ماذا بعد تراجع أسعار الذهب والفضة… هل ستُعاود التحليق؟

ذهب وفضة
الكاتب: عزة الحاج حسن | المصدر: المدن
1 شباط 2026

في مشهد مفاجىء يناقض كافة القواعد الكلاسيكية للأسواق، تراجعت، وليس انهارت، أسعار الذهب والفضة في وقت يفترض أن يكونا أول المستفيدين من تصاعد المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية عالمياً. وبينما تتسابق البنوك المركزية على شراء الذهب والفضة تحوّطاً من الأزمات، وتبحث الشركات والمستثمرون عن ملاذات آمنة، سجّل المعدن الأصفر تراجعاً تاريخياً خلال الأسبوع المنتهي تجاوز 10%، فيما هوت الفضة بأكثر من 32%، في حركة أربكت الأسواق وفتحت الباب أمام تساؤلات جوهرية حول أسباب التراجع الكبير.

لم يشر أي من المحللين الدوليين إلى أن الذهب أو الفضة فقد قيمته، بمعنى أن التراجع لم يكن انهياراً في القيمة بل تصحيحاً لوضع وصفه البعض بـ”الشاذ”. وليس المقصود بالوضع الشاذ أن القمم التي بلغتها المعادن المذكورة لم تكن مُستحقة بل المقصود أن ثمة أرض خصبة للمضاربة اتسعت كثيراً في الآونة الأخيرة وقد حان موعد تضييقها وتنظيف الاسواق منها.

وليست المضاربة وحدها من أشعلت فتيل التراجع الهائل في أسعار الذهب والفضة إنما أسهم التكنولوجيا التي سبقت المعادن بالانخفاض وشكّلت الدافع المباشر لبيع الذهب والفضة وانخفاضهما وإحداث موجة هلع في الأسواق، في انتظار توازن جديد قد يعيد رسم ملامح المشهد الاستثماري في الأيام المقبلة.

كم تراجع الذهب والفضة 

شهد اليومين الأخيرين من شهر كانون الثاني، تقلبات واسعة في الأسواق المالية العالمية، بعد ترشيح الرئيس الأميركي دونالد ترامب كيفن وارش لرئاسة الفدرالي الأميركي.

سجّل الذهب والفضة تراجعات غير مسبوقة تاريخياً، وقد هوت الفضة بأكثر من 32% في المعاملات الفورية، لكنهما سجلا مكاسب شهرية رغم محو المليارات من القيمة السوقية.

وكانت نتيجة أحد أكبر التقلبات بالسيولة في التاريخ، شطب ما يقارب 7.4 تريليون دولار عن الشاشات في دقائق معدودة، ما صدم المستثمرين والمتداولين حول العالم. بمعنى أن ما “تبخّر” فعلياً من سوق الذهب والفضة يقارب بحجم قيمته السوقية القيمة السوقية الإجمالية للعملات الرقمية. والمقصود هنا أن الرقم شطب عن الشاشات بأن الذهب والفضة الذي تمت خسارته فعلياً هو السندات أي المعدن الوهمي وليس المعدن الحقيقي.

انهارت أسعار الذهب والفضة بشكل حاد بعد وصولها إلى مستويات قياسية بلغت 5595 دولاراً لأونصة الذهب و120 دولاراً لأونصة الفضة في 30 كانون الثاني أي قبل انهيار الأسعار بيوم واحد. أثار ما حصل جدلاً واسعاً حول أسباب الانخفاض المفاجئ، وما إذا كان طبيعياً نتيجة التقلبات السوقية وعمليات جني الأرباح، أم أنه يشكل حالة من التلاعب المتعمد.

الانهيار بدأ من التكنولوجيا

وقفت قطاعات التكنولوجيا وراء تراجع الذهب والفضة بشكل مبدئي، إلى جانب أسباب أخرى. لكن في ما يخص تأثير قطاعات التكنولوجيا فقد سبق التراجع الدراماتيكي في أسعار المعادن النفيسة، تراجع كبير جداً في أسعار أسهم شركات التكنولوجيا، حيث أدّى الهبوط الحاد في أسهم كبرى الشركات، وعلى رأسها ميكروسوفت، إلى موجة بيع قسرية لتأمين السيولة، طالت أكثر الأصول أماناً وهو الذهب والفضة.

ويؤكد العديد من المحللين أن الأزمة بدأت من أسهم شركات التكنولوجيا انطلاقاً من تراجع سهم شركة ميكروسوفت بأكثر من 11% في جلسة واحدة، ما أدى إلى سحب مؤشر ناسداك بأكمله نحو هبوط حاد. ولم يبق أمام الصناديق الاستثمارية سوى تسييل سندات الذهب والفضة بشكل فوري.

أما أسباب تراجع سهم مايكروسوفت ومعه أسهم التكنولوجيا فيعود إلى عدة عوامل متزامنة يأتي على راسها موجة بيع واسعة في أسهم التكنولوجيا قادتها مخاوف من تباطؤ النمو وارتفاع التقييمات بعد صعود طويل بالإضافة إلى حساسية قطاعات التكنولوجيا أمام تغيرات السياسة النقدية، حيث إن أي إشارات لتشدّد مالي أو قوة الدولار تدفع المستثمرين لتقليص المخاطر.

المضاربات تطيح بالاسواق

وفيما يخص المضاربات التي جعلت من سوق الذهب والفضة سوقاً منتفخة، بحسب بعض المحللين، فقد تم تغيير قواعد التداول بسندات المعادن بهدف “تنظيف” الاسواق من المضاربين، وهو ما حدث فعلياً إلى حد كبير. فقد دفعت بعض القرارات المرتبطة بالتداول إلى إخراج الكثير من المضاربين من السوق ودفع البعض الآخر الى البيع بسبب الخوف الذي بلغ مرحلة الهلع.

ويؤكد خبراء في البورصات العالمية بأن المتداولين الذين خرجوا من السوق هم أولئك الذين يتداولون بسندات الذهب والفضة عالية المخاطر والتي بغالبيتها تُعد ديناً وليست معادن حقيقية. هؤلاء تحديداً هم الذين يقومون بكبرى عمليات المضاربة التي ساهمت بتسجيل الذهب والفضة مستويات قياسية ثم انهيارها بشكل مفاجيء.

وأوضح محلّلون بأن الأسواق الصغيرة مثل الفضة والبلاتين والبلاديوم أكثر عرضة لتقلبات حادة نتيجة تدفقات نقدية مفاجئة، مقارنة بالأسواق الأكبر مثل الذهب أو مؤشر S&P 500.

إلى أين يسير الذهب والفضة 

لم تختلف كثيراً توقعات المحللين والمؤسسات الدولية لمستقبل الذهب والفضة عما قبل، على الرغم من الانهيار الحاد بالأسعار. ويتوقع محللون أن تشهد المرحلة المقبلة تذبذباً في أسعار الذهب والفضة كمرحلة استيعابية من قبل الاسواق لتعود وتسلك مساراتها الطبيعية المرتبطة بالاوضاع العالمية.

فالأسباب التي دفعت بالذهب والفضة إلى الارتفاع لا تزال قائمة وتتصدّرها المخاطر الجيوسياسية وضعف الدولار والأزمات الاقتصادية والأمنية في العالم. وبالحديث عن الدولار فقد شهد بعض الارتفاعات مؤخراً بالتزامن مع تراجع الذهب والفضة، تأثراً بإعلان الرئيس الأميركي إسم الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الذي من المفترض أن يتسلّم مهامه في شهر حزيران المقبل لما له من تأثير على الفائدة الأميركية وبالتالي على أسواق الذهب والفضة.

ومن المعروف أن قوة الدولار عادة ما تضغط على الذهب، إلا أن محللين كثراً يرون أن ارتفاع الدولار قد يكون مؤقتاً، لأن قواعده لا تزال ضعيفة والديون الأميركية الضاغطة عليه باتت مقلقة جداً ببلوغها قرابة 38.4 تريليون دولار.

من هنا يتمسّك محلّلون بأن الذهب والفضة لا يزالا في أعلى هرم الملاذات الآمنة ولا يزالان الخيار الأفضل للأسواق في المرحلة المقبلة.

ماذا بعد تراجع أسعار الذهب والفضة… هل ستُعاود التحليق؟

ذهب وفضة
الكاتب: عزة الحاج حسن | المصدر: المدن
1 شباط 2026

في مشهد مفاجىء يناقض كافة القواعد الكلاسيكية للأسواق، تراجعت، وليس انهارت، أسعار الذهب والفضة في وقت يفترض أن يكونا أول المستفيدين من تصاعد المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية عالمياً. وبينما تتسابق البنوك المركزية على شراء الذهب والفضة تحوّطاً من الأزمات، وتبحث الشركات والمستثمرون عن ملاذات آمنة، سجّل المعدن الأصفر تراجعاً تاريخياً خلال الأسبوع المنتهي تجاوز 10%، فيما هوت الفضة بأكثر من 32%، في حركة أربكت الأسواق وفتحت الباب أمام تساؤلات جوهرية حول أسباب التراجع الكبير.

لم يشر أي من المحللين الدوليين إلى أن الذهب أو الفضة فقد قيمته، بمعنى أن التراجع لم يكن انهياراً في القيمة بل تصحيحاً لوضع وصفه البعض بـ”الشاذ”. وليس المقصود بالوضع الشاذ أن القمم التي بلغتها المعادن المذكورة لم تكن مُستحقة بل المقصود أن ثمة أرض خصبة للمضاربة اتسعت كثيراً في الآونة الأخيرة وقد حان موعد تضييقها وتنظيف الاسواق منها.

وليست المضاربة وحدها من أشعلت فتيل التراجع الهائل في أسعار الذهب والفضة إنما أسهم التكنولوجيا التي سبقت المعادن بالانخفاض وشكّلت الدافع المباشر لبيع الذهب والفضة وانخفاضهما وإحداث موجة هلع في الأسواق، في انتظار توازن جديد قد يعيد رسم ملامح المشهد الاستثماري في الأيام المقبلة.

كم تراجع الذهب والفضة 

شهد اليومين الأخيرين من شهر كانون الثاني، تقلبات واسعة في الأسواق المالية العالمية، بعد ترشيح الرئيس الأميركي دونالد ترامب كيفن وارش لرئاسة الفدرالي الأميركي.

سجّل الذهب والفضة تراجعات غير مسبوقة تاريخياً، وقد هوت الفضة بأكثر من 32% في المعاملات الفورية، لكنهما سجلا مكاسب شهرية رغم محو المليارات من القيمة السوقية.

وكانت نتيجة أحد أكبر التقلبات بالسيولة في التاريخ، شطب ما يقارب 7.4 تريليون دولار عن الشاشات في دقائق معدودة، ما صدم المستثمرين والمتداولين حول العالم. بمعنى أن ما “تبخّر” فعلياً من سوق الذهب والفضة يقارب بحجم قيمته السوقية القيمة السوقية الإجمالية للعملات الرقمية. والمقصود هنا أن الرقم شطب عن الشاشات بأن الذهب والفضة الذي تمت خسارته فعلياً هو السندات أي المعدن الوهمي وليس المعدن الحقيقي.

انهارت أسعار الذهب والفضة بشكل حاد بعد وصولها إلى مستويات قياسية بلغت 5595 دولاراً لأونصة الذهب و120 دولاراً لأونصة الفضة في 30 كانون الثاني أي قبل انهيار الأسعار بيوم واحد. أثار ما حصل جدلاً واسعاً حول أسباب الانخفاض المفاجئ، وما إذا كان طبيعياً نتيجة التقلبات السوقية وعمليات جني الأرباح، أم أنه يشكل حالة من التلاعب المتعمد.

الانهيار بدأ من التكنولوجيا

وقفت قطاعات التكنولوجيا وراء تراجع الذهب والفضة بشكل مبدئي، إلى جانب أسباب أخرى. لكن في ما يخص تأثير قطاعات التكنولوجيا فقد سبق التراجع الدراماتيكي في أسعار المعادن النفيسة، تراجع كبير جداً في أسعار أسهم شركات التكنولوجيا، حيث أدّى الهبوط الحاد في أسهم كبرى الشركات، وعلى رأسها ميكروسوفت، إلى موجة بيع قسرية لتأمين السيولة، طالت أكثر الأصول أماناً وهو الذهب والفضة.

