الإعمار والسلاح خطَّان لا يلتقيان

الكاتب: جان الفغالي | المصدر: نداء الوطن
2 شباط 2026

إسرائيل ستمنع إعمار الجنوب إذا لم يسلّم “حزب اللّه” سلاحه، لأنها لا تريد أن يعيد “الحزب” ترميم نفسه تحت حجّة الإعمار.

يشكّل ملف إعادة إعمار جنوب لبنان إحدى أكثر القضايا تعقيدًا وحساسية في المرحلة الراهنة، ليس فقط بسبب حجم الدمار الذي خلّفته الحروب المتكرّرة، ولا سيّما “إسناد طوفان الأقصى” بل أيضًا بسبب الارتباط الوثيق بين الإعمار وملف سلاح “حزب اللّه”. فبالنسبة إلى إسرائيل، لا يمكن الفصل بين هذين المسارين، إذ ترى أن أي عملية إعمار تجري في ظلّ بقاء السلاح هي تهديد مباشر لأمنها، وقد تتحوّل إلى فرصة جديدة لـ “حزب اللّه” لإعادة بناء قدراته العسكرية تحت غطاء مدني وإنساني.

تنطلق الرؤية الإسرائيلية من تجربة سابقة. فبعد حرب تموز 2006، شهد الجنوب اللبناني عملية إعمار واسعة، ساهمت فيها دول وجهات مانحة متعدّّدة. غير أن إسرائيل اعتبرت أن تلك المرحلة لم تكن مجرّد إعادة بناء منازل وبنى تحتية، بل ترافقت، بحسب اتهاماتها، مع إعادة تنظيم صفوف “حزب اللّه” وتعزيز ترسانته الصاروخية، مستفيدًا من الهدوء النسبيّ ومن انشغال المجتمع الدولي بدعم الاستقرار. ومن هنا، تبلور اقتناع إسرائيلي راسخ بأن الإعمار دون نزع السلاح يؤدي عمليًا إلى إعادة إنتاج أسباب الصراع بدل معالجتها.

انطلاقًا من هذا “المنطق”، ترى إسرائيل أن السماح بإعمار الجنوب في ظلّ استمرار وجود سلاح “حزب اللّه” يعني إعطاءه فرصة لإعادة ترميم نفسه عسكريًا ولوجستيًا. فالمواد التي تدخل لإعادة البناء، وشبكات الطرق، والبنى التحتية الجديدة، يمكن، وفق التصوّر الإسرائيلي، أن تُستخدم لأغراض عسكرية، سواء عبر إخفاء السلاح، أو تسهيل حركة المقاتلين، أو إنشاء مواقع محصّنة ضمن النسيج المدني. لذلك، تعتبر إسرائيل أن أي إعمار غير مشروط بنزع السلاح هو تهديد مؤجل لا أكثر.

في المقابل، يدفع ثمن هذا الموقف أبناء الجنوب، الذين يجدون أنفسهم عالقين بين معادلات إقليمية وصراعات تتجاوز قدرتهم على التأثير. فغياب الإعمار يعني استمرار المعاناة الاقتصادية والاجتماعية، وتراجع فرص العودة والاستقرار. غير أن إسرائيل، وفق رؤيتها الأمنية الصارمة، تضع أولوية منع تعاظم قوة “حزب اللّه” فوق أي اعتبار إنساني، وتستخدم ورقة الإعمار كأداة ضغط سياسية وأمنية.

من هنا، يبدو أن الإعمار والسلاح خطان لا يلتقيان في الحسابات الإسرائيلية. فإعادة البناء، من وجهة نظرها، يجب أن تكون جزءًا من تسوية شاملة تضمن نزع سلاح “حزب اللّه”. دون ذلك، ستبقى إسرائيل تعمل، دبلوماسيًا أو عسكريًا، على منع أي مسار إعمار يمكن أن يُفسَّر كفرصة جديدة لإعادة بناء قوة تعتبرها عدوّها الأول.

وفي ظلّ غياب حلّ سياسيّ شامل، يبقى الجنوب اللبناني رهينة هذا الاشتباك المفتوح بين منطق الإعمار ومنطق السلاح، حيث يدفع المدنيون ثمن صراع لم تُرسم له بعد نهاية واضحة.

الإعمار والسلاح خطَّان لا يلتقيان

الكاتب: جان الفغالي | المصدر: نداء الوطن
2 شباط 2026

إسرائيل ستمنع إعمار الجنوب إذا لم يسلّم “حزب اللّه” سلاحه، لأنها لا تريد أن يعيد “الحزب” ترميم نفسه تحت حجّة الإعمار.

يشكّل ملف إعادة إعمار جنوب لبنان إحدى أكثر القضايا تعقيدًا وحساسية في المرحلة الراهنة، ليس فقط بسبب حجم الدمار الذي خلّفته الحروب المتكرّرة، ولا سيّما “إسناد طوفان الأقصى” بل أيضًا بسبب الارتباط الوثيق بين الإعمار وملف سلاح “حزب اللّه”. فبالنسبة إلى إسرائيل، لا يمكن الفصل بين هذين المسارين، إذ ترى أن أي عملية إعمار تجري في ظلّ بقاء السلاح هي تهديد مباشر لأمنها، وقد تتحوّل إلى فرصة جديدة لـ “حزب اللّه” لإعادة بناء قدراته العسكرية تحت غطاء مدني وإنساني.

تنطلق الرؤية الإسرائيلية من تجربة سابقة. فبعد حرب تموز 2006، شهد الجنوب اللبناني عملية إعمار واسعة، ساهمت فيها دول وجهات مانحة متعدّّدة. غير أن إسرائيل اعتبرت أن تلك المرحلة لم تكن مجرّد إعادة بناء منازل وبنى تحتية، بل ترافقت، بحسب اتهاماتها، مع إعادة تنظيم صفوف “حزب اللّه” وتعزيز ترسانته الصاروخية، مستفيدًا من الهدوء النسبيّ ومن انشغال المجتمع الدولي بدعم الاستقرار. ومن هنا، تبلور اقتناع إسرائيلي راسخ بأن الإعمار دون نزع السلاح يؤدي عمليًا إلى إعادة إنتاج أسباب الصراع بدل معالجتها.

انطلاقًا من هذا “المنطق”، ترى إسرائيل أن السماح بإعمار الجنوب في ظلّ استمرار وجود سلاح “حزب اللّه” يعني إعطاءه فرصة لإعادة ترميم نفسه عسكريًا ولوجستيًا. فالمواد التي تدخل لإعادة البناء، وشبكات الطرق، والبنى التحتية الجديدة، يمكن، وفق التصوّر الإسرائيلي، أن تُستخدم لأغراض عسكرية، سواء عبر إخفاء السلاح، أو تسهيل حركة المقاتلين، أو إنشاء مواقع محصّنة ضمن النسيج المدني. لذلك، تعتبر إسرائيل أن أي إعمار غير مشروط بنزع السلاح هو تهديد مؤجل لا أكثر.

في المقابل، يدفع ثمن هذا الموقف أبناء الجنوب، الذين يجدون أنفسهم عالقين بين معادلات إقليمية وصراعات تتجاوز قدرتهم على التأثير. فغياب الإعمار يعني استمرار المعاناة الاقتصادية والاجتماعية، وتراجع فرص العودة والاستقرار. غير أن إسرائيل، وفق رؤيتها الأمنية الصارمة، تضع أولوية منع تعاظم قوة “حزب اللّه” فوق أي اعتبار إنساني، وتستخدم ورقة الإعمار كأداة ضغط سياسية وأمنية.

من هنا، يبدو أن الإعمار والسلاح خطان لا يلتقيان في الحسابات الإسرائيلية. فإعادة البناء، من وجهة نظرها، يجب أن تكون جزءًا من تسوية شاملة تضمن نزع سلاح “حزب اللّه”. دون ذلك، ستبقى إسرائيل تعمل، دبلوماسيًا أو عسكريًا، على منع أي مسار إعمار يمكن أن يُفسَّر كفرصة جديدة لإعادة بناء قوة تعتبرها عدوّها الأول.

وفي ظلّ غياب حلّ سياسيّ شامل، يبقى الجنوب اللبناني رهينة هذا الاشتباك المفتوح بين منطق الإعمار ومنطق السلاح، حيث يدفع المدنيون ثمن صراع لم تُرسم له بعد نهاية واضحة.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار