ترامب و”حلف بغداد الموسع”.. بدر مكتمل في المدار الأميركي

الكاتب: منير الربيع | المصدر: المدن
3 شباط 2026

الإصرار الأميركي على الوصول إلى اتفاق مع إيران يرتبط بالرؤية الاستراتيجية الأميركية للمنطقة ككل. فما تريده واشنطن هو جعل إيران تدور بفلكها، على طريق مواجهة الصين أو تطويق نفوذها وصولاً إلى حدّ التحكم الأميركي بالغاز الإيراني وكيفية توريده إلى الصين والتحكم بالكميات. تسعى واشنطن إلى ذلك إما من خلال التفاهم مع إيران، أو بممارسة الضغط على النظام لتغيير سياسته ووجهته أو تغييره من الداخل عبر عدد من الشخصيات، وذلك لتجنب الدخول في عملية عسكرية كبرى. في هذا المسار، يبدو ترامب وكأنه يريد إعادة انتاج خريطة سياسية جديدة في المنطقة، مثل تلك التي أنتجها حلف بغداد في الخمسينيات ولكن مع توسيع حجم الدول المنخرطة في هذا التحالف الجديد. 

اتفاقات مع إسرائيل

فقد نشأ حلف بغداد في العام 1955 برعاية أميركية لمواجهة تمدد الاتحاد السوفييتي، وضم العراق، تركيا، إيران وباكستان. اليوم تبدو أميركا وكأنها تريد بناء تحالف جديد وأوسع في المنطقة لمواجهة المدّ الصيني وفي إطار التنافس مع الصين في مجالات مختلفة. مع فارق أن التحالف الجديد والذي يسميه ترامب “مسار أبراهام” ويعززه بمجلس السلام الذي يترأسه شخصياً، يفترض بالنسبة إلى الأميركيين أن يضم كل دول المنطقة، وخصوصاً: “تركيا، سوريا، العراق، إيران، باكستان ودول الخليج العربي ومصر ولا بد لهذا التحالف أن يشمل لبنان أيضاً”. كما أن أميركا تريد لهذه الدول كلها أن تنخرط في اتفاقات مع إسرائيل. 

تفاهمات موضعية

كل ذلك سيكون له أثره على رسم خريطة المنطقة وتغيير التحالفات فيها. فأميركا تصر على ربط المنطقة بإسرائيل وهو ما لم يكن أحد يتخيله في السنوات الماضية. كذلك فإن التحولات نقلت تركيا من طرف منافس أو خصم للدول العربية والخليجية إلى دولة حليفة، وهو ما ينطبق على إيران أيضاً، لا سيما في ظل سعي دول المنطقة إلى بناء منظومة تعاون إقليمي، وإن كانت الغاية من ذلك مواجهة مشروع التوسع الإسرائيلي، فإن واشنطن تريد رسم حدود العلاقة وإن لم تصل إلى حد بناء تفاهمات أو تحالفات، فإنها تريد إنهاء حالة الصراع مع إسرائيل، والإفساح في المجال أمام تقاطعات أو تفاهمات اقتصادية أو موضعية. 

مسألة نوري المالكي

هنا لا يمكن فصل هذه النظرة الأميركية، عن الدور الآخذ بالتوسع للمبعوث الأميركي توم باراك، والذي يبدو وكأنه مندوب سام أميركي في المنطقة، وهو أحد أكثر الذين يؤثرون على ترامب. فمع تبني ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة في العراق، كان باراك أول من غرّد ضد الخطوة قائلاً: “أي حكومة تُنصَّب من إيران لن تكون ناجحة”، سواء على مستوى تطلعات العراقيين أو السوريين “إلى مستقبل أكثر إشراقاً”، ولا في إطار إقامة “شراكة فعّالة” مع واشنطن”. في هذا الموقف أكثر الدلائل حول رؤية باراك إلى الوضع في المنطقة، والذي يبدو وكأنه ينظر إليه من منظور سوري. خصوصاً عندما اعتبر أن تولي المالكي رئاسة الحكومة العراقية ليست على مستوى تطلعات السوريين وليس فقط العراقيين. 

“حلف دمشق”

باراك هو أحد أكثر المهتمين بسوريا تحت سلطة أحمد الشرع، وأكثر الداعمين للتعاون بين سوريا وتركيا، وهو الذي سعى مع إسرائيل لتخفيف ضغوطها عن دمشق، وكذلك يسعى إلى ممارسة ضغوط قوية على بغداد وطهران لمنعهما من التأثير سلباً على حكم الشرع، تماماً كما فعل مع لبنان من قبل، إذ وجه نصائح كثيرة للمسؤولين اللبنانيين حول ضرورة تحسين وتعزيز العلاقة مع سوريا. في تصرفات باراك، يبدو أن شعار “حلف بغداد” سيتحول إلى “حلف دمشق” وكأنه يريد دفع الدول كلها إلى التقارب مع سوريا. 

الشرع رجل قوي

ترتكز وجهة نظر باراك على ضرورة تعزيز وضع سوريا في المنطقة، وهو يستند إلى كلام قاله ترامب سابقاً عن الشرع بوصفه رجلاً قوياً وسيكون له دور على مستوى المنطقة. هنا تتضح أكثر الرؤية الأميركية لسوريا كنقطة وصل بين الخليج وتركيا، ونقطة ارتكاز باتجاه أوروبا. يعرف الشرع ذلك وهو ما يبني عليه، ويستكمله من خلال تعزيز علاقته مع روسيا التي يعلم تماماً أن لا مشكلة لترامب مع رئيسها فلاديمير بوتين، وبذلك يسعى الشرع إلى تفادي أي عداوات أو خصومات. حتى بما يتعلق بالعلاقة مع إيران، فإن تركيا هي التي تتولى الأمر من خلال عقد لقاءات أو نقل رسائل تهدئة وطمأنة وإبعاد طهران عن أي تفكير يتعلق بالتحرك مع حلفائها داخل سوريا لحصول انقلاب أو للإطاحة بالشرع. ما تقوم به تركيا مع إيران في سوريا، هو نفسه ما تبذله من جهود مع الإيرانيين للتفاهم مع الأميركيين، وسط مساع تركية واضحة لتجنب الحرب الأميركية على إيران. 

“السلام الإبراهيمي”

ما تريده واشنطن، ويعمل عليه باراك، هو جعل دول المنطقة كلها تسلك المسار السوري، إن في العلاقة مع أميركا أو مع إسرائيل. ولطالما تحدث باراك عن ضرورة التكامل بين دول المنطقة مع تركيا وإسرائيل والتعاون في ملفات عديدة. وهو ما عمل عليه في سوريا، ونصح لبنان به، ونقله الى العراق، وطالما أن باراك ينظر إلى المنطقة من المنظور السوري، فلا بد لذلك أن يدفع سوريا إلى لعب دور أكبر والتأثير على دول الجوار ولا سيما في العراق ولبنان. تبدو السياسة الأميركية التي تريد دمج المنطقة بإسرائيل، كأنها تعمل على إنهاء ما كان يسمى بـ”الهلال الشيعي” واستبداله بـِ “البدر الإقليمي” أو “السلام الإبراهيمي”. وما يُراد لهذا البدر الذي يمكن وصفه بحلف “بغداد الجديد والموسع” أن يوفق بين مصالح الدول المنضوية فيه ومصالح إسرائيل، بمرجعية أميركية دائمة. 

ترامب و”حلف بغداد الموسع”.. بدر مكتمل في المدار الأميركي

الكاتب: منير الربيع | المصدر: المدن
3 شباط 2026

الإصرار الأميركي على الوصول إلى اتفاق مع إيران يرتبط بالرؤية الاستراتيجية الأميركية للمنطقة ككل. فما تريده واشنطن هو جعل إيران تدور بفلكها، على طريق مواجهة الصين أو تطويق نفوذها وصولاً إلى حدّ التحكم الأميركي بالغاز الإيراني وكيفية توريده إلى الصين والتحكم بالكميات. تسعى واشنطن إلى ذلك إما من خلال التفاهم مع إيران، أو بممارسة الضغط على النظام لتغيير سياسته ووجهته أو تغييره من الداخل عبر عدد من الشخصيات، وذلك لتجنب الدخول في عملية عسكرية كبرى. في هذا المسار، يبدو ترامب وكأنه يريد إعادة انتاج خريطة سياسية جديدة في المنطقة، مثل تلك التي أنتجها حلف بغداد في الخمسينيات ولكن مع توسيع حجم الدول المنخرطة في هذا التحالف الجديد. 

اتفاقات مع إسرائيل

فقد نشأ حلف بغداد في العام 1955 برعاية أميركية لمواجهة تمدد الاتحاد السوفييتي، وضم العراق، تركيا، إيران وباكستان. اليوم تبدو أميركا وكأنها تريد بناء تحالف جديد وأوسع في المنطقة لمواجهة المدّ الصيني وفي إطار التنافس مع الصين في مجالات مختلفة. مع فارق أن التحالف الجديد والذي يسميه ترامب “مسار أبراهام” ويعززه بمجلس السلام الذي يترأسه شخصياً، يفترض بالنسبة إلى الأميركيين أن يضم كل دول المنطقة، وخصوصاً: “تركيا، سوريا، العراق، إيران، باكستان ودول الخليج العربي ومصر ولا بد لهذا التحالف أن يشمل لبنان أيضاً”. كما أن أميركا تريد لهذه الدول كلها أن تنخرط في اتفاقات مع إسرائيل. 

تفاهمات موضعية

كل ذلك سيكون له أثره على رسم خريطة المنطقة وتغيير التحالفات فيها. فأميركا تصر على ربط المنطقة بإسرائيل وهو ما لم يكن أحد يتخيله في السنوات الماضية. كذلك فإن التحولات نقلت تركيا من طرف منافس أو خصم للدول العربية والخليجية إلى دولة حليفة، وهو ما ينطبق على إيران أيضاً، لا سيما في ظل سعي دول المنطقة إلى بناء منظومة تعاون إقليمي، وإن كانت الغاية من ذلك مواجهة مشروع التوسع الإسرائيلي، فإن واشنطن تريد رسم حدود العلاقة وإن لم تصل إلى حد بناء تفاهمات أو تحالفات، فإنها تريد إنهاء حالة الصراع مع إسرائيل، والإفساح في المجال أمام تقاطعات أو تفاهمات اقتصادية أو موضعية. 

مسألة نوري المالكي

هنا لا يمكن فصل هذه النظرة الأميركية، عن الدور الآخذ بالتوسع للمبعوث الأميركي توم باراك، والذي يبدو وكأنه مندوب سام أميركي في المنطقة، وهو أحد أكثر الذين يؤثرون على ترامب. فمع تبني ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة في العراق، كان باراك أول من غرّد ضد الخطوة قائلاً: “أي حكومة تُنصَّب من إيران لن تكون ناجحة”، سواء على مستوى تطلعات العراقيين أو السوريين “إلى مستقبل أكثر إشراقاً”، ولا في إطار إقامة “شراكة فعّالة” مع واشنطن”. في هذا الموقف أكثر الدلائل حول رؤية باراك إلى الوضع في المنطقة، والذي يبدو وكأنه ينظر إليه من منظور سوري. خصوصاً عندما اعتبر أن تولي المالكي رئاسة الحكومة العراقية ليست على مستوى تطلعات السوريين وليس فقط العراقيين. 

“حلف دمشق”

باراك هو أحد أكثر المهتمين بسوريا تحت سلطة أحمد الشرع، وأكثر الداعمين للتعاون بين سوريا وتركيا، وهو الذي سعى مع إسرائيل لتخفيف ضغوطها عن دمشق، وكذلك يسعى إلى ممارسة ضغوط قوية على بغداد وطهران لمنعهما من التأثير سلباً على حكم الشرع، تماماً كما فعل مع لبنان من قبل، إذ وجه نصائح كثيرة للمسؤولين اللبنانيين حول ضرورة تحسين وتعزيز العلاقة مع سوريا. في تصرفات باراك، يبدو أن شعار “حلف بغداد” سيتحول إلى “حلف دمشق” وكأنه يريد دفع الدول كلها إلى التقارب مع سوريا. 

الشرع رجل قوي

ترتكز وجهة نظر باراك على ضرورة تعزيز وضع سوريا في المنطقة، وهو يستند إلى كلام قاله ترامب سابقاً عن الشرع بوصفه رجلاً قوياً وسيكون له دور على مستوى المنطقة. هنا تتضح أكثر الرؤية الأميركية لسوريا كنقطة وصل بين الخليج وتركيا، ونقطة ارتكاز باتجاه أوروبا. يعرف الشرع ذلك وهو ما يبني عليه، ويستكمله من خلال تعزيز علاقته مع روسيا التي يعلم تماماً أن لا مشكلة لترامب مع رئيسها فلاديمير بوتين، وبذلك يسعى الشرع إلى تفادي أي عداوات أو خصومات. حتى بما يتعلق بالعلاقة مع إيران، فإن تركيا هي التي تتولى الأمر من خلال عقد لقاءات أو نقل رسائل تهدئة وطمأنة وإبعاد طهران عن أي تفكير يتعلق بالتحرك مع حلفائها داخل سوريا لحصول انقلاب أو للإطاحة بالشرع. ما تقوم به تركيا مع إيران في سوريا، هو نفسه ما تبذله من جهود مع الإيرانيين للتفاهم مع الأميركيين، وسط مساع تركية واضحة لتجنب الحرب الأميركية على إيران. 

“السلام الإبراهيمي”

ما تريده واشنطن، ويعمل عليه باراك، هو جعل دول المنطقة كلها تسلك المسار السوري، إن في العلاقة مع أميركا أو مع إسرائيل. ولطالما تحدث باراك عن ضرورة التكامل بين دول المنطقة مع تركيا وإسرائيل والتعاون في ملفات عديدة. وهو ما عمل عليه في سوريا، ونصح لبنان به، ونقله الى العراق، وطالما أن باراك ينظر إلى المنطقة من المنظور السوري، فلا بد لذلك أن يدفع سوريا إلى لعب دور أكبر والتأثير على دول الجوار ولا سيما في العراق ولبنان. تبدو السياسة الأميركية التي تريد دمج المنطقة بإسرائيل، كأنها تعمل على إنهاء ما كان يسمى بـ”الهلال الشيعي” واستبداله بـِ “البدر الإقليمي” أو “السلام الإبراهيمي”. وما يُراد لهذا البدر الذي يمكن وصفه بحلف “بغداد الجديد والموسع” أن يوفق بين مصالح الدول المنضوية فيه ومصالح إسرائيل، بمرجعية أميركية دائمة. 

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار