خطة سحب السلاح تترنح… هل تسقط موازنة 2026 الحكومة؟

الكاتب: طوني بولس | المصدر: اندبندنت عربية
1 شباط 2026

تؤكد موازنة لبنان لعام 2026 أن الطبقة السياسية الحاكمة اختارت إدارة الانهيار بدل معالجته، عبر تكريس دولة ضعيفة وعاجزة لا تواكب حجم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة، فالموازنة التي تذهب غالبية إنفاقها للأجور والتشغيل مقابل نسبة تنمية هزيلة، لا تعالج تآكل الرواتب ولا انهيار الخدمات ولا شروط جذب الاستثمار، هذا الفشل الممنهج يفاقم الاحتقان الشعبي ويضع البلاد على حافة ثورة اجتماعية جديدة

ليست موازنة عام 2026 مجرد فشل مالي أو قصور في التخطيط، بل هي دليل إضافي على أن الطبقة السياسية الحاكمة شريك أساس في مؤامرة إبقاء الدولة اللبنانية ضعيفة ومشلولة، هذه الموازنة لا تحاكي حجم الانهيار، ولا تلامس التحديات الاجتماعية المتفجّرة، ولا تستجيب لمطالب الناس، بل تُكرّس منطق الدولة العاجزة كخيار سياسي متعمَّد، فكلما ضعفت الدولة، سَهُل تبرير السلاح خارجها، وكلما فشلت مؤسساتها، ارتفع منسوب الخطاب الذي يدّعي أن الدولة غير مؤهلة لتحمّل مسؤوليات السيادة، من هذا المنطلق، لا تبدو الموازنة سهواً أو خطأً تقنياً، بل أداة تخدم من يريد إبقاء لبنان دولة فاشلة.

في لحظات التحوّل الكبرى، تكون الموازنات مرآة صافية للعقل السياسي الذي يحكم البلاد، وموازنة عام 2026، التي أُقرّت في مجلس النواب اللبناني، لا تعكس فقط فشلاً في الرؤية الاقتصادية، بل تكشف، بلا مواربة، قراراً سياسياً عميقاً بإبقاء لبنان دولة ضعيفة، عاجزة، ومعلّقة على حافة الانفجار، ليست هذه الموازنة نتيجة سوء تقدير، ولا ثمرة جهل بالوقائع، بل هي امتداد مباشر لنهج سلطوي متكامل يرى في فشل الدولة شرطاً لبقاء المنظومة، وفي إنهاك المواطن وسيلة للسيطرة عليه.

منذ أكثر من أربعين عاماً، تتناوب القوى السياسية نفسها على الحكم من دون أن تكون يوماً خارج السلطة. فمنذ اتفاق الطائف حتى اليوم، لم تعرف البلاد حكومة واحدة لا تضمّ صلب هذه المنظومة، وعلى اختلاف شعاراتها وخطاباتها الطائفية المتصارعة، تتقاطع هذه القوى عند نقطة جوهرية واحدة: منع قيام دولة فعلية في لبنان، فالدولة القوية تُنهي دور الزعيم، والدولة العادلة تُسقط نظام الولاءات، والدولة القادرة تُفقد الأحزاب قدرتها على التحكّم بالناس عبر الحرمان وتقديم الخدمات البديلة.

من هنا، لا يمكن قراءة موازنة 2026 بمعزل عن هذا السياق التاريخي، فقرابة 90 في المئة من الإنفاق العام مخصّص للأجور والتشغيل، فيما لا تتجاوز حصة التنمية ثلاثة في المئة.

هذا الواقع ليس خللاً تقنياً ولا صدفة حسابية، بل هو خيار سياسي واضح فالمنظومة لا تريد تنمية حقيقية، لأن التنمية تعني فرص عمل خارج عباءتها، وتعني اقتصاداً أقل تبعية للزعيم، وتعني مواطناً أقل قابلية للابتزاز، لذلك تُدار الدولة كجهاز رواتب هش، لا كرافعة نمو أو أداة نهوض.

لكن حتى هذا الجهاز الهش تُرك لينهار بعد ستة أعوام على الانهيار المالي، فقدت الرواتب قيمتها الفعلية، وبات القطاع العام يعمل في ظروف أقرب إلى التفكك الكامل، الأساتذة في الشارع، العسكريون يئنّون تحت ضغط المعيشة، الإداريون عاجزون عن الاستمرار، والقضاة أنفسهم اعتكفوا، في سابقة خطرة تعكس عمق الانهيار في أحد أعمدة الدولة.

ومع ذلك، لم تتضمّن الموازنة أي معالجة جدّية لتصحيح الأجور أو لإعادة الاعتبار لسلسلة رواتب عادلة، وكأن المطلوب من مؤسسات الدولة أن تواصل العمل بلا دولة وبلا كرامة وظيفية.

في المقابل، تتعمّد المنظومة استخدام مرافق الدولة كمنصّات حزبية، فالتوظيف السياسي والمحسوبيات وإقصاء الكفاءات المستقلة وتحويل الإدارات العامة إلى أدوات ولاء، كلها ممارسات رافقت الموازنات المتعاقبة على مدى أكثر من 20 عاماً، وأنتجت عجزاً مزمناً، وهدراً ممنهجاً، وفساداً بنيوياً.

هذا العجز لم يكن قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لسياسات مقصودة، ومع ذلك لا يوجد قضاء قادر على المحاسبة، لأن القضاء نفسه محاصر، مُنهك، ومفرَّغ من استقلاليته، في ظل ما يشبه مجلساً ديكتاتورياً غير معلن، يتكوّن من زعماء الطوائف، يختلفون على الحصص، لكنهم يتفقون على منع أي عنصر جديد من دخول دائرة القرار.

أما في ملف إعادة الإعمار، فتبلغ المفارقة ذروتها، فبدل أن تكون إعادة الإعمار فرصة لإطلاق إصلاحات عميقة تستقطب تمويلاً خارجياً وتعيد ربط لبنان بالمجتمع الدولي، جرى تحويلها إلى عبء إضافي على المواطنين، تُرفع الرسوم والضرائب، وتُستنزف القدرة الشرائية، فيما تُدار الأموال داخلياً عبر مسارات ضبابية.

وبالنسبة إلى شريحة واسعة من اللبنانيين، لا تبدو هذه السياسة خطة إعمار فعلية بقدر ما تبدو أداة سياسية، قد تُستخدم في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، لا سيما من قبل الثنائي الشيعي، أكثر مما تُستخدم لإعادة بناء ما تهدّم بالفعل.

اقتصادياً، لا يمكن الحديث عن جذب استثمارات في ظل هذه البيئة، ثلاثة في المئة للتنمية لا تبني اقتصاداً ولا تؤسّس لنمو، الكهرباء شبه غائبة، الإنترنت متخلّف، النقل العام معدوم، والخدمات الأساسية في أدنى مستوياتها.

هذه ليست كماليات، بل هي شروط وجود لأي استثمار، وإلى جانب ذلك، فإن غياب القضاء المستقل والاستقرار السياسي والأمني يجعل لبنان بيئة طاردة بطبيعتها، كل حديث رسمي عن تعافٍ اقتصادي، في ظل هذه الموازنة، ليس سوى خطاب إنشائي فارغ.

غير أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في الفشل الاقتصادي، بل في التداعيات السياسية والأمنية المقبلة، فالاحتقان الشعبي بلغ مستويات غير مسبوقة.

تظاهرات المعلمين، تحرّكات العسكريين، اعتكاف القضاة، تفاقم أزمة السجون، وتصاعد المطالب بالعفو العام، كلها عناصر قابلة للانفجار في أي لحظة، نحن أمام أرضية اجتماعية مشبعة بالغضب واليأس، قادرة على إنتاج ثورة جديدة، أوسع وأعمق من “انتفاضة 17 تشرين”، لأن الفقر اليوم أعمق، والثقة أكثر تآكلاً.

في هذا المشهد، يقف لبنان بين ضغط شعبي محق من جهة، ومصالح طبقة سياسية أنانية وفاسدة من جهة ثانية، لكن هناك لاعباً ثالثاً أشدّ خطورة: “حزب الله”.

الحزب يعيش مأزقاً استراتيجياً غير مسبوق، مع بدء المرحلة الثانية من قرار سحب السلاح شمال نهر الليطاني، في المنطقة الممتدة بين الليطاني والأولي، هذا القرار يمسّ جوهر مشروعه العسكري، وهو يرفضه علناً، ويعتبر نزع سلاحه مساساً بـ”روحه” ووجوده.

في هذا السياق، تتحوّل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى فرصة، فـ”حزب الله”، المأزوم سياسياً وأمنياً، قد يرى في أي انفجار شعبي مدخلاً للانقضاض على الحكومة، تحت شعار الدفاع عن الناس، فيما الهدف الفعلي هو تطيير الحكومة وإدخال البلاد في مرحلة حكومة تصريف أعمال، وحكومة تصريف الأعمال، بحكم الواقع، ستكون عاجزة عن استكمال خطة سحب السلاح، مما يعني عملياً تعطيل أخطر استحقاق سيادي منذ أعوام.

هنا تتكشّف خطورة موازنة 2026 في بعدها الكامل، فهي لا تمدّد الأزمة الاقتصادية وحسب، بل تمدّد هشاشة الدولة في توقيت قاتل، حكومة ضعيفة اقتصادياً، ومحاصَرة اجتماعياً، تصبح فريسة سهلة.

وإذا سقطت، لا يسقط معها فريق سياسي فقط، بل يسقط الغطاء السياسي لخطة الجيش اللبناني، وتسقط معها فرصة استعادة الحد الأدنى من سيادة الدولة.

الخلاصة أن لبنان اليوم يقف عند تقاطع ثلاث أزمات متداخلة: غضب شعبي مشروع، منظومة سياسية فاسدة تحمي نفسها عبر إضعاف الدولة، وحزب مسلّح مستعد لاستثمار الانهيار لمنع المساس بسلاحه.

موازنة 2026 ليست تفصيلاً في هذا المشهد، بل أحد مفاتيحه الأساسية، إنها ليست موازنة إنقاذ، بل هي وثيقة إدارة للفشل، وتمديد متعمَّد للأزمات، وفتح محسوب لباب الانفجار.

في لحظة كهذه، لم يعد السؤال ما إذا كانت هذه الموازنة ستفشل في معالجة الأزمات، بل أي ثمن سيدفعه لبنان مقابل هذا الفشل، والجواب، للأسف، قد لا يكون اقتصادياً فقط، بل قد يكون سياسياً وأمنياً ووجودياً.

خطة سحب السلاح تترنح… هل تسقط موازنة 2026 الحكومة؟

الكاتب: طوني بولس | المصدر: اندبندنت عربية
1 شباط 2026

تؤكد موازنة لبنان لعام 2026 أن الطبقة السياسية الحاكمة اختارت إدارة الانهيار بدل معالجته، عبر تكريس دولة ضعيفة وعاجزة لا تواكب حجم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة، فالموازنة التي تذهب غالبية إنفاقها للأجور والتشغيل مقابل نسبة تنمية هزيلة، لا تعالج تآكل الرواتب ولا انهيار الخدمات ولا شروط جذب الاستثمار، هذا الفشل الممنهج يفاقم الاحتقان الشعبي ويضع البلاد على حافة ثورة اجتماعية جديدة

ليست موازنة عام 2026 مجرد فشل مالي أو قصور في التخطيط، بل هي دليل إضافي على أن الطبقة السياسية الحاكمة شريك أساس في مؤامرة إبقاء الدولة اللبنانية ضعيفة ومشلولة، هذه الموازنة لا تحاكي حجم الانهيار، ولا تلامس التحديات الاجتماعية المتفجّرة، ولا تستجيب لمطالب الناس، بل تُكرّس منطق الدولة العاجزة كخيار سياسي متعمَّد، فكلما ضعفت الدولة، سَهُل تبرير السلاح خارجها، وكلما فشلت مؤسساتها، ارتفع منسوب الخطاب الذي يدّعي أن الدولة غير مؤهلة لتحمّل مسؤوليات السيادة، من هذا المنطلق، لا تبدو الموازنة سهواً أو خطأً تقنياً، بل أداة تخدم من يريد إبقاء لبنان دولة فاشلة.

في لحظات التحوّل الكبرى، تكون الموازنات مرآة صافية للعقل السياسي الذي يحكم البلاد، وموازنة عام 2026، التي أُقرّت في مجلس النواب اللبناني، لا تعكس فقط فشلاً في الرؤية الاقتصادية، بل تكشف، بلا مواربة، قراراً سياسياً عميقاً بإبقاء لبنان دولة ضعيفة، عاجزة، ومعلّقة على حافة الانفجار، ليست هذه الموازنة نتيجة سوء تقدير، ولا ثمرة جهل بالوقائع، بل هي امتداد مباشر لنهج سلطوي متكامل يرى في فشل الدولة شرطاً لبقاء المنظومة، وفي إنهاك المواطن وسيلة للسيطرة عليه.

