المتن الشمالي: السباق المسيحي على إعادة رسم خريطة النفوذ

انتخابات
الكاتب: ندى أندراوس | المصدر: المدن
1 شباط 2026

دائرة المتن الشمالي – جبل لبنان الثانية، تمثل هذه المرة ساحة انتخابية استثنائية. فثمانية مقاعد نيابية يغلب عليها المسيحيون بنسبة نحو 95 في المئة لم تعد مجرد منافسة على الحصص التقليدية، بل تحولت إلى صراع استراتيجي بين القوى المسيحية الكبرى، التيار الوطني الحر، القوات اللبنانية، والكتائب، على زعامة المتن والسيطرة على الأكثرية في هذه الدائرة، وهي الأقوى والأكثر تمثيلاً على صعيد التمثيل المسيحي.
تختلف هذه الانتخابات جذرياً عن دورة 2022، إذ لم تعد المعركة مقتصرة على الحفاظ على المقاعد القائمة، بل أصبحت محاولة لاستعادة مقعدين فقدهما التيار الوطني الحر بعد خروج النائبين إبراهيم كنعان وإلياس بو صعب من تكتل لبنان القوي، وهذا ما يجعل كل تحالف وخيار انتخابي في الدائرة حاسماً ومؤثراً في نتائج التمثيل المسيحي. كما ستشهد الدائرة إعادة خلط التحالفات بين القوى الكبرى، حيث كل جهة تسعى لتعزيز موقعها وضمان أكبر قدر من المقاعد في مواجهة المنافسين، ما يرفع وتيرة الصراع على النفوذ والتمثيل داخل البرلمان المقبل.

 

ثقل إنتخابي مسيحي ومعركة إستعادة المقاعد؟
في انتخابات عام 2022، بلغ عدد الناخبين المسجلين في المتن 183,441 ناخباً، إقترع منهم 95,853 بنسبة مشاركة وصلت إلى 52.2 في المئة. وقد أظهرت الأرقام يومها ثقل الصوت الماروني، إذ شكّل الموارنة الغالبية الساحقة من المقترعين بـ82,033 ناخباً، نحو 45 في المئة من مجموع الناخبين، تلاهم الروم الأرثوذكس بنسبة 14.7 في المئة، ثم الأرمن الأرثوذكس بنسبة 13.7 في المئة، فالروم الكاثوليك بنسبة 9.9 في المئة، فيما توزعت النسب المتبقية على الأرمن الكاثوليك، الشيعة، السنّة، السريان، الإنجيليين والدروز، إضافة إلى أقليات أخرى.
تتوزع مقاعد الدائرة على أربعة مقاعد مارونية، مقعدين للروم الأرثوذكس، مقعد كاثوليكي، ومقعد أرمني أرثوذكسي. وقد بلغ الحاصل الانتخابي في دورة 2022 نحو 11,643 صوتاً، فيما بلغ الحاصل النهائي 10,115 صوتاً. يومها تنافست ست لوائح ضمّت 39 مرشحاً، وأسفرت النتائج عن توزيع المقاعد بين القوى التقليدية: مقعدان للقوات اللبنانية، مقعدان لحزب الكتائب اللبنانية، مقعدان للتيار الوطني الحر، ومقعدان لتحالف الطاشناق المر الحزب السوري القومي الاجتماعي. وسجّلت تلك الانتخابات مفارقة لافتة بخسارة لائحة المجتمع المدني لمقعد نيابي بفارق أقل من مئة صوت.

 

