لبنان: فالج لا تعالِج

هذا ليس نصاً غاضباً، ولا صرخة يأس، ولا محاولة إنقاذ. هذا تشخيص لبلدٍ يرفض الاعتراف بمرضه… ويُصرّ على العيش في الإنكار حتى الموت.
مع حربٍ أو بلا حرب، بوجود حزب الله أو غيابه، بانتصاره أوهزيمته، بسقوط نظام الملالي أو بقائه متماسكاً على أنقاضشعبه، بوجود الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام أو بعد انتهاء عهدهما، وقبل أي عهدٍ وبعد أي عهد، لبنان بلدٌ مريض… مريضجداً.
مرضه ليس طارئاً ولا ظرفياً، ولا هو نتيجة أزمة عابرة أو خللٍمؤقت. مرضه مستعصٍ، لأن الخلل ليس في الأعراض، بل فيالجذور، في الـDNA: في بنية النظام نفسه، وفي الثقافة السياسية والاجتماعية التي أنتجته، وفي وعي ناسه، أو بالأحرى في تعطيل هذا الوعي وتحويله إلى أداة تبرير وتكيّف وانسحاب.
لبنان بلدٌ عالق في التاريخ، لا يعيش حاضره، ولا يتعلّم من ماضيه ولا يملك الجرأة على القطيعة مع ما دمّره. بلدٌ قائم علىشفاءٍ كاذب، ومصالحاتٍ كاذبة، وتعايشٍ كاذب، تُسوَّق كإنجازاتوطنية فيما هي مجرّد تأجيل للانفجار التالي.
لأنه بلدٌ بلا عدالة، بلا محاسبة، بلا حقيقة، وبلا حق يُستعاد أويُصان.
في لبنان دويلاتٌ موازية داخل الدولة، وسلطاتٌ فوق السلطة وسلاحٌ خارج أي منطق وطني. فيه روايات تاريخ متناقضة،وتواريخ مكتوبة على قياس الطوائف، وذاكرات طائفية ومناطقيةمتحاربة، وحتى داخل الطائفة الواحدة، والمنطقة الواحدة، توجدسرديات متنافرة، متصارعة، لا أمل في توحيدها، ولا في ربطها بأي خيط جامع يمكن أن يُسمّى هوية وطنية.
بل في لبنان لا هوية واحدة، بل هويات، وولاءات، وولايات، تتقدّم كلها على مفهوم الدولة، وتتفوّق كلها على فكرة الوطن.
اللبنانيون يقبلون بأي شيء ويتأقلمون مع كل شيء، ويطوّرون قدرة مَرَضية على التعايش مع القبح، طالما أن ذلك يؤمّن استمرار الوهم، واستدامة الخرافة، وحفظ الحد الأدنى من “الاستقرار”الزائف. يقبلون بقضاءٍ فاسد ومُسيَّس، وبأن تبقى قضية تفجيرمرفأ بيروت بلا خاتمة، بلا حقيقة، بلا عدالة، وبلا أسماء واضحةللقتلة. يقبلون بأن يبقى قتلة لقمان سليم، وبيار الجميل، ومحمد شطح، مجهولين… أو مُجهَّلين عمدًا. يقبلون بأن يبقى سارِقوجنى عمر اللبنانيين وأموال المودعين أحراراً، طلقاء، وقحين،يتنعّمون بحريتهم الكاملة، ويُلقون الخطب عن الأخلاق والسيادة.
يقبلون بمسجونين يمضون سنواتٍ خلف القضبان بلا محاكمة، وبأراضٍ مُصادَرة في لاسا وجزين وغيرها وبأن تستخف سلطة فاشلة وفاسدة بعقولهم، فتُنوِّم تحقيق الروشة، وتُمرِّر قرار إقفال القرض الحسن، وكأن شيئاً لم يكن، وكأن أحداً لن يسأل.
يقبلون بقانون انتخابٍ مسخ، قانون مشوَّه، مفصَّل على قياس أحزابٍ عفِنة فاحت رائحتها ولم يعد أحد قادرًا على إنكار عفنها. ويقبلون بتمييزٍ عنصري فجّ بين لبناني مقيم، ولبناني اضطر إلىمغادرة بيته لأن الحياة فيه باتت شبيهة بالموت البطيء.
