويلة.