ويؤكد العديد من المحللين أن الأزمة بدأت من أسهم شركات التكنولوجيا انطلاقاً من تراجع سهم شركة ميكروسوفت بأكثر من 11% في جلسة واحدة، ما أدى إلى سحب مؤشر ناسداك بأكمله نحو هبوط حاد. ولم يبق أمام الصناديق الاستثمارية سوى تسييل سندات الذهب والفضة بشكل فوري.

أما أسباب تراجع سهم مايكروسوفت ومعه أسهم التكنولوجيا فيعود إلى عدة عوامل متزامنة يأتي على راسها موجة بيع واسعة في أسهم التكنولوجيا قادتها مخاوف من تباطؤ النمو وارتفاع التقييمات بعد صعود طويل بالإضافة إلى حساسية قطاعات التكنولوجيا أمام تغيرات السياسة النقدية، حيث إن أي إشارات لتشدّد مالي أو قوة الدولار تدفع المستثمرين لتقليص المخاطر.

المضاربات تطيح بالاسواق

وفيما يخص المضاربات التي جعلت من سوق الذهب والفضة سوقاً منتفخة، بحسب بعض المحللين، فقد تم تغيير قواعد التداول بسندات المعادن بهدف “تنظيف” الاسواق من المضاربين، وهو ما حدث فعلياً إلى حد كبير. فقد دفعت بعض القرارات المرتبطة بالتداول إلى إخراج الكثير من المضاربين من السوق ودفع البعض الآخر الى البيع بسبب الخوف الذي بلغ مرحلة الهلع.

ويؤكد خبراء في البورصات العالمية بأن المتداولين الذين خرجوا من السوق هم أولئك الذين يتداولون بسندات الذهب والفضة عالية المخاطر والتي بغالبيتها تُعد ديناً وليست معادن حقيقية. هؤلاء تحديداً هم الذين يقومون بكبرى عمليات المضاربة التي ساهمت بتسجيل الذهب والفضة مستويات قياسية ثم انهيارها بشكل مفاجيء.

وأوضح محلّلون بأن الأسواق الصغيرة مثل الفضة والبلاتين والبلاديوم أكثر عرضة لتقلبات حادة نتيجة تدفقات نقدية مفاجئة، مقارنة بالأسواق الأكبر مثل الذهب أو مؤشر S&P 500.

إلى أين يسير الذهب والفضة 

لم تختلف كثيراً توقعات المحللين والمؤسسات الدولية لمستقبل الذهب والفضة عما قبل، على الرغم من الانهيار الحاد بالأسعار. ويتوقع محللون أن تشهد المرحلة المقبلة تذبذباً في أسعار الذهب والفضة كمرحلة استيعابية من قبل الاسواق لتعود وتسلك مساراتها الطبيعية المرتبطة بالاوضاع العالمية.

فالأسباب التي دفعت بالذهب والفضة إلى الارتفاع لا تزال قائمة وتتصدّرها المخاطر الجيوسياسية وضعف الدولار والأزمات الاقتصادية والأمنية في العالم. وبالحديث عن الدولار فقد شهد بعض الارتفاعات مؤخراً بالتزامن مع تراجع الذهب والفضة، تأثراً بإعلان الرئيس الأميركي إسم الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الذي من المفترض أن يتسلّم مهامه في شهر حزيران المقبل لما له من تأثير على الفائدة الأميركية وبالتالي على أسواق الذهب والفضة.

ومن المعروف أن قوة الدولار عادة ما تضغط على الذهب، إلا أن محللين كثراً يرون أن ارتفاع الدولار قد يكون مؤقتاً، لأن قواعده لا تزال ضعيفة والديون الأميركية الضاغطة عليه باتت مقلقة جداً ببلوغها قرابة 38.4 تريليون دولار.

من هنا يتمسّك محلّلون بأن الذهب والفضة لا يزالا في أعلى هرم الملاذات الآمنة ولا يزالان الخيار الأفضل للأسواق في المرحلة المقبلة.

مزيد من الأخبار