ذهب “مصرف لبنان” ثروة تتضخّم وأزمة لا تنحسر

منذ الانهيار المالي عام 2019، عاد ذهب “مصرف لبنان” إلى الواجهة كآخر أصول سيادية متبقية، بعدما قفزت قيمته إلى أكثر من 50 مليار دولار. غير أن هذا البريق لم ينعكس تحسّناً في سعر صرف الليرة أو حلاً لأزمة الودائع، إذ يبقى الذهب محمياً بالقانون وغير قابل للاستخدام المباشر. وتشير الأوساط الاقتصادية إلى أن الاستقرار النقدي منذ عام 2023 يعود إلى آلية نقدية اعتمدها مصرف لبنان بدعم سياسي، لا إلى الذهب.
منذ الانهيار المالي الذي هزّ لبنان في خريف عام 2019، ومعه الانهيار غير المسبوق في قيمة الليرة اللبنانية، عاد ملف ذهب “مصرف لبنان” إلى صدارة النقاش العام، كرمز لآخر ما تبقّى من أصول سيادية في دولة استُنزفت مالياً وسياسياً. يمتلك “مصرف لبنان” نحو 286.8 طن من الذهب، ما يجعله ثاني أكبر احتياطي عربي بعد السعودية، وضمن الـ 20 الأوائل عالمياً. هذا الرقم لم يتغيّر منذ سنوات، لكن ما تغيّر جذرياً هو قيمة هذا الاحتياطي، التي قفزت من نحو 12 إلى 14 مليار دولار قبل الأزمة إلى ما يفوق 40 مليار دولار بنهاية عام 2025، مع تقديرات تتجاوز 60 مليار دولار إذا استمر صعود الذهب عالمياً في عام 2026. غير أن هذا البريق الذهبي لم ينجح في تبديد ظلمة الأزمة النقدية، فالليرة اللبنانية بقيت منهارة، والودائع محتجزة، والفجوة المالية على حالها، في وقت يتحول الذهب إلى محور جدل سياسي واقتصادي حاد: هل هو طوق نجاة أخير أم خط أحمر لا يجوز الاقتراب منه؟
الذهب محمي بالقانون
قبل عام 2019، كان الذهب يُنظر إليه كاحتياطي تقليدي يعزّز الثقة بالعملة الوطنية، يومها، ومع سعر أونصة يتراوح بين 1300 و1500 دولار، لم تتجاوز قيمة الاحتياطي الذهبي 13.7 مليار دولار تقريباً، لكن مع تفجّر الأزمات العالمية، واندفاع المستثمرين نحو الذهب كملاذ آمن، بدأ المعدن الأصفر رحلة صعود تاريخية، ومن دون أن يضيف لبنان غراماً واحداً إلى احتياطه، تضاعفت قيمته أكثر من ثلاث مرات خلال ست سنوات، حيث أصبح ذهب “مصرف لبنان” يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي السنوي للبلاد، بل تفوق قيمته في بعض التقديرات 110 في المئة من هذا الناتج، وهي نسبة تُعد من الأعلى عالمياً.
يحكم احتياطي الذهب قانون واضح صدر عام 1986 (القانون 42/86)، يمنع بيع الذهب أو رهنه أو استخدامه كضمان إلا بقانون خاص يصدر عن مجلس النواب، بهدف حمايته من العبث السياسي، خصوصاً في بلد اعتاد على تمويل عجزه عبر استنزاف موارده. ووفق مصادر “مصرف لبنان”، نحو 60 في المئة من الذهب محفوظ في خزائن مصرف لبنان في بيروت، فيما يُخزّن الباقي في الولايات المتحدة “فورت نوكس” منذ عقود، وبموجب القانون، لا يملك الحاكم ولا الحكومة صلاحية التصرّف به، ما يجعل الذهب أصلاً سيادياً معطّلاً، لا يُستخدم إلا بقرار سياسي وتشريعي.
