بعد السلاح… التحييد وتطوير النظام

ما يحصل إقليميًا ودوليًا في شأن إيران و “حزب الله”، مع التوقعات المختلفة حول مسار الأمور حربًا أو سلمًا يؤمّن الشروط الأميركية بالحد الأدنى، يوحي بأن النتيجة أيًا كان الطريق إليها ستكون حالة سلام تراوح بين الهدنة الصلبة والتطبيع “عالقطعة”، والأكيد أن واقع المحاور سيسقط مع سقوط ما بقي من محور الممانعة، وسيتوزع النفوذ بين الدول الإقليمية الكبرى بشكل متوازن وتحت المظلة الأميركية، مع دور روسي رديف ومحدود نسبيًا.
وترى أوساط دبلوماسية غربية في بيروت أن إيران هي المفتاح، انطلاقًا من أنها ما زالت تملك بعض الأوراق وإن ضعفت هذه الأوراق، كما إنها ما زالت تراهن على صمود نظامها بأي ثمن، وهو أمر يصعب تصوُّره، إلا إذا تماهى هذا النظام مع الهوامش التي يضعها الرئيس دونالد ترامب، والتي قد توفر النجاة مرحليًا للجمهورية الإسلامية، ليحصل التغيير التدريجي الذي لا عودة عنه. ففي نهاية المطاف، لن يستمر النظام الإيراني على ما هو عليه، وسينحسر نفوذه إلى الحد الأدنى، بينما الخيار الآخر هو الوصول إلى نقطة التقاء للإطاحة به بين انتفاضة الداخل والتي قد تمتد إلى بعض القوى العسكرية جيشًا وحرسًا ثوريًا، وبين الضغط العسكري مع تصعيد الحصار المالي والاقتصادي.
لذلك، ما ينتظر لبنان هو أن يكون جاهزًا لتلقي التغييرات المتوقعة، لا سيما وأن “الحزب” لن يملك في حينه القدرة على الاستمرار في المكابرة والتمسك بالسلاح، وسيكون مضطرًا إلى تفاوض تراجعي هو أقرب إلى التسليم بالأمر الواقع. ومن الواضح، أن قوى سياسية أساسية بدأت تستعد منذ اليوم للمرحلة المقبلة، انطلاقًا من قناعتها بأن المنطقة ذاهبة إلى الانتظام العام الإقليمي، بعد طول معاناة مع الحروب والصراعات التي استنزفتها. ويتنامى الكلام حول لبنان الجديد أو المتجدد في بعض الجوانب، بما يحفظ قابليته على الاستمرار وطنًا للشراكة الفعلية والتنوع، ونموذجًا بل حاجة تتفهمها وتغطيها دول عربية وازنة كالمملكة العربية السعودية ومصر، فضلًا عن دول أوروبية أساسية وفي مقدمها فرنسا وألمانيا وإيطاليا، إلى الفاتيكان، مع رغبة أميركية في استمرار لبنان جسرًا استراتيجيًا متقدمًا.
ولا تبدي العواصم الكبرى أساسًا أي تحفظات بخلفية القلق حيال ما يُطرح من تطوير للصيغة والنظام في لبنان، بل إن موفدين وسفراء غربيين أبلغوا قيادات سيادية أكثر من مرة، بأن تطوير النظام في لبنان هو شأن لبناني، والعقبة الأساسية تتمثل بموقف “حزب الله”، وعندما تُحل عقبة “الحزب” تصبح الأمور أسهل عبر الحوار والتفهم المتبادل.
على أن المعطيات تشير إلى أن أكثر من قوة سياسية وهيئة أهلية تقدمت في بحث خيار تطوير النظام بعد سلسلة من الخلوات والحلقات الداخلية والمشاورات والدراسات، توصلًا إلى اقتراحات عملية تستند إلى عنوان اللامركزية الإدارية الموسعة بما تعنيه من عناصر تعزز جديتها، لجهة شمولها بعض الجوانب المالية والتنظيمية من أمنية وإنمائية تعزز الانتماء والتجذر وتوفر الطمأنينة لمختلف المكونات اللبنانية، وتحافظ في الوقت عينه على الدولة المركزية الواحدة التي تعود لها الصلاحيات المتعلقة بالسياسة الخارجية والدفاع والسياسة المالية والنقدية العامة والتي لا تلغي توزيع الموارد الضريبية بين الوحدات المحلية بشكل أساسي وبين الدولة المركزية.
وهذه العناوين الكبرى لا تشكل قواسم مشتركة بين معظم القوى السياسية والهيئات المعنية فحسب، وإنما هناك نوع من التفهم لها لدى مكونات طائفية مختلفة بنسبة أو بأخرى في ضوء حوارات مبدئية تراوح بين جس النبض والنقاش الجدي بنوايا طيبة وواضحة، مع الاعتراف بأن المسار ليس سهلًا ويحتاج وقتًا وجهودًا استثنائية، لأن الاستمرار في التركيبة الحالية سيعني المراوحة السلبية التي تنتج دوريًا أزمات وصراعات وفق حلقات متعاقبة بين فترة وأخرى كما تبيّن منذ مطلع الاستقلال.
على خط آخر، فإن طرح حياد لبنان والذي لا يلقى اعتراضات جوهرية متشددة، هو طرح جدي ولكن يحتاج إلى توضيح لمفهومه، بما يقود إلى إحلال طرح تحييد لبنان محله، على الأقل في مرحلة أولى. فالحياد له شروط صعبة ويقتضي إجماعًا دوليًا لا سيما بين الدول الكبرى يتم تكريسه عبر الأمم المتحدة، علمًا أن مبدأ الحياد الدائم والثابت والمعترف به دوليًا ينحصر عمليًا بدولة سويسرا وبنسبة معينة بالنمسا.
ولذلك، إن خيار تحييد لبنان هو أسهل لا سيما وأنه يستند بالدرجة الأولى إلى إرادة وطنية جامعة، وهو ما تجلى خصوصًا في أحد بنود إعلان بعبدا بتاريخ 11/6/2012 عندما توافق القادة السياسيون الحاضرون في حوار بعبدا برئاسة الرئيس ميشال سليمان على تحييد لبنان عن الصراعات الخارجية والاتفاق على إبلاغ هذا الموقف إلى جامعة الدول العربية ومنظمة الأمم المتحدة. والملفت أن الرئيس نواف سلام كان في حينه سفير لبنان لدى الهيئة الدولية وتم من خلاله تسجيل إعلان بعبدا كوثيقة رسمية من وثائق الأمم المتحدة، ولقيت هذه الخطوة تأييد مجلس الأمن الدولي.
إذًا، إن التحييد خيار سيادي وطني في سياسة الدولة الخارجية، وهو يمثل جانبًا من الالتزام بميثاق العيش المشترك ولا سيما في ما خص مبدأ “لا شرق ولا غرب”، الأمر الذي يعزز فرصة لبنان في دخول دائرة السلام على قاعدة التوافق الوطني، ويعيد لبنان إلى حالة الاستقرار والازدهار بعد طول انتظار.
بعد السلاح… التحييد وتطوير النظام

ما يحصل إقليميًا ودوليًا في شأن إيران و “حزب الله”، مع التوقعات المختلفة حول مسار الأمور حربًا أو سلمًا يؤمّن الشروط الأميركية بالحد الأدنى، يوحي بأن النتيجة أيًا كان الطريق إليها ستكون حالة سلام تراوح بين الهدنة الصلبة والتطبيع “عالقطعة”، والأكيد أن واقع المحاور سيسقط مع سقوط ما بقي من محور الممانعة، وسيتوزع النفوذ بين الدول الإقليمية الكبرى بشكل متوازن وتحت المظلة الأميركية، مع دور روسي رديف ومحدود نسبيًا.
وترى أوساط دبلوماسية غربية في بيروت أن إيران هي المفتاح، انطلاقًا من أنها ما زالت تملك بعض الأوراق وإن ضعفت هذه الأوراق، كما إنها ما زالت تراهن على صمود نظامها بأي ثمن، وهو أمر يصعب تصوُّره، إلا إذا تماهى هذا النظام مع الهوامش التي يضعها الرئيس دونالد ترامب، والتي قد توفر النجاة مرحليًا للجمهورية الإسلامية، ليحصل التغيير التدريجي الذي لا عودة عنه. ففي نهاية المطاف، لن يستمر النظام الإيراني على ما هو عليه، وسينحسر نفوذه إلى الحد الأدنى، بينما الخيار الآخر هو الوصول إلى نقطة التقاء للإطاحة به بين انتفاضة الداخل والتي قد تمتد إلى بعض القوى العسكرية جيشًا وحرسًا ثوريًا، وبين الضغط العسكري مع تصعيد الحصار المالي والاقتصادي.
لذلك، ما ينتظر لبنان هو أن يكون جاهزًا لتلقي التغييرات المتوقعة، لا سيما وأن “الحزب” لن يملك في حينه القدرة على الاستمرار في المكابرة والتمسك بالسلاح، وسيكون مضطرًا إلى تفاوض تراجعي هو أقرب إلى التسليم بالأمر الواقع. ومن الواضح، أن قوى سياسية أساسية بدأت تستعد منذ اليوم للمرحلة المقبلة، انطلاقًا من قناعتها بأن المنطقة ذاهبة إلى الانتظام العام الإقليمي، بعد طول معاناة مع الحروب والصراعات التي استنزفتها. ويتنامى الكلام حول لبنان الجديد أو المتجدد في بعض الجوانب، بما يحفظ قابليته على الاستمرار وطنًا للشراكة الفعلية والتنوع، ونموذجًا بل حاجة تتفهمها وتغطيها دول عربية وازنة كالمملكة العربية السعودية ومصر، فضلًا عن دول أوروبية أساسية وفي مقدمها فرنسا وألمانيا وإيطاليا، إلى الفاتيكان، مع رغبة أميركية في استمرار لبنان جسرًا استراتيجيًا متقدمًا.
ولا تبدي العواصم الكبرى أساسًا أي تحفظات بخلفية القلق حيال ما يُطرح من تطوير للصيغة والنظام في لبنان، بل إن موفدين وسفراء غربيين أبلغوا قيادات سيادية أكثر من مرة، بأن تطوير النظام في لبنان هو شأن لبناني، والعقبة الأساسية تتمثل بموقف “حزب الله”، وعندما تُحل عقبة “الحزب” تصبح الأمور أسهل عبر الحوار والتفهم المتبادل.
على أن المعطيات تشير إلى أن أكثر من قوة سياسية وهيئة أهلية تقدمت في بحث خيار تطوير النظام بعد سلسلة من الخلوات والحلقات الداخلية والمشاورات والدراسات، توصلًا إلى اقتراحات عملية تستند إلى عنوان اللامركزية الإدارية الموسعة بما تعنيه من عناصر تعزز جديتها، لجهة شمولها بعض الجوانب المالية والتنظيمية من أمنية وإنمائية تعزز الانتماء والتجذر وتوفر الطمأنينة لمختلف المكونات اللبنانية، وتحافظ في الوقت عينه على الدولة المركزية الواحدة التي تعود لها الصلاحيات المتعلقة بالسياسة الخارجية والدفاع والسياسة المالية والنقدية العامة والتي لا تلغي توزيع الموارد الضريبية بين الوحدات المحلية بشكل أساسي وبين الدولة المركزية.
وهذه العناوين الكبرى لا تشكل قواسم مشتركة بين معظم القوى السياسية والهيئات المعنية فحسب، وإنما هناك نوع من التفهم لها لدى مكونات طائفية مختلفة بنسبة أو بأخرى في ضوء حوارات مبدئية تراوح بين جس النبض والنقاش الجدي بنوايا طيبة وواضحة، مع الاعتراف بأن المسار ليس سهلًا ويحتاج وقتًا وجهودًا استثنائية، لأن الاستمرار في التركيبة الحالية سيعني المراوحة السلبية التي تنتج دوريًا أزمات وصراعات وفق حلقات متعاقبة بين فترة وأخرى كما تبيّن منذ مطلع الاستقلال.
على خط آخر، فإن طرح حياد لبنان والذي لا يلقى اعتراضات جوهرية متشددة، هو طرح جدي ولكن يحتاج إلى توضيح لمفهومه، بما يقود إلى إحلال طرح تحييد لبنان محله، على الأقل في مرحلة أولى. فالحياد له شروط صعبة ويقتضي إجماعًا دوليًا لا سيما بين الدول الكبرى يتم تكريسه عبر الأمم المتحدة، علمًا أن مبدأ الحياد الدائم والثابت والمعترف به دوليًا ينحصر عمليًا بدولة سويسرا وبنسبة معينة بالنمسا.
ولذلك، إن خيار تحييد لبنان هو أسهل لا سيما وأنه يستند بالدرجة الأولى إلى إرادة وطنية جامعة، وهو ما تجلى خصوصًا في أحد بنود إعلان بعبدا بتاريخ 11/6/2012 عندما توافق القادة السياسيون الحاضرون في حوار بعبدا برئاسة الرئيس ميشال سليمان على تحييد لبنان عن الصراعات الخارجية والاتفاق على إبلاغ هذا الموقف إلى جامعة الدول العربية ومنظمة الأمم المتحدة. والملفت أن الرئيس نواف سلام كان في حينه سفير لبنان لدى الهيئة الدولية وتم من خلاله تسجيل إعلان بعبدا كوثيقة رسمية من وثائق الأمم المتحدة، ولقيت هذه الخطوة تأييد مجلس الأمن الدولي.
إذًا، إن التحييد خيار سيادي وطني في سياسة الدولة الخارجية، وهو يمثل جانبًا من الالتزام بميثاق العيش المشترك ولا سيما في ما خص مبدأ “لا شرق ولا غرب”، الأمر الذي يعزز فرصة لبنان في دخول دائرة السلام على قاعدة التوافق الوطني، ويعيد لبنان إلى حالة الاستقرار والازدهار بعد طول انتظار.