منذ أكثر من أربعين عاماً، تتناوب القوى السياسية نفسها على الحكم من دون أن تكون يوماً خارج السلطة. فمنذ اتفاق الطائف حتى اليوم، لم تعرف البلاد حكومة واحدة لا تضمّ صلب هذه المنظومة، وعلى اختلاف شعاراتها وخطاباتها الطائفية المتصارعة، تتقاطع هذه القوى عند نقطة جوهرية واحدة: منع قيام دولة فعلية في لبنان، فالدولة القوية تُنهي دور الزعيم، والدولة العادلة تُسقط نظام الولاءات، والدولة القادرة تُفقد الأحزاب قدرتها على التحكّم بالناس عبر الحرمان وتقديم الخدمات البديلة.

من هنا، لا يمكن قراءة موازنة 2026 بمعزل عن هذا السياق التاريخي، فقرابة 90 في المئة من الإنفاق العام مخصّص للأجور والتشغيل، فيما لا تتجاوز حصة التنمية ثلاثة في المئة.

هذا الواقع ليس خللاً تقنياً ولا صدفة حسابية، بل هو خيار سياسي واضح فالمنظومة لا تريد تنمية حقيقية، لأن التنمية تعني فرص عمل خارج عباءتها، وتعني اقتصاداً أقل تبعية للزعيم، وتعني مواطناً أقل قابلية للابتزاز، لذلك تُدار الدولة كجهاز رواتب هش، لا كرافعة نمو أو أداة نهوض.

لكن حتى هذا الجهاز الهش تُرك لينهار بعد ستة أعوام على الانهيار المالي، فقدت الرواتب قيمتها الفعلية، وبات القطاع العام يعمل في ظروف أقرب إلى التفكك الكامل، الأساتذة في الشارع، العسكريون يئنّون تحت ضغط المعيشة، الإداريون عاجزون عن الاستمرار، والقضاة أنفسهم اعتكفوا، في سابقة خطرة تعكس عمق الانهيار في أحد أعمدة الدولة.

ومع ذلك، لم تتضمّن الموازنة أي معالجة جدّية لتصحيح الأجور أو لإعادة الاعتبار لسلسلة رواتب عادلة، وكأن المطلوب من مؤسسات الدولة أن تواصل العمل بلا دولة وبلا كرامة وظيفية.

في المقابل، تتعمّد المنظومة استخدام مرافق الدولة كمنصّات حزبية، فالتوظيف السياسي والمحسوبيات وإقصاء الكفاءات المستقلة وتحويل الإدارات العامة إلى أدوات ولاء، كلها ممارسات رافقت الموازنات المتعاقبة على مدى أكثر من 20 عاماً، وأنتجت عجزاً مزمناً، وهدراً ممنهجاً، وفساداً بنيوياً.

هذا العجز لم يكن قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لسياسات مقصودة، ومع ذلك لا يوجد قضاء قادر على المحاسبة، لأن القضاء نفسه محاصر، مُنهك، ومفرَّغ من استقلاليته، في ظل ما يشبه مجلساً ديكتاتورياً غير معلن، يتكوّن من زعماء الطوائف، يختلفون على الحصص، لكنهم يتفقون على منع أي عنصر جديد من دخول دائرة القرار.

أما في ملف إعادة الإعمار، فتبلغ المفارقة ذروتها، فبدل أن تكون إعادة الإعمار فرصة لإطلاق إصلاحات عميقة تستقطب تمويلاً خارجياً وتعيد ربط لبنان بالمجتمع الدولي، جرى تحويلها إلى عبء إضافي على المواطنين، تُرفع الرسوم والضرائب، وتُستنزف القدرة الشرائية، فيما تُدار الأموال داخلياً عبر مسارات ضبابية.

وبالنسبة إلى شريحة واسعة من اللبنانيين، لا تبدو هذه السياسة خطة إعمار فعلية بقدر ما تبدو أداة سياسية، قد تُستخدم في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، لا سيما من قبل الثنائي الشيعي، أكثر مما تُستخدم لإعادة بناء ما تهدّم بالفعل.

اقتصادياً، لا يمكن الحديث عن جذب استثمارات في ظل هذه البيئة، ثلاثة في المئة للتنمية لا تبني اقتصاداً ولا تؤسّس لنمو، الكهرباء شبه غائبة، الإنترنت متخلّف، النقل العام معدوم، والخدمات الأساسية في أدنى مستوياتها.

هذه ليست كماليات، بل هي شروط وجود لأي استثمار، وإلى جانب ذلك، فإن غياب القضاء المستقل والاستقرار السياسي والأمني يجعل لبنان بيئة طاردة بطبيعتها، كل حديث رسمي عن تعافٍ اقتصادي، في ظل هذه الموازنة، ليس سوى خطاب إنشائي فارغ.

غير أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في الفشل الاقتصادي، بل في التداعيات السياسية والأمنية المقبلة، فالاحتقان الشعبي بلغ مستويات غير مسبوقة.

تظاهرات المعلمين، تحرّكات العسكريين، اعتكاف القضاة، تفاقم أزمة السجون، وتصاعد المطالب بالعفو العام، كلها عناصر قابلة للانفجار في أي لحظة، نحن أمام أرضية اجتماعية مشبعة بالغضب واليأس، قادرة على إنتاج ثورة جديدة، أوسع وأعمق من “انتفاضة 17 تشرين”، لأن الفقر اليوم أعمق، والثقة أكثر تآكلاً.

في هذا المشهد، يقف لبنان بين ضغط شعبي محق من جهة، ومصالح طبقة سياسية أنانية وفاسدة من جهة ثانية، لكن هناك لاعباً ثالثاً أشدّ خطورة: “حزب الله”.

الحزب يعيش مأزقاً استراتيجياً غير مسبوق، مع بدء المرحلة الثانية من قرار سحب السلاح شمال نهر الليطاني، في المنطقة الممتدة بين الليطاني والأولي، هذا القرار يمسّ جوهر مشروعه العسكري، وهو يرفضه علناً، ويعتبر نزع سلاحه مساساً بـ”روحه” ووجوده.

في هذا السياق، تتحوّل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى فرصة، فـ”حزب الله”، المأزوم سياسياً وأمنياً، قد يرى في أي انفجار شعبي مدخلاً للانقضاض على الحكومة، تحت شعار الدفاع عن الناس، فيما الهدف الفعلي هو تطيير الحكومة وإدخال البلاد في مرحلة حكومة تصريف أعمال، وحكومة تصريف الأعمال، بحكم الواقع، ستكون عاجزة عن استكمال خطة سحب السلاح، مما يعني عملياً تعطيل أخطر استحقاق سيادي منذ أعوام.

هنا تتكشّف خطورة موازنة 2026 في بعدها الكامل، فهي لا تمدّد الأزمة الاقتصادية وحسب، بل تمدّد هشاشة الدولة في توقيت قاتل، حكومة ضعيفة اقتصادياً، ومحاصَرة اجتماعياً، تصبح فريسة سهلة.

وإذا سقطت، لا يسقط معها فريق سياسي فقط، بل يسقط الغطاء السياسي لخطة الجيش اللبناني، وتسقط معها فرصة استعادة الحد الأدنى من سيادة الدولة.

الخلاصة أن لبنان اليوم يقف عند تقاطع ثلاث أزمات متداخلة: غضب شعبي مشروع، منظومة سياسية فاسدة تحمي نفسها عبر إضعاف الدولة، وحزب مسلّح مستعد لاستثمار الانهيار لمنع المساس بسلاحه.

موازنة 2026 ليست تفصيلاً في هذا المشهد، بل أحد مفاتيحه الأساسية، إنها ليست موازنة إنقاذ، بل هي وثيقة إدارة للفشل، وتمديد متعمَّد للأزمات، وفتح محسوب لباب الانفجار.

في لحظة كهذه، لم يعد السؤال ما إذا كانت هذه الموازنة ستفشل في معالجة الأزمات، بل أي ثمن سيدفعه لبنان مقابل هذا الفشل، والجواب، للأسف، قد لا يكون اقتصادياً فقط، بل قد يكون سياسياً وأمنياً ووجودياً.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار