الطاعة أم الوطن؟ رسالة مفتوحة إلى الشيخ نعيم قاسم

في السياسة، أخطر القادة ليسوا أولئك الذين يضلّون الطريق، بل أولئك الذين يعتقدون أنهم يقودون إلى الخلاص، فيما هم يسيرون بجماعاتهم بثقة كاملة نحو المجهول. يشبه الأمر رجلًا يرمي بنفسه من أعلى الجبل، لا بدافع اليأس، بل بدافع اليقين بأنه سيطير… حتى يكتشف الجميع، متأخرين، أن الجاذبية لا ترحم النوايا.
أنا لا أنتمي إلى بيئتك، ولا أؤمن بما تؤمن به، ولا تمثلني ارتباطاتك الخارجية، ولا رؤيتك للعالم. لكننا نعيش على الأرض نفسها، في المكان نفسه، في ما يُفترض أنه وطن واحد. وما يهمني، ببساطة وصدق، هو بلدي فقط لا غير.
ومن هنا أنطلق، وأتوجه إليك:
سماحة الشيخ نعيم قاسم،
هذه ليست خصومة، بل مواجهة صادقة مع العقل والضمير.
وهذه ليست إساءة، بل محاولة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يُجرّ بلد بأكمله مرة بعد مرة إلى المجهول، لا لمصلحته، بل لمصلحة الغير.
هل أنت مقتنع فعلاً بما تقوله؟
وعندما تكون وحدك أمام ضميرك، بعيدًا عن المنابر والكاميرات، هل تشعر بالطمأنينة تجاه ما تقود إليه جماعتك؟
هل تقول لنفسك: “هذا تصرّف عقلاني؟ هذا مسار يحمي الحياة؟ هذا خيار يحفظ الوطن؟”
من زاوية علم النفس التحليلي، يؤكد كارل يونغ أن اللغة التي يستخدمها الإنسان تكشف لا وعيه أكثر مما تكشف نواياه المعلنة. ونبرة الصوت، بحسب أبحاث ألبرت مهرابيان، تحمل من الرسالة أكثر مما تحمله الكلمات نفسها. وخطابك، في نبرته، وفي اختياراته اللغوية، وفي تكرار مفردات الصبر، والطاعة، والولاء، والمظلومية، يُظهر محاولة واعية لتوجيه الجماعة نفسيًا، لا لإقناعها عقلانيًا، بل لضبطها عاطفيًا.
وقد لاحظ كثيرون انتقال الخطاب من “حرب إسناد” إلى “الطاعة الكاملة “، أي من خطاب تبريري ظرفي إلى خطاب انقيادي دائم، حيث تتحول الجماعة من شركاء في القرار إلى أدوات تنفيذ، ومن أصحاب قضية إلى تابعين بلا صوت ولا خيار.
وفي علم النفس السياسي، يُظهر القادة الذين يبالغون في إظهار القوة والصلابة غالبًا هشاشة داخلية أو شعورًا بعدم الأمان السياسي، فيلجؤون إلى التصعيد الخطابي كآلية دفاعية، لا كخطة عقلانية (ثيودور أدورنو، فيليب زيمباردو). وكذلك في السياسة والتفاوض، يؤكد جوزيف ناي وهنري كيسنجر أن القوة الحقيقية تُقاس بالقدرة على حماية المجتمع وتقليل الخسائر، لا بتوسيع النزاع أو رهن حياة الناس بمصالح خارجية. فالإصرار على خطاب “الإسناد أو الولاء للآخر” أكثر من حماية الداخل، هو إعلان عن ضعف، لا عن قوة.
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
هل تعلم ما هي “ثقافة الموت”؟ أم أنك تعطيها مبررات تحت أسماء برّاقة مثل “الشهادة”، بينما تُفرَّغ الحياة من معناها، ويُستنزف الإنسان بإسم الفضيلة، ويُختصر الوطن بساحة، والناس بأرقام؟
حذّر عالم النفس والفيلسوف الإلماني إريك فروم، من ظاهرة “الهروب من الحرية”، حيث يفضّل الإنسان الخضوع لسلطة خارجية على تحمّل مسؤولية التفكير الحرّ، فتتحوّل الطاعة إلى قيمة، والاعتراض إلى ذنب. وهذا بالضبط ما يُعاد إنتاجه في خطابك، مع ربط مباشر، أو غير مباشر، بولاء لولاية خارجية، لا لوطن يحتضن أبناءه اليوميّين.
سماحتك لا تستطيع، ولا يحق لك، جرّ البلد إلى المجهول مرّة بعد مرّة لمصلحة الخارج، ثم تطلب من الناس أن يصفقوا باسم الصبر، والطاعة، والولاء، أو المصلحة العليا التي لا نراها إلا على حساب دمهم، وبيوتهم، وأعمارهم.
وأتساءل، بكل استغراب صادق، كيف لمن كان أستاذًا للغة، يعلّم أجيالًا كاملة، أن لا يؤمن بمفهوم الحياة، ولا بالتجدد، ولا بحب العائلة، ولا بثقافة الفرح، ولا بقيمة الاستقرار؟ أليست التربية فعل حياة، لا تمرينًا على الفناء؟ أليست اللغة جسرًا للتواصل، لا أداة للتعبئة؟ أليس المعلّم، قبل أي شيء، حارسًا للأمل، لا موزعًا للخوف؟
علماء الاجتماع مثل إميل دوركهايم وبيير بورديو يؤكدون أن المجتمعات التي تُقاد بمنطق الطاعة العمياء تُصاب تدريجيًا بالشلل الأخلاقي والعقلي، حيث يصبح الخوف فضيلة، والاعتراض خطيئة، والصمت واجبًا.
أمّا علماء الدين الحقيقيون، مثل العلامة محمد باقر الصدر، والشيخ محمد حسين فضل الله، والشيخ عبد الكريم حائري، يمثلون نموذجًا للإصلاح داخل الفكر الشيعي. فقد شدّدوا على أن الدين لا يُستخدم لإلغاء العقل، ولا لتبرير الانتحار الجماعي، ولا لتقديس الولاء على حساب الوطن والحياة. بل على العكس، يرون أن الإسلام يجب أن يكون وسيلة لحماية الإنسان، وتعزيز العدالة، وتشجيع الاجتهاد والفكر الحر، مع احترام قيمة الحياة اليومية وحق الناس في الأمان.
وأقولها لك بوضوح، وبكل لباقة:
ما تقوم به ليس عقلانيّاً. وما تدفع جماعتك إليه ليس شجاعة، بل تهوّر.
وما تسميه ثباتًا هو في الحقيقة إنكار للواقع، وإنكار للحياة، وإنكار لحق الناس في الأمان.
وأنا واثقة، كما كثيرون، أنّ غالبية جماعتك غير مقتنعة بما يحدث، لكنها، بإسم الولاء للخارج، وبإسم الطاعة، لا تعرف ولا تُجيد سوى الإنصياع. لا تُمنح فرصة التفكير، ولا مساحة الإعتراض، ولا حق السؤال.
لكن تذكّر ما قاله فيكتور فرنكل: “من يملك سبباً للحياة، يحتمل أي كيف.”
وأنت، بخطابك، تسلب الناس أسباب الحياة، وتترك لهم فقط تبرير الألم.
وأختم بدعوة صريحة:
ارجع الى لبنانيتك إن كنت تؤمن بلبنان،
وإلى وطنك إن كنت تؤمن به،
وانظر إلى الواقع كما هو واضح، لا من خلال الماورائيات والغيب، ولا عبر نضالٍ مُؤدلج، ولا بإسم الدين، ولا عبر شعارات تُعلّق الحياة وتقدّس الفناء.
فالقوة الحقيقية ليست في عدد المعارك، بل في عدد الأرواح التي تُنقذ.
والنصر الحقيقي ليس في رفع الشعارات، بل في خفض عدد القبور.
وهنا، بكل احترام ….
ولكن بكل وضوح:
لبنان ليس ساحة، والناس ليسوا أدوات، والحياة ليست ورقة تفاوض.
الطاعة أم الوطن؟ رسالة مفتوحة إلى الشيخ نعيم قاسم

في السياسة، أخطر القادة ليسوا أولئك الذين يضلّون الطريق، بل أولئك الذين يعتقدون أنهم يقودون إلى الخلاص، فيما هم يسيرون بجماعاتهم بثقة كاملة نحو المجهول. يشبه الأمر رجلًا يرمي بنفسه من أعلى الجبل، لا بدافع اليأس، بل بدافع اليقين بأنه سيطير… حتى يكتشف الجميع، متأخرين، أن الجاذبية لا ترحم النوايا.
أنا لا أنتمي إلى بيئتك، ولا أؤمن بما تؤمن به، ولا تمثلني ارتباطاتك الخارجية، ولا رؤيتك للعالم. لكننا نعيش على الأرض نفسها، في المكان نفسه، في ما يُفترض أنه وطن واحد. وما يهمني، ببساطة وصدق، هو بلدي فقط لا غير.
ومن هنا أنطلق، وأتوجه إليك:
سماحة الشيخ نعيم قاسم،
هذه ليست خصومة، بل مواجهة صادقة مع العقل والضمير.
وهذه ليست إساءة، بل محاولة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يُجرّ بلد بأكمله مرة بعد مرة إلى المجهول، لا لمصلحته، بل لمصلحة الغير.
هل أنت مقتنع فعلاً بما تقوله؟
وعندما تكون وحدك أمام ضميرك، بعيدًا عن المنابر والكاميرات، هل تشعر بالطمأنينة تجاه ما تقود إليه جماعتك؟
هل تقول لنفسك: “هذا تصرّف عقلاني؟ هذا مسار يحمي الحياة؟ هذا خيار يحفظ الوطن؟”
من زاوية علم النفس التحليلي، يؤكد كارل يونغ أن اللغة التي يستخدمها الإنسان تكشف لا وعيه أكثر مما تكشف نواياه المعلنة. ونبرة الصوت، بحسب أبحاث ألبرت مهرابيان، تحمل من الرسالة أكثر مما تحمله الكلمات نفسها. وخطابك، في نبرته، وفي اختياراته اللغوية، وفي تكرار مفردات الصبر، والطاعة، والولاء، والمظلومية، يُظهر محاولة واعية لتوجيه الجماعة نفسيًا، لا لإقناعها عقلانيًا، بل لضبطها عاطفيًا.
وقد لاحظ كثيرون انتقال الخطاب من “حرب إسناد” إلى “الطاعة الكاملة “، أي من خطاب تبريري ظرفي إلى خطاب انقيادي دائم، حيث تتحول الجماعة من شركاء في القرار إلى أدوات تنفيذ، ومن أصحاب قضية إلى تابعين بلا صوت ولا خيار.
وفي علم النفس السياسي، يُظهر القادة الذين يبالغون في إظهار القوة والصلابة غالبًا هشاشة داخلية أو شعورًا بعدم الأمان السياسي، فيلجؤون إلى التصعيد الخطابي كآلية دفاعية، لا كخطة عقلانية (ثيودور أدورنو، فيليب زيمباردو). وكذلك في السياسة والتفاوض، يؤكد جوزيف ناي وهنري كيسنجر أن القوة الحقيقية تُقاس بالقدرة على حماية المجتمع وتقليل الخسائر، لا بتوسيع النزاع أو رهن حياة الناس بمصالح خارجية. فالإصرار على خطاب “الإسناد أو الولاء للآخر” أكثر من حماية الداخل، هو إعلان عن ضعف، لا عن قوة.
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
هل تعلم ما هي “ثقافة الموت”؟ أم أنك تعطيها مبررات تحت أسماء برّاقة مثل “الشهادة”، بينما تُفرَّغ الحياة من معناها، ويُستنزف الإنسان بإسم الفضيلة، ويُختصر الوطن بساحة، والناس بأرقام؟
حذّر عالم النفس والفيلسوف الإلماني إريك فروم، من ظاهرة “الهروب من الحرية”، حيث يفضّل الإنسان الخضوع لسلطة خارجية على تحمّل مسؤولية التفكير الحرّ، فتتحوّل الطاعة إلى قيمة، والاعتراض إلى ذنب. وهذا بالضبط ما يُعاد إنتاجه في خطابك، مع ربط مباشر، أو غير مباشر، بولاء لولاية خارجية، لا لوطن يحتضن أبناءه اليوميّين.
سماحتك لا تستطيع، ولا يحق لك، جرّ البلد إلى المجهول مرّة بعد مرّة لمصلحة الخارج، ثم تطلب من الناس أن يصفقوا باسم الصبر، والطاعة، والولاء، أو المصلحة العليا التي لا نراها إلا على حساب دمهم، وبيوتهم، وأعمارهم.
وأتساءل، بكل استغراب صادق، كيف لمن كان أستاذًا للغة، يعلّم أجيالًا كاملة، أن لا يؤمن بمفهوم الحياة، ولا بالتجدد، ولا بحب العائلة، ولا بثقافة الفرح، ولا بقيمة الاستقرار؟ أليست التربية فعل حياة، لا تمرينًا على الفناء؟ أليست اللغة جسرًا للتواصل، لا أداة للتعبئة؟ أليس المعلّم، قبل أي شيء، حارسًا للأمل، لا موزعًا للخوف؟
علماء الاجتماع مثل إميل دوركهايم وبيير بورديو يؤكدون أن المجتمعات التي تُقاد بمنطق الطاعة العمياء تُصاب تدريجيًا بالشلل الأخلاقي والعقلي، حيث يصبح الخوف فضيلة، والاعتراض خطيئة، والصمت واجبًا.
أمّا علماء الدين الحقيقيون، مثل العلامة محمد باقر الصدر، والشيخ محمد حسين فضل الله، والشيخ عبد الكريم حائري، يمثلون نموذجًا للإصلاح داخل الفكر الشيعي. فقد شدّدوا على أن الدين لا يُستخدم لإلغاء العقل، ولا لتبرير الانتحار الجماعي، ولا لتقديس الولاء على حساب الوطن والحياة. بل على العكس، يرون أن الإسلام يجب أن يكون وسيلة لحماية الإنسان، وتعزيز العدالة، وتشجيع الاجتهاد والفكر الحر، مع احترام قيمة الحياة اليومية وحق الناس في الأمان.
وأقولها لك بوضوح، وبكل لباقة:
ما تقوم به ليس عقلانيّاً. وما تدفع جماعتك إليه ليس شجاعة، بل تهوّر.
وما تسميه ثباتًا هو في الحقيقة إنكار للواقع، وإنكار للحياة، وإنكار لحق الناس في الأمان.
وأنا واثقة، كما كثيرون، أنّ غالبية جماعتك غير مقتنعة بما يحدث، لكنها، بإسم الولاء للخارج، وبإسم الطاعة، لا تعرف ولا تُجيد سوى الإنصياع. لا تُمنح فرصة التفكير، ولا مساحة الإعتراض، ولا حق السؤال.
لكن تذكّر ما قاله فيكتور فرنكل: “من يملك سبباً للحياة، يحتمل أي كيف.”
وأنت، بخطابك، تسلب الناس أسباب الحياة، وتترك لهم فقط تبرير الألم.
وأختم بدعوة صريحة:
ارجع الى لبنانيتك إن كنت تؤمن بلبنان،
وإلى وطنك إن كنت تؤمن به،
وانظر إلى الواقع كما هو واضح، لا من خلال الماورائيات والغيب، ولا عبر نضالٍ مُؤدلج، ولا بإسم الدين، ولا عبر شعارات تُعلّق الحياة وتقدّس الفناء.
فالقوة الحقيقية ليست في عدد المعارك، بل في عدد الأرواح التي تُنقذ.
والنصر الحقيقي ليس في رفع الشعارات، بل في خفض عدد القبور.
وهنا، بكل احترام ….
ولكن بكل وضوح:
لبنان ليس ساحة، والناس ليسوا أدوات، والحياة ليست ورقة تفاوض.