قانون انتخاب يقمع المغتربين ويكتم أصواتهم، ويُقصيهم عن القرار، فقط لإرضاء كهلٍ هرم قارب التسعين، خوفاً من أن يخسروا كراسي لم تعد تمثّل سلطة تشريعية، بل تشبه كراسي الإعدام الكهربائية داخل برلمان تجتمع فيه كل الصفات السيئة، وأقلّ ما يُقال عنه إنه عصفورية سياسية مكتملة الأوصاف.
يقبلون بالعيش عالةً وشحّادين على أبواب الدول، يقبضون منها إعاناتٍ أو رشاوى، مقابل خيانة لبنان، وخيانة مصلحته العليا، وخيانة فكرة الدولة نفسها.
لبنان مريض لأن شعبه يلوذ بالصمت حين يُعتقَل جندي لأنه صوّر مخازن سلاحٍ إرهابي غير شرعي، وكأن الجريمة ليست في السلاح، بل في من كشفه.
لبنان مريض، ومرضه عضال، لأنه يرفض الاعتراف بأنه مريض. يعيش حالة إنكار جماعية لم يشهد العالم لها مثيلًا، يرفضالعلاج، يسخر من التشخيص، ويعشق الموت… ويبرّر الانتحارالسياسي والاقتصادي والأخلاقي باسم الواقعية والحكمة.
لبنان مريض لأننا في عام 2026 ما زلنا نشاهد تناتُفاً وتقاتلاً بين العونيين والباسيليين والقوات، وبين أمل وحزب الله، وكأن الزمن توقّف، وكأن الخراب لم يكن كافياً بعد. ولأن أدرينالين الناس لا تحرّكه الكوارث ولا الانهيارات، بل برامج تلفزيونية تهريجية، موجّهة، سطحية، تبيعهم الوهم وتغذّي الانقسام.
حزينٌ هذا لبنان. حزينٌ إلى حدّ العجز. أين أصبح العالم؟ وأينهو لبنان مما يجري حوله، مما يُبنى، مما يتغيّر، ومما يتقدّم؟
ويصح القول في بلدي، اليوم وغداً ومنذ زمن طويل: فالج لا تعالِج.
لبنان: فالج لا تعالِج

هذا ليس نصاً غاضباً، ولا صرخة يأس، ولا محاولة إنقاذ. هذا تشخيص لبلدٍ يرفض الاعتراف بمرضه… ويُصرّ على العيش في الإنكار حتى الموت.
مع حربٍ أو بلا حرب، بوجود حزب الله أو غيابه، بانتصاره أوهزيمته، بسقوط نظام الملالي أو بقائه متماسكاً على أنقاضشعبه، بوجود الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام أو بعد انتهاء عهدهما، وقبل أي عهدٍ وبعد أي عهد، لبنان بلدٌ مريض… مريضجداً.
مرضه ليس طارئاً ولا ظرفياً، ولا هو نتيجة أزمة عابرة أو خللٍمؤقت. مرضه مستعصٍ، لأن الخلل ليس في الأعراض، بل فيالجذور، في الـDNA: في بنية النظام نفسه، وفي الثقافة السياسية والاجتماعية التي أنتجته، وفي وعي ناسه، أو بالأحرى في تعطيل هذا الوعي وتحويله إلى أداة تبرير وتكيّف وانسحاب.
لبنان بلدٌ عالق في التاريخ، لا يعيش حاضره، ولا يتعلّم من ماضيه ولا يملك الجرأة على القطيعة مع ما دمّره. بلدٌ قائم علىشفاءٍ كاذب، ومصالحاتٍ كاذبة، وتعايشٍ كاذب، تُسوَّق كإنجازاتوطنية فيما هي مجرّد تأجيل للانفجار التالي.
لأنه بلدٌ بلا عدالة، بلا محاسبة، بلا حقيقة، وبلا حق يُستعاد أويُصان.
في لبنان دويلاتٌ موازية داخل الدولة، وسلطاتٌ فوق السلطة وسلاحٌ خارج أي منطق وطني. فيه روايات تاريخ متناقضة،وتواريخ مكتوبة على قياس الطوائف، وذاكرات طائفية ومناطقيةمتحاربة، وحتى داخل الطائفة الواحدة، والمنطقة الواحدة، توجدسرديات متنافرة، متصارعة، لا أمل في توحيدها، ولا في ربطها بأي خيط جامع يمكن أن يُسمّى هوية وطنية.
بل في لبنان لا هوية واحدة، بل هويات، وولاءات، وولايات، تتقدّم كلها على مفهوم الدولة، وتتفوّق كلها على فكرة الوطن.
اللبنانيون يقبلون بأي شيء ويتأقلمون مع كل شيء، ويطوّرون قدرة مَرَضية على التعايش مع القبح، طالما أن ذلك يؤمّن استمرار الوهم، واستدامة الخرافة، وحفظ الحد الأدنى من “الاستقرار”الزائف. يقبلون بقضاءٍ فاسد ومُسيَّس، وبأن تبقى قضية تفجيرمرفأ بيروت بلا خاتمة، بلا حقيقة، بلا عدالة، وبلا أسماء واضحةللقتلة. يقبلون بأن يبقى قتلة لقمان سليم، وبيار الجميل، ومحمد شطح، مجهولين… أو مُجهَّلين عمدًا. يقبلون بأن يبقى سارِقوجنى عمر اللبنانيين وأموال المودعين أحراراً، طلقاء، وقحين،يتنعّمون بحريتهم الكاملة، ويُلقون الخطب عن الأخلاق والسيادة.
يقبلون بمسجونين يمضون سنواتٍ خلف القضبان بلا محاكمة، وبأراضٍ مُصادَرة في لاسا وجزين وغيرها وبأن تستخف سلطة فاشلة وفاسدة بعقولهم، فتُنوِّم تحقيق الروشة، وتُمرِّر قرار إقفال القرض الحسن، وكأن شيئاً لم يكن، وكأن أحداً لن يسأل.
يقبلون بقانون انتخابٍ مسخ، قانون مشوَّه، مفصَّل على قياس أحزابٍ عفِنة فاحت رائحتها ولم يعد أحد قادرًا على إنكار عفنها. ويقبلون بتمييزٍ عنصري فجّ بين لبناني مقيم، ولبناني اضطر إلىمغادرة بيته لأن الحياة فيه باتت شبيهة بالموت البطيء.
قانون انتخاب يقمع المغتربين ويكتم أصواتهم، ويُقصيهم عن القرار، فقط لإرضاء كهلٍ هرم قارب التسعين، خوفاً من أن يخسروا كراسي لم تعد تمثّل سلطة تشريعية، بل تشبه كراسي الإعدام الكهربائية داخل برلمان تجتمع فيه كل الصفات السيئة، وأقلّ ما يُقال عنه إنه عصفورية سياسية مكتملة الأوصاف.
يقبلون بالعيش عالةً وشحّادين على أبواب الدول، يقبضون منها إعاناتٍ أو رشاوى، مقابل خيانة لبنان، وخيانة مصلحته العليا، وخيانة فكرة الدولة نفسها.
لبنان مريض لأن شعبه يلوذ بالصمت حين يُعتقَل جندي لأنه صوّر مخازن سلاحٍ إرهابي غير شرعي، وكأن الجريمة ليست في السلاح، بل في من كشفه.
لبنان مريض، ومرضه عضال، لأنه يرفض الاعتراف بأنه مريض. يعيش حالة إنكار جماعية لم يشهد العالم لها مثيلًا، يرفضالعلاج، يسخر من التشخيص، ويعشق الموت… ويبرّر الانتحارالسياسي والاقتصادي والأخلاقي باسم الواقعية والحكمة.
لبنان مريض لأننا في عام 2026 ما زلنا نشاهد تناتُفاً وتقاتلاً بين العونيين والباسيليين والقوات، وبين أمل وحزب الله، وكأن الزمن توقّف، وكأن الخراب لم يكن كافياً بعد. ولأن أدرينالين الناس لا تحرّكه الكوارث ولا الانهيارات، بل برامج تلفزيونية تهريجية، موجّهة، سطحية، تبيعهم الوهم وتغذّي الانقسام.
حزينٌ هذا لبنان. حزينٌ إلى حدّ العجز. أين أصبح العالم؟ وأينهو لبنان مما يجري حوله، مما يُبنى، مما يتغيّر، ومما يتقدّم؟
ويصح القول في بلدي، اليوم وغداً ومنذ زمن طويل: فالج لا تعالِج.