المقاعد غير المحسومة
إذا، يختلف المشهد الحالي في المتن جذرياً عن انتخابات العام 2022، في ظل تبدّل المعطيات السياسية، وتراجع موقع التيار الوطني الحر على المستوى الوطني، مقابل تثبيت القوات اللبنانية والكتائب اللبنانية لحضورهما التنظيمي والشعبي في المتن.
مع الاستحقاق المقبل، تبدو خمسة مقاعد شبه مضمونة: مقعدان للكتائب، مقعدان للقوات اللبنانية، ومقعد واحد للتيار الوطني الحر. أما المقعد الماروني الرابع، والمقعد الكاثوليكي، والمقعد الأرمني الأرثوذكسي، فهي غير محسومة وتفتح الباب لمعركة انتخابية مفتوحة على كل الاحتمالات.
حتى الآن، لم تُحسم التحالفات بشكل نهائي. المؤكد أن الكتائب اللبنانية ستخوض المعركة بلائحتها، وكذلك القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر. غير أن التموضع السياسي لكل من النائبين الخارجين من تكتل لبنان القوي، إبراهيم كنعان وإلياس بو صعب، يبقى عاملاً مؤثراً في رسم صورة التحالفات، خصوصاً في ما يتعلق بالمقعد الماروني الرابع والأرثوذكسي الثاني. ويبرز سؤال محوري: هل يسعى التيار إلى استعادة المقعد الماروني الذي شغله كنعان، أم المقعد الأرثوذكسي الذي وصل إليه بو صعب، أم يعمد إلى تجيير أصواته التفضيلية باتجاه مرشحه الكاثوليكي إدغار معلوف؟ وتشير المعطيات إلى أن التيار بات أقرب إلى التحالف مع النائب ميشال المر.
من جهته، يجري حزب الطاشناق حساباته على مروحة واسعة من التحالفات المحتملة بين التيار الوطني الحر، والنائب ميشال المر، وصولاً إلى الكتائب اللبنانية أو القوات اللبنانية، من دون حسم نهائي حتى الساعة. كما يبرز عامل الأصوات الشيعية، ورغم محدوديتها، إلا أنها مرشحة لتكون مؤثرة في نتيجة النائب المر بناءً على طلب جد النائب المر رئيس الجمهورية السابق إميل لحود، مع إحتمال توزيع جزئي بين المر والتيار،خاصة إذا نجح التيار وحزب الله في التوصل إلى تقاطعات انتخابية في عدد من الدوائر ما يتيح تبادل الاصوات وتجييرها حيث تقتضي مصلحة أحد الطرفين.
أما القوات اللبنانية، فتواجه خياراً استراتيجياً: خوض معركة المقعد الكاثوليكي لتعزيز حضورها، أم معركة المقعدين المارونيين كركيزة تمثيلها؟ وفي المقابل، يطرح تحالف محتمل بين الكتائب والطاشناق تساؤلات حول إنعكاساته على حجم كتلة الكتائب: هل ستكتفي بالمقعدين المارونيين، أم تستفيد من التحالف لتعزيز حضورها وتمثيلها الشعبي أكثر؟

 

أبعد من النتائج
يبقى عامل أصوات المجنسين، الذين كانت مشاركتهم خجولة في انتخابات 2022، عاملاً متحركاً يصعب تقديره، خصوصاً أن شريحة واسعة منهم من السوريين المجنسين، وترتبط مشاركتهم بتوافر الدعم المالي للانتخاب وحجم شراء الاصوات، ما يجعل هذه الأصوات محتملة التأثير في الحسابات النهائية.
المؤكد أن انتخابات المتن الشمالي تشكل أكثر من مجرد معركة على ثمانية مقاعد، فهي مؤشر أساسي على طبيعة التمثيل المسيحي في البرلمان المقبل، ورافعة لتحديد موازين القوى بين الكتل الكبرى، وإن كانت القوى نفسها حاضرة في المشهد السياسي. فنتائج هذه الدائرة قد تفرز تحالفات جديدة، بعضها قد يكون هجيناً يجمع بين قوى تقليدية وجديدة على أسس إنتخابية بحتة، وبعضها طبيعي مستمد من الانتماءات التاريخية والسياسية، ما سيعيد ترتيب أوراق التوازن الداخلي في البرلمان. لذا تسعى كل جهة إلى تحسين ظروفها وتجري حساباتها الخاصة وتبحث عن تحالف قوي.
وباعتبار المتن إحدى أكبر الدوائر المسيحية من حيث الحجم والتأثير، كدائرة الشمال الثالثة، فإن نتائجها ستشكل جزءا من هوية البرلمان المقبل، إذ تحدد مدى قدرة أي من القوى المسيحية الكبرى على تشكيل غالبية داخل المجلس النيابي، وتؤثر على طبيعة التحالفات مع القوى الأخرى على المستوى الوطني. وفي ضوء ذلك، تصبح هذه الانتخابات محطة مفصلية لاختبار قدرة الأحزاب على إدارة صراعاتها الداخلية، واستشراف دورها في رسم السياسات الوطنية المقبلة، وفي تحديد شكل التوازن بين مختلف مكونات البرلمان اللبناني.

المتن الشمالي: السباق المسيحي على إعادة رسم خريطة النفوذ

انتخابات
الكاتب: ندى أندراوس | المصدر: المدن
1 شباط 2026

دائرة المتن الشمالي – جبل لبنان الثانية، تمثل هذه المرة ساحة انتخابية استثنائية. فثمانية مقاعد نيابية يغلب عليها المسيحيون بنسبة نحو 95 في المئة لم تعد مجرد منافسة على الحصص التقليدية، بل تحولت إلى صراع استراتيجي بين القوى المسيحية الكبرى، التيار الوطني الحر، القوات اللبنانية، والكتائب، على زعامة المتن والسيطرة على الأكثرية في هذه الدائرة، وهي الأقوى والأكثر تمثيلاً على صعيد التمثيل المسيحي.
تختلف هذه الانتخابات جذرياً عن دورة 2022، إذ لم تعد المعركة مقتصرة على الحفاظ على المقاعد القائمة، بل أصبحت محاولة لاستعادة مقعدين فقدهما التيار الوطني الحر بعد خروج النائبين إبراهيم كنعان وإلياس بو صعب من تكتل لبنان القوي، وهذا ما يجعل كل تحالف وخيار انتخابي في الدائرة حاسماً ومؤثراً في نتائج التمثيل المسيحي. كما ستشهد الدائرة إعادة خلط التحالفات بين القوى الكبرى، حيث كل جهة تسعى لتعزيز موقعها وضمان أكبر قدر من المقاعد في مواجهة المنافسين، ما يرفع وتيرة الصراع على النفوذ والتمثيل داخل البرلمان المقبل.

 

ثقل إنتخابي مسيحي ومعركة إستعادة المقاعد؟
في انتخابات عام 2022، بلغ عدد الناخبين المسجلين في المتن 183,441 ناخباً، إقترع منهم 95,853 بنسبة مشاركة وصلت إلى 52.2 في المئة. وقد أظهرت الأرقام يومها ثقل الصوت الماروني، إذ شكّل الموارنة الغالبية الساحقة من المقترعين بـ82,033 ناخباً، نحو 45 في المئة من مجموع الناخبين، تلاهم الروم الأرثوذكس بنسبة 14.7 في المئة، ثم الأرمن الأرثوذكس بنسبة 13.7 في المئة، فالروم الكاثوليك بنسبة 9.9 في المئة، فيما توزعت النسب المتبقية على الأرمن الكاثوليك، الشيعة، السنّة، السريان، الإنجيليين والدروز، إضافة إلى أقليات أخرى.
تتوزع مقاعد الدائرة على أربعة مقاعد مارونية، مقعدين للروم الأرثوذكس، مقعد كاثوليكي، ومقعد أرمني أرثوذكسي. وقد بلغ الحاصل الانتخابي في دورة 2022 نحو 11,643 صوتاً، فيما بلغ الحاصل النهائي 10,115 صوتاً. يومها تنافست ست لوائح ضمّت 39 مرشحاً، وأسفرت النتائج عن توزيع المقاعد بين القوى التقليدية: مقعدان للقوات اللبنانية، مقعدان لحزب الكتائب اللبنانية، مقعدان للتيار الوطني الحر، ومقعدان لتحالف الطاشناق المر الحزب السوري القومي الاجتماعي. وسجّلت تلك الانتخابات مفارقة لافتة بخسارة لائحة المجتمع المدني لمقعد نيابي بفارق أقل من مئة صوت.

 

المقاعد غير المحسومة
إذا، يختلف المشهد الحالي في المتن جذرياً عن انتخابات العام 2022، في ظل تبدّل المعطيات السياسية، وتراجع موقع التيار الوطني الحر على المستوى الوطني، مقابل تثبيت القوات اللبنانية والكتائب اللبنانية لحضورهما التنظيمي والشعبي في المتن.
مع الاستحقاق المقبل، تبدو خمسة مقاعد شبه مضمونة: مقعدان للكتائب، مقعدان للقوات اللبنانية، ومقعد واحد للتيار الوطني الحر. أما المقعد الماروني الرابع، والمقعد الكاثوليكي، والمقعد الأرمني الأرثوذكسي، فهي غير محسومة وتفتح الباب لمعركة انتخابية مفتوحة على كل الاحتمالات.
حتى الآن، لم تُحسم التحالفات بشكل نهائي. المؤكد أن الكتائب اللبنانية ستخوض المعركة بلائحتها، وكذلك القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر. غير أن التموضع السياسي لكل من النائبين الخارجين من تكتل لبنان القوي، إبراهيم كنعان وإلياس بو صعب، يبقى عاملاً مؤثراً في رسم صورة التحالفات، خصوصاً في ما يتعلق بالمقعد الماروني الرابع والأرثوذكسي الثاني. ويبرز سؤال محوري: هل يسعى التيار إلى استعادة المقعد الماروني الذي شغله كنعان، أم المقعد الأرثوذكسي الذي وصل إليه بو صعب، أم يعمد إلى تجيير أصواته التفضيلية باتجاه مرشحه الكاثوليكي إدغار معلوف؟ وتشير المعطيات إلى أن التيار بات أقرب إلى التحالف مع النائب ميشال المر.
من جهته، يجري حزب الطاشناق حساباته على مروحة واسعة من التحالفات المحتملة بين التيار الوطني الحر، والنائب ميشال المر، وصولاً إلى الكتائب اللبنانية أو القوات اللبنانية، من دون حسم نهائي حتى الساعة. كما يبرز عامل الأصوات الشيعية، ورغم محدوديتها، إلا أنها مرشحة لتكون مؤثرة في نتيجة النائب المر بناءً على طلب جد النائب المر رئيس الجمهورية السابق إميل لحود، مع إحتمال توزيع جزئي بين المر والتيار،خاصة إذا نجح التيار وحزب الله في التوصل إلى تقاطعات انتخابية في عدد من الدوائر ما يتيح تبادل الاصوات وتجييرها حيث تقتضي مصلحة أحد الطرفين.
أما القوات اللبنانية، فتواجه خياراً استراتيجياً: خوض معركة المقعد الكاثوليكي لتعزيز حضورها، أم معركة المقعدين المارونيين كركيزة تمثيلها؟ وفي المقابل، يطرح تحالف محتمل بين الكتائب والطاشناق تساؤلات حول إنعكاساته على حجم كتلة الكتائب: هل ستكتفي بالمقعدين المارونيين، أم تستفيد من التحالف لتعزيز حضورها وتمثيلها الشعبي أكثر؟

 

أبعد من النتائج
يبقى عامل أصوات المجنسين، الذين كانت مشاركتهم خجولة في انتخابات 2022، عاملاً متحركاً يصعب تقديره، خصوصاً أن شريحة واسعة منهم من السوريين المجنسين، وترتبط مشاركتهم بتوافر الدعم المالي للانتخاب وحجم شراء الاصوات، ما يجعل هذه الأصوات محتملة التأثير في الحسابات النهائية.
المؤكد أن انتخابات المتن الشمالي تشكل أكثر من مجرد معركة على ثمانية مقاعد، فهي مؤشر أساسي على طبيعة التمثيل المسيحي في البرلمان المقبل، ورافعة لتحديد موازين القوى بين الكتل الكبرى، وإن كانت القوى نفسها حاضرة في المشهد السياسي. فنتائج هذه الدائرة قد تفرز تحالفات جديدة، بعضها قد يكون هجيناً يجمع بين قوى تقليدية وجديدة على أسس إنتخابية بحتة، وبعضها طبيعي مستمد من الانتماءات التاريخية والسياسية، ما سيعيد ترتيب أوراق التوازن الداخلي في البرلمان. لذا تسعى كل جهة إلى تحسين ظروفها وتجري حساباتها الخاصة وتبحث عن تحالف قوي.
وباعتبار المتن إحدى أكبر الدوائر المسيحية من حيث الحجم والتأثير، كدائرة الشمال الثالثة، فإن نتائجها ستشكل جزءا من هوية البرلمان المقبل، إذ تحدد مدى قدرة أي من القوى المسيحية الكبرى على تشكيل غالبية داخل المجلس النيابي، وتؤثر على طبيعة التحالفات مع القوى الأخرى على المستوى الوطني. وفي ضوء ذلك، تصبح هذه الانتخابات محطة مفصلية لاختبار قدرة الأحزاب على إدارة صراعاتها الداخلية، واستشراف دورها في رسم السياسات الوطنية المقبلة، وفي تحديد شكل التوازن بين مختلف مكونات البرلمان اللبناني.

مزيد من الأخبار