الآلية النقدية
في مقاربته لمسألة الذهب والاستقرار النقدي، يميّز الصحافي المتخصص في الشؤون الاقتصادية عماد شدياق بوضوح بين أسباب الاستقرار النقدي القائم حالياً ودور الذهب المستقبلي، رافضاً الربط المباشر بين ارتفاع قيمة الذهب واستقرار سعر الصرف، ويشير “إلى أن الاستقرار النسبي الذي يشهده لبنان منذ عام 2023 لا يعود إلى الذهب، بل إلى الآلية النقدية التي اعتمدها مصرف لبنان بالتفاهم مع الحكومة، والتي وُضعت خلال ولاية الحاكم بالإنابة وسيم منصوري، وما زالت مستمرة حتى اليوم. هذه الآلية، نجحت في تثبيت سعر الصرف ضمن هامش واضح، ما انعكس مباشرة على الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين، ومنع مزيد من التدهور الاجتماعي، كذلك مكّنت الدولة من تثبيت رواتب القطاع العام بالدولار أو ما يوازيه، وهو ما حال دون انهيار كامل لأوضاع الموظفين والعسكريين، والتي كانت لتصبح أكثر كارثية في غياب هذا الاستقرار النقدي”.
أما الذهب، فيضعه شدياق في إطار مختلف تماماً “ليس كعامل استقرار آني، بل كرافعة مستقبلية للاقتصاد الوطني بعد إقرار القوانين الإصلاحية المطلوبة”، ويوضح أن أهمية الذهب تكمن في كونه الأداة التي يمكن أن تُستخدم لاحقاً لتحريك العجلة الاقتصادية، “شرط أن يسمح القانون المعدَّل لمصرف لبنان بالتصرف بجزء من الاحتياطي من دون بيعه، عبر رهنه أو استخدامه كضمان للحصول على تمويل يُعاد سداده لاحقاً. الهدف من ذلك، ليس سداد ودائع المودعين مباشرة، بل إطلاق دورة تسليف جديدة، وبناء قطاع مصرفي معادة هيكلته قادر على تمويل الاقتصاد المنتج”، ويذهب شدياق أبعد من ذلك، معتبراً “أن الذهب يشكّل الملاذ الآمن الحقيقي لليرة اللبنانية، فحجم الكتلة النقدية بالليرة لا يتجاوز ما يوازي أقل من مليار دولار، في مقابل احتياطي ذهبي نحو تسعة مليارات دولار من الاحتياطات الأخرى لدى مصرف لبنان. هذا الواقع، يعني أن العملة اللبنانية مغطّاة نظرياً بنسبة مرتفعة جداً، ولا خوف وجودياً عليها طالما هذا الاحتياطي قائم”، ويختم بالتأكيد أن المشكلة في لبنان ليست فقراً ولا إفلاساً مطلقاً، “بل التزامات مترتبة نتيجة سياسات خاطئة، والذهب قادر على قلب المشهد بالكامل إذا ترافقت المقاربة الاقتصادية مع إصلاحات فعلية، وتسوية سياسية شاملة، وتسليم السلاح، ودعم حقيقي من أصدقاء لبنان، عندها فقط، يصبح الذهب عنصر قوة استراتيجياً في مسار التعافي، لا مجرد رقم لامع في موازنة مصرف لبنان”.
دفع رئاسي
في السياق، أكد مصدر مسؤول في “مصرف لبنان” أن ما يشهده لبنان اليوم لا يمكن فصله عن التحوّل السياسي الذي رافق انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية، معتبراً أن هذا العهد شكّل، بحد ذاته، انطلاقة جديدة لمرحلة مختلفة، وليس مجرد محطة دستورية عابرة. وقال إن انتخاب رئيس يتمتع بثقة داخلية وخارجية أعاد ضخ قدر كبير من الارتياح في الداخل اللبناني، ووفّر غطاء سياسياً واضحاً لمسار الاستقرار النقدي والأمني الذي تعتمده الدولة. وأوضح المصدر ذاته أن هذا الدفع الرئاسي كان حاسماً في استكمال الآلية النقدية التي اعتمدها “مصرف لبنان” منذ عام 2023 بالتنسيق مع الحكومة، وفي تأمين الغطاء السياسي اللازم للحاكمية، بما حال دون اهتزاز السياسات النقدية تحت وطأة الضغوط الداخلية أو التطورات الإقليمية. وأضاف أن وجود رئيس جمهورية يتبنّى خيار الاستقرار، ويغطي الإجراءات الرامية إلى ضبط الفوضى، شكّل عنصر طمأنينة للأسواق وللمواطنين على حد سواء، مشدداً على أنه من دون هذا الغطاء كان من الصعب تصور استمرار أي سياسة نقدية ثابتة في بلد اعتاد على الارتدادات السياسية الحادة.
وأشار المصدر إلى أن العهد الجديد خلق نَفَساً سياسياً مختلفاً انعكس في فتح ملفات كانت شبه محرّمة في المرحلة السابقة، من حصر السلاح بيد الدولة، إلى الإصلاح ومكافحة الفساد، وصولاً إلى مكافحة تهريب المخدرات وتبييض الأموال واقتصاد الكاش وضبط المعابر والمطار، ولفت إلى أن هذه العناوين لم تعد شعارات، بل تحوّلت إلى مسار عمل مدعوم سياسياً، ما عزّز مناخ الاستقرار العام. ولفت إلى أن هذا المسار تكرّس أكثر مع تشكيل حكومة جديدة برئاسة نواف سلام، الذي يُنظر إليه كشخصية غير مرتبطة بشبكات الفساد السابقة، معتبراً أن التلاقي بين رئاستي الجمهورية والحكومة أسّس، للمرة الأولى منذ سنوات، مناخاً يشعر فيه اللبنانيون بوجود دولة تحاول استعادة دورها.
وفي الشق الاقتصادي، كشف المصدر عن أن لبنان دخل فعلياً مرحلة جدّية من التعافي الاقتصادي، تقوم على إجراءات داخلية مدروسة وتقاطعات إقليمية ودولية إيجابية، انعكست استمراراً في الاستقرار بسعر الصرف وارتفاعاً في احتياطات المصرف المركزي، وأن المصرف يعمل، بالتوازي، على وضع آليات عملية لإعادة أموال المودعين ضمن إطار قانوني وإصلاحي متكامل، مرتبط بإعادة هيكلة شاملة للقطاع المصرفي واستعادة الثقة بالنظام المالي.
أما في ما خص الذهب، فشدّد المصدر على أن مصرف لبنان ينظر إلى ارتفاع سعره العالمي كـفرصة استراتيجية مستقبلية، يمكن الاستفادة منها ضمن ضوابط قانونية صارمة من دون المسّ بالاحتياطي أو التفريط به، معتبراً أن الذهب يشكّل ركيزة سيادية وأحد أعمدة الاستقرار طويل الأمد. وختم المصدر بالتأكيد أن ما يشهده لبنان اليوم ليس نهاية الطريق بل بداية مسار مختلف عن سنوات الانهيار، مسار يتطلب استمرارية سياسية، والتزاماً فعلياً بالإصلاح، واستثماراً حكيماً بعناصر القوة المتبقية في الاقتصاد اللبناني.
الذهب كأصل معطّل يمكن تفعيله
ينطلق عدد من الخبراء الاقتصاديين من فكرة أساسية مفادها بأن ذهب “مصرف لبنان” على رغم حمايته القانونية، يشكّل أصلاً معطّلاً في لحظة تاريخية يمر فيها الاقتصاد اللبناني بأخطر أزماته. هؤلاء لا يدعون إلى بيع الذهب أو التفريط به، بل إلى تفعيل قيمته بطريقة مدروسة ومحدودة، بما يسمح بالاستفادة من الارتفاع التاريخي في أسعاره من دون المساس بجوهر الاحتياطي أو فقدان الملكية السيادية عليه.
في هذا السياق، يطرح الخبير الاقتصادي والمالي نسيب غبريل مقاربة تقوم على استخدام جزء من الزيادة الكبيرة في القيمة الدفترية للذهب عبر أدوات مالية معتمدة دولياً، “مثل عمليات Gold Swap أو الرهن الجزئي الموقت مقابل سيولة بالدولار. الهدف ليس سدّ كامل الفجوة المالية بل تأمين جرعة سيولة مدروسة تُستخدم لتحريك عجلة الاقتصاد، ودعم إعادة هيكلة القطاع المصرفي، والمساهمة في ردّ جزء من ودائع المودعين، ولا سيما الصغار منهم”. ويشدد غبريل على أن أي عملية من هذا النوع يجب أن تكون مرتبطة بخطة إصلاح شاملة، وتحت رقابة دولية صارمة، لتفادي تكرار تجارب الهدر السابقة.
من جهته، يذهب الأمين العام للهيئات الاقتصادية في لبنان نقولا شماس، أبعد في طرحه، مقترحاً تأجير الذهب بدل رهنه أو بيعه. وتقوم هذه الفكرة على إبقاء الذهب ملكاً لـ”مصرف لبنان”، مع إقراضه لمؤسسات مالية أو بنوك مركزية عالمية مقابل عائد سنوي ثابت، قد يصل، بحسب تقديراته، إلى نحو 600 مليون دولار سنوياً، ويرى شماس أن هذا العائد يمكن أن يشكّل مصدر دخل دائم يستخدم لدعم الاستقرار النقدي أو تمويل استيراد السلع الأساسية، من دون المساس بالاحتياطي نفسه.
أنصار هذا التوجه يعتبرون أن إبقاء الذهب مجمّداً بالكامل، في ظل اقتصاد ينهار، هو هدر لفرصة تاريخية، لكنهم في الوقت نفسه يقرّون بأن أي خطوة من هذا النوع تتطلب غطاء سياسياً وتشريعياً واضحاً، وشفافية مطلقة، وربطاً صارماً بالإصلاحات، حتى لا يتحول الذهب من ورقة إنقاذ محتملة إلى ضحية جديدة لسوء الإدارة.
الذهب آخر ورقة
في المقابل، يبرز تيار تحذيري قوي يرى في النقاش الدائر حول استثمار الذهب خطراً مفاهيمياً وسياسياً أكثر مما هو حل اقتصادي. ويُعد الصحافي الاقتصادي محمد وهبة من أبرز الأصوات التي حذّرت مراراً من تحويل احتياطي الذهب إلى ما يشبه المسكّن المالي الذي يُستخدم لتأجيل الانفجار بدل معالجة أسبابه. وينطلق وهبة من تشخيص جذري للأزمة اللبنانية، معتبراً أن المشكلة ليست في نقص الأصول، بل في غياب المحاسبة وسوء إدارة الودائع وتواطؤ الدولة مع النظام المصرفي على مدى سنوات. وبرأيه، فإن التركيز على الذهب كحلّ يخفي المسؤوليات الحقيقية للسلطة السياسية التي راكمت العجز، وللمصارف التي استخدمت أموال المودعين لتمويل الدولة من دون ضوابط، ولمصرف لبنان الذي أدار هذه الحلقة بسياسات نقدية خطرة. ويحذّر من أن استخدام الذهب خارج إطار خطة إصلاح شاملة وعادلة سيؤدي عملياً إلى تحميل المودعين والمجتمع كلفة إضافية لإنقاذ منظومة فشلت، بدل تحميل الخسائر للجهات التي تسببت بها. فالذهب، في نظره، ليس “مالاً فائضاً” يمكن إنفاقه بسهولة، بل هو آخر أصول سيادية صلبة متبقية، وأي مساس به في غياب إصلاحات حقيقية قد يعني تكرار السيناريو نفسه: تبديد أصل عام من دون استعادة الثقة أو بناء اقتصاد منتج. ويشدد على أن الذهب، مهما بلغت قيمته، غير قادر وحده على سد فجوة مالية تتجاوز 80 مليار دولار، ما يجعل الرهان عليه تضليلاً للرأي العام، ويؤكد أن الأولوية يجب أن تكون لإعادة هيكلة المصارف، واستعادة دور الدولة الرقابي، ومحاسبة المسؤولين عن الهدر، قبل التفكير في الذهب كجزء من الحل، من دون ذلك، يصبح الذهب مجرد آخر ورقة تُحرق في لعبة تأجيل الانهيار، بدل أن تكون ركيزة لتعافٍ فعلي ومستدام.
لماذا لم تتحسّن الليرة؟
على رغم تضخم قيمة الذهب، بقيت الليرة اللبنانية تتداول عند مستويات متدنية، بـ 90 ألف ليرة للدولار. هذا التناقض يختصر جوهر الأزمة النقدية في لبنان، حيث ترى أوساط مصرفية أن الذهب غير سائل، وهو أصل مخزّن لا يضخ دولارات في السوق طالما لم يُبع أو يُرهن، كذلك تعاني موازنة مصرف لبنان اختلالاً حاداً بين الأصول والخصوم، فالتزامات المصارف والودائع تفوق قيمة الذهب والاحتياطيات الأجنبية مجتمعة. وبرأيها فإن الدولرة الشاملة أفقدت الليرة أي دور فعلي، وجعلت الطلب عليها ضعيفاً، بغض النظر عن قيمة أصول المصرف المركزي، إضافة الى أن التوسع الهائل في الكتلة النقدية بالليرة منذ عام 2019، وبالتالي فإن الذهب يعزّز الأرقام، لكنه لا يعالج الثقة، وهي العنصر الحاسم في أي عملة.
ذهب “مصرف لبنان” ثروة تتضخّم وأزمة لا تنحسر

منذ الانهيار المالي عام 2019، عاد ذهب “مصرف لبنان” إلى الواجهة كآخر أصول سيادية متبقية، بعدما قفزت قيمته إلى أكثر من 50 مليار دولار. غير أن هذا البريق لم ينعكس تحسّناً في سعر صرف الليرة أو حلاً لأزمة الودائع، إذ يبقى الذهب محمياً بالقانون وغير قابل للاستخدام المباشر. وتشير الأوساط الاقتصادية إلى أن الاستقرار النقدي منذ عام 2023 يعود إلى آلية نقدية اعتمدها مصرف لبنان بدعم سياسي، لا إلى الذهب.
منذ الانهيار المالي الذي هزّ لبنان في خريف عام 2019، ومعه الانهيار غير المسبوق في قيمة الليرة اللبنانية، عاد ملف ذهب “مصرف لبنان” إلى صدارة النقاش العام، كرمز لآخر ما تبقّى من أصول سيادية في دولة استُنزفت مالياً وسياسياً. يمتلك “مصرف لبنان” نحو 286.8 طن من الذهب، ما يجعله ثاني أكبر احتياطي عربي بعد السعودية، وضمن الـ 20 الأوائل عالمياً. هذا الرقم لم يتغيّر منذ سنوات، لكن ما تغيّر جذرياً هو قيمة هذا الاحتياطي، التي قفزت من نحو 12 إلى 14 مليار دولار قبل الأزمة إلى ما يفوق 40 مليار دولار بنهاية عام 2025، مع تقديرات تتجاوز 60 مليار دولار إذا استمر صعود الذهب عالمياً في عام 2026. غير أن هذا البريق الذهبي لم ينجح في تبديد ظلمة الأزمة النقدية، فالليرة اللبنانية بقيت منهارة، والودائع محتجزة، والفجوة المالية على حالها، في وقت يتحول الذهب إلى محور جدل سياسي واقتصادي حاد: هل هو طوق نجاة أخير أم خط أحمر لا يجوز الاقتراب منه؟
الذهب محمي بالقانون
قبل عام 2019، كان الذهب يُنظر إليه كاحتياطي تقليدي يعزّز الثقة بالعملة الوطنية، يومها، ومع سعر أونصة يتراوح بين 1300 و1500 دولار، لم تتجاوز قيمة الاحتياطي الذهبي 13.7 مليار دولار تقريباً، لكن مع تفجّر الأزمات العالمية، واندفاع المستثمرين نحو الذهب كملاذ آمن، بدأ المعدن الأصفر رحلة صعود تاريخية، ومن دون أن يضيف لبنان غراماً واحداً إلى احتياطه، تضاعفت قيمته أكثر من ثلاث مرات خلال ست سنوات، حيث أصبح ذهب “مصرف لبنان” يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي السنوي للبلاد، بل تفوق قيمته في بعض التقديرات 110 في المئة من هذا الناتج، وهي نسبة تُعد من الأعلى عالمياً.
يحكم احتياطي الذهب قانون واضح صدر عام 1986 (القانون 42/86)، يمنع بيع الذهب أو رهنه أو استخدامه كضمان إلا بقانون خاص يصدر عن مجلس النواب، بهدف حمايته من العبث السياسي، خصوصاً في بلد اعتاد على تمويل عجزه عبر استنزاف موارده. ووفق مصادر “مصرف لبنان”، نحو 60 في المئة من الذهب محفوظ في خزائن مصرف لبنان في بيروت، فيما يُخزّن الباقي في الولايات المتحدة “فورت نوكس” منذ عقود، وبموجب القانون، لا يملك الحاكم ولا الحكومة صلاحية التصرّف به، ما يجعل الذهب أصلاً سيادياً معطّلاً، لا يُستخدم إلا بقرار سياسي وتشريعي.
الآلية النقدية
في مقاربته لمسألة الذهب والاستقرار النقدي، يميّز الصحافي المتخصص في الشؤون الاقتصادية عماد شدياق بوضوح بين أسباب الاستقرار النقدي القائم حالياً ودور الذهب المستقبلي، رافضاً الربط المباشر بين ارتفاع قيمة الذهب واستقرار سعر الصرف، ويشير “إلى أن الاستقرار النسبي الذي يشهده لبنان منذ عام 2023 لا يعود إلى الذهب، بل إلى الآلية النقدية التي اعتمدها مصرف لبنان بالتفاهم مع الحكومة، والتي وُضعت خلال ولاية الحاكم بالإنابة وسيم منصوري، وما زالت مستمرة حتى اليوم. هذه الآلية، نجحت في تثبيت سعر الصرف ضمن هامش واضح، ما انعكس مباشرة على الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين، ومنع مزيد من التدهور الاجتماعي، كذلك مكّنت الدولة من تثبيت رواتب القطاع العام بالدولار أو ما يوازيه، وهو ما حال دون انهيار كامل لأوضاع الموظفين والعسكريين، والتي كانت لتصبح أكثر كارثية في غياب هذا الاستقرار النقدي”.
أما الذهب، فيضعه شدياق في إطار مختلف تماماً “ليس كعامل استقرار آني، بل كرافعة مستقبلية للاقتصاد الوطني بعد إقرار القوانين الإصلاحية المطلوبة”، ويوضح أن أهمية الذهب تكمن في كونه الأداة التي يمكن أن تُستخدم لاحقاً لتحريك العجلة الاقتصادية، “شرط أن يسمح القانون المعدَّل لمصرف لبنان بالتصرف بجزء من الاحتياطي من دون بيعه، عبر رهنه أو استخدامه كضمان للحصول على تمويل يُعاد سداده لاحقاً. الهدف من ذلك، ليس سداد ودائع المودعين مباشرة، بل إطلاق دورة تسليف جديدة، وبناء قطاع مصرفي معادة هيكلته قادر على تمويل الاقتصاد المنتج”، ويذهب شدياق أبعد من ذلك، معتبراً “أن الذهب يشكّل الملاذ الآمن الحقيقي لليرة اللبنانية، فحجم الكتلة النقدية بالليرة لا يتجاوز ما يوازي أقل من مليار دولار، في مقابل احتياطي ذهبي نحو تسعة مليارات دولار من الاحتياطات الأخرى لدى مصرف لبنان. هذا الواقع، يعني أن العملة اللبنانية مغطّاة نظرياً بنسبة مرتفعة جداً، ولا خوف وجودياً عليها طالما هذا الاحتياطي قائم”، ويختم بالتأكيد أن المشكلة في لبنان ليست فقراً ولا إفلاساً مطلقاً، “بل التزامات مترتبة نتيجة سياسات خاطئة، والذهب قادر على قلب المشهد بالكامل إذا ترافقت المقاربة الاقتصادية مع إصلاحات فعلية، وتسوية سياسية شاملة، وتسليم السلاح، ودعم حقيقي من أصدقاء لبنان، عندها فقط، يصبح الذهب عنصر قوة استراتيجياً في مسار التعافي، لا مجرد رقم لامع في موازنة مصرف لبنان”.
دفع رئاسي
في السياق، أكد مصدر مسؤول في “مصرف لبنان” أن ما يشهده لبنان اليوم لا يمكن فصله عن التحوّل السياسي الذي رافق انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية، معتبراً أن هذا العهد شكّل، بحد ذاته، انطلاقة جديدة لمرحلة مختلفة، وليس مجرد محطة دستورية عابرة. وقال إن انتخاب رئيس يتمتع بثقة داخلية وخارجية أعاد ضخ قدر كبير من الارتياح في الداخل اللبناني، ووفّر غطاء سياسياً واضحاً لمسار الاستقرار النقدي والأمني الذي تعتمده الدولة. وأوضح المصدر ذاته أن هذا الدفع الرئاسي كان حاسماً في استكمال الآلية النقدية التي اعتمدها “مصرف لبنان” منذ عام 2023 بالتنسيق مع الحكومة، وفي تأمين الغطاء السياسي اللازم للحاكمية، بما حال دون اهتزاز السياسات النقدية تحت وطأة الضغوط الداخلية أو التطورات الإقليمية. وأضاف أن وجود رئيس جمهورية يتبنّى خيار الاستقرار، ويغطي الإجراءات الرامية إلى ضبط الفوضى، شكّل عنصر طمأنينة للأسواق وللمواطنين على حد سواء، مشدداً على أنه من دون هذا الغطاء كان من الصعب تصور استمرار أي سياسة نقدية ثابتة في بلد اعتاد على الارتدادات السياسية الحادة.
وأشار المصدر إلى أن العهد الجديد خلق نَفَساً سياسياً مختلفاً انعكس في فتح ملفات كانت شبه محرّمة في المرحلة السابقة، من حصر السلاح بيد الدولة، إلى الإصلاح ومكافحة الفساد، وصولاً إلى مكافحة تهريب المخدرات وتبييض الأموال واقتصاد الكاش وضبط المعابر والمطار، ولفت إلى أن هذه العناوين لم تعد شعارات، بل تحوّلت إلى مسار عمل مدعوم سياسياً، ما عزّز مناخ الاستقرار العام. ولفت إلى أن هذا المسار تكرّس أكثر مع تشكيل حكومة جديدة برئاسة نواف سلام، الذي يُنظر إليه كشخصية غير مرتبطة بشبكات الفساد السابقة، معتبراً أن التلاقي بين رئاستي الجمهورية والحكومة أسّس، للمرة الأولى منذ سنوات، مناخاً يشعر فيه اللبنانيون بوجود دولة تحاول استعادة دورها.
وفي الشق الاقتصادي، كشف المصدر عن أن لبنان دخل فعلياً مرحلة جدّية من التعافي الاقتصادي، تقوم على إجراءات داخلية مدروسة وتقاطعات إقليمية ودولية إيجابية، انعكست استمراراً في الاستقرار بسعر الصرف وارتفاعاً في احتياطات المصرف المركزي، وأن المصرف يعمل، بالتوازي، على وضع آليات عملية لإعادة أموال المودعين ضمن إطار قانوني وإصلاحي متكامل، مرتبط بإعادة هيكلة شاملة للقطاع المصرفي واستعادة الثقة بالنظام المالي.
أما في ما خص الذهب، فشدّد المصدر على أن مصرف لبنان ينظر إلى ارتفاع سعره العالمي كـفرصة استراتيجية مستقبلية، يمكن الاستفادة منها ضمن ضوابط قانونية صارمة من دون المسّ بالاحتياطي أو التفريط به، معتبراً أن الذهب يشكّل ركيزة سيادية وأحد أعمدة الاستقرار طويل الأمد. وختم المصدر بالتأكيد أن ما يشهده لبنان اليوم ليس نهاية الطريق بل بداية مسار مختلف عن سنوات الانهيار، مسار يتطلب استمرارية سياسية، والتزاماً فعلياً بالإصلاح، واستثماراً حكيماً بعناصر القوة المتبقية في الاقتصاد اللبناني.
الذهب كأصل معطّل يمكن تفعيله
ينطلق عدد من الخبراء الاقتصاديين من فكرة أساسية مفادها بأن ذهب “مصرف لبنان” على رغم حمايته القانونية، يشكّل أصلاً معطّلاً في لحظة تاريخية يمر فيها الاقتصاد اللبناني بأخطر أزماته. هؤلاء لا يدعون إلى بيع الذهب أو التفريط به، بل إلى تفعيل قيمته بطريقة مدروسة ومحدودة، بما يسمح بالاستفادة من الارتفاع التاريخي في أسعاره من دون المساس بجوهر الاحتياطي أو فقدان الملكية السيادية عليه.
في هذا السياق، يطرح الخبير الاقتصادي والمالي نسيب غبريل مقاربة تقوم على استخدام جزء من الزيادة الكبيرة في القيمة الدفترية للذهب عبر أدوات مالية معتمدة دولياً، “مثل عمليات Gold Swap أو الرهن الجزئي الموقت مقابل سيولة بالدولار. الهدف ليس سدّ كامل الفجوة المالية بل تأمين جرعة سيولة مدروسة تُستخدم لتحريك عجلة الاقتصاد، ودعم إعادة هيكلة القطاع المصرفي، والمساهمة في ردّ جزء من ودائع المودعين، ولا سيما الصغار منهم”. ويشدد غبريل على أن أي عملية من هذا النوع يجب أن تكون مرتبطة بخطة إصلاح شاملة، وتحت رقابة دولية صارمة، لتفادي تكرار تجارب الهدر السابقة.
من جهته، يذهب الأمين العام للهيئات الاقتصادية في لبنان نقولا شماس، أبعد في طرحه، مقترحاً تأجير الذهب بدل رهنه أو بيعه. وتقوم هذه الفكرة على إبقاء الذهب ملكاً لـ”مصرف لبنان”، مع إقراضه لمؤسسات مالية أو بنوك مركزية عالمية مقابل عائد سنوي ثابت، قد يصل، بحسب تقديراته، إلى نحو 600 مليون دولار سنوياً، ويرى شماس أن هذا العائد يمكن أن يشكّل مصدر دخل دائم يستخدم لدعم الاستقرار النقدي أو تمويل استيراد السلع الأساسية، من دون المساس بالاحتياطي نفسه.
أنصار هذا التوجه يعتبرون أن إبقاء الذهب مجمّداً بالكامل، في ظل اقتصاد ينهار، هو هدر لفرصة تاريخية، لكنهم في الوقت نفسه يقرّون بأن أي خطوة من هذا النوع تتطلب غطاء سياسياً وتشريعياً واضحاً، وشفافية مطلقة، وربطاً صارماً بالإصلاحات، حتى لا يتحول الذهب من ورقة إنقاذ محتملة إلى ضحية جديدة لسوء الإدارة.
الذهب آخر ورقة
في المقابل، يبرز تيار تحذيري قوي يرى في النقاش الدائر حول استثمار الذهب خطراً مفاهيمياً وسياسياً أكثر مما هو حل اقتصادي. ويُعد الصحافي الاقتصادي محمد وهبة من أبرز الأصوات التي حذّرت مراراً من تحويل احتياطي الذهب إلى ما يشبه المسكّن المالي الذي يُستخدم لتأجيل الانفجار بدل معالجة أسبابه. وينطلق وهبة من تشخيص جذري للأزمة اللبنانية، معتبراً أن المشكلة ليست في نقص الأصول، بل في غياب المحاسبة وسوء إدارة الودائع وتواطؤ الدولة مع النظام المصرفي على مدى سنوات. وبرأيه، فإن التركيز على الذهب كحلّ يخفي المسؤوليات الحقيقية للسلطة السياسية التي راكمت العجز، وللمصارف التي استخدمت أموال المودعين لتمويل الدولة من دون ضوابط، ولمصرف لبنان الذي أدار هذه الحلقة بسياسات نقدية خطرة. ويحذّر من أن استخدام الذهب خارج إطار خطة إصلاح شاملة وعادلة سيؤدي عملياً إلى تحميل المودعين والمجتمع كلفة إضافية لإنقاذ منظومة فشلت، بدل تحميل الخسائر للجهات التي تسببت بها. فالذهب، في نظره، ليس “مالاً فائضاً” يمكن إنفاقه بسهولة، بل هو آخر أصول سيادية صلبة متبقية، وأي مساس به في غياب إصلاحات حقيقية قد يعني تكرار السيناريو نفسه: تبديد أصل عام من دون استعادة الثقة أو بناء اقتصاد منتج. ويشدد على أن الذهب، مهما بلغت قيمته، غير قادر وحده على سد فجوة مالية تتجاوز 80 مليار دولار، ما يجعل الرهان عليه تضليلاً للرأي العام، ويؤكد أن الأولوية يجب أن تكون لإعادة هيكلة المصارف، واستعادة دور الدولة الرقابي، ومحاسبة المسؤولين عن الهدر، قبل التفكير في الذهب كجزء من الحل، من دون ذلك، يصبح الذهب مجرد آخر ورقة تُحرق في لعبة تأجيل الانهيار، بدل أن تكون ركيزة لتعافٍ فعلي ومستدام.
لماذا لم تتحسّن الليرة؟
على رغم تضخم قيمة الذهب، بقيت الليرة اللبنانية تتداول عند مستويات متدنية، بـ 90 ألف ليرة للدولار. هذا التناقض يختصر جوهر الأزمة النقدية في لبنان، حيث ترى أوساط مصرفية أن الذهب غير سائل، وهو أصل مخزّن لا يضخ دولارات في السوق طالما لم يُبع أو يُرهن، كذلك تعاني موازنة مصرف لبنان اختلالاً حاداً بين الأصول والخصوم، فالتزامات المصارف والودائع تفوق قيمة الذهب والاحتياطيات الأجنبية مجتمعة. وبرأيها فإن الدولرة الشاملة أفقدت الليرة أي دور فعلي، وجعلت الطلب عليها ضعيفاً، بغض النظر عن قيمة أصول المصرف المركزي، إضافة الى أن التوسع الهائل في الكتلة النقدية بالليرة منذ عام 2019، وبالتالي فإن الذهب يعزّز الأرقام، لكنه لا يعالج الثقة، وهي العنصر الحاسم في أي عملة.










