هيكل في واشنطن: التزام وحذر وحاجة إلى قرار سياسيّ موحَّد

الكاتب: جوزفين ديب | المصدر: اساس ميديا
3 شباط 2026

ليس سهلاً أن تنتقل كرة النار من مسؤول إلى آخر لتستقرّ في عهدة قائد المؤسّسة العسكريّة، في لحظة تمرّ فيها البلاد بأزمة شاملة تطاول الدولة ومؤسّساتها. غير أنّ الثابت في ما يتّصل بالمؤسّسة العسكريّة هو أنّ قائدها، العماد رودولف هيكل، استطاع خلال المرحلة الماضية أن يراكم احتراماً دوليّاً، مستنداً إلى صلابة موقفه وتماسكه في مواجهة العواصف السياسيّة والميدانيّة.

 

الأهمّ أنّ هيكل حظي بدعم واضح من المملكة العربيّة السعوديّة، التي دخلت بثقلها السياسيّ لدعمه تحديداً، منذ إلغاء مواعيده السابقة في واشنطن. عُقد بعدها اجتماع ثلاثي في باريس، وضمّ الأمير يزيد بن فرحان، مورغان أورتاغوس، وجان إيف لودريان، بحضور قائد الجيش، عمل الموفد السعوديّ على ضبط إيقاع الخلاف السابق، وإعادة فرملة الموقف الدوليّ تجاه الجيش، ولا سيما في ظلّ الموقف الإسرائيليّ السلبيّ والمرتفع السقف حيال أداء المؤسّسة العسكريّة جنوب نهر الليطاني.

في هذا السياق، توضح مصادر دبلوماسية أنه لا بدّ من تمييز ما يمثّله هيكل في هذه الزيارة: يمثّل الجيش اللبنانيّ لا الدولة اللبنانيّة، وبين الأمرين فارق جوهريّ.

خطّة شمال اللّيطاني: لا مواجهة مع بيئة “الحزب”

يتوجّه هيكل إلى واشنطن حاملاً أكثر من ملفّ. في مقدَّمها ملفّ جنوب الليطاني، وما أنجزه الجيش هناك، وملفّ شمال الليطاني، وما يمكن للمؤسّسة العسكريّة إنجازه، إلى جانب حاجاتها المختلفة.

في ما يتّصل بجنوب الليطاني، لم تقتصر مهمّة الجيش على الانتشار العسكريّ وحصر السلاح. على الرغم من عدم تعاون “الحزب” في الكشف عن المواقع، اعتمد الجيش مقاربة استيعابيّة أخذت في الاعتبار، أوّلاً، حزن البيئة على خسائرها البشريّة والماديّة، وثانياً حساسيّتها السياسيّة في ظلّ الخطاب الداخليّ الحادّ.

تشير مصادر متابعة لأداء الجيش جنوب الليطاني إلى أنّ المؤسّسة لم تتصرّف كقوّة عسكريّة فحسب، بل أدّت دوراً اجتماعيّاً، عبر الوقوف إلى جانب الأهالي بتلبية احتياجاتهم اليوميّة من تنظيف الردم إلى المساعدة في زراعة الأراضي، نقل المحاصيل، والمشاركة في قطف الزيتون وحصاده. هي مهامّ ليست من صلب عمل الجيش عادة، لكنّها جاءت انطلاقاً من قرار واضح بعدم استفزاز بيئة لم تخرج بعد من تداعيات الحرب.

 

نجح الجيش بهذا الأداء في امتصاص تداعيات الخطاب السياسيّ المتوتّر، ومنع انفجاره ميدانيّاً في وجه المؤسّسة العسكريّة.

من هنا، لا تقتصر مهمّة هيكل على إقناع الأميركيّين والمجتمع الدوليّ بالإنجازات العسكريّة، بل تمتدّ إلى شرح حساسيّة موقع الجيش في بلد لم تُعالج فيه الانقسامات السياسيّة والطائفيّة بعد.

انطلاقاً من ذلك، سيعرض هيكل خطّة الجيش لشمال الليطاني، مع التشديد على ضرورة تجنّب أيّ مواجهة مع “الحزب” وبيئته، وهو ما يستدعي قراراً سياسيّاً محكماً يوفّر الغطاء اللازم لأداء المؤسّسة.

القرار السّياسيّ: الحكومة تقرّر والجيش ينفّذ

يتمسّك قائد الجيش بشرط أساسيّ سيطرحه في جميع لقاءاته، مهما بلغت حدّتها: الحاجة إلى قرار سياسيّ واضح لا يضع الجيش في مواجهة مع “أهله” على الأرض. تضمّ المؤسّسة العسكريّة أبناء جميع الطوائف والمناطق، وتُعدّ من أكثر المؤسّسات تماسكاً في لبنان.

لذلك لا يرى هيكل أنّ المهمّة الأولى للجيش هي حصر السلاح شمال الليطاني، بقدر ما هي الحفاظ على تماسك المؤسّسة في وجه العاصفة السياسيّة. بعدما فشلت السياسة في معالجة الملفّ، وأُلقي بثقله على الجيش في آب الماضي، سيطالب هيكل الحكومة ورئيس الجمهوريّة بقرار صريح يحمي المؤسّسة في مهمّتها المقبلة.

عناوين الخطّة

تتضمّن ورشة العمل المطروحة أفكاراً عدّة، أبرزها تطبيق نموذج جنوب الليطاني على شماله، بدءاً من المقاربة الاجتماعيّة لاستيعاب البيئة، وصولاً إلى وضع اليد على مخازن الأسلحة التي يُعثر عليها، مع إبقاء السلاح في مكانه.

أمّا السلاح الثقيل والآليّات التابعة لـ”الحزب” فمعالجتها تتطلّب اتّفاقاً مسبقاً لتجنّب التصادم. وإلّا فإنّ ما حصل في البقاع أخيراً، من مواجهة بين الجيش وعناصر من “الحزب” رفضوا تسليم سيّارة تابعة لهم، قد يتكرّر في أكثر من منطقة، مع صعوبة ضبط تداعياته أو منع تطوّره ميدانيّاً.

“الحزب”: لا تسليم شمال اللّيطاني ولا تفاوض سياسيّاً

في المقابل، وبانتظار اتّضاح مسار الاشتباك الإيرانيّ–الأميركيّ في المنطقة، يتمسّك “الحزب” برفضه حصر السلاح شمال الليطاني، ويضيف إلى ذلك موقفاً علنيّاً وتصعيديّاً من قرار الرئاسات الثلاث بتعيين السفير سيمون كرم للتفاوض المدنيّ.

هذا الموقف مرشّح لتعقيد المشهد في المرحلة المقبلة، وعرقلة خطّة الدولة في ملفّ حصر السلاح. وهو ما يفتح الباب أمام إشكاليّات خطِرة، أبرزها: كيف سيُترجَم هذا التناقض بين موقف “الحزب” وموقف الدولة؟ ما هي تداعياته على الجيش في حال اتُّخذ القرار السياسيّ من دون موافقة “الحزب”؟

إلى ذلك، تقف الساحة الشيعيّة نفسها على حافة انقسام، في ظلّ تكرار الإشكالات بين عناصر من حركة “أمل” وأخرى من “الحزب”، وهو ما يطرح تساؤلات عن كيفيّة تعامل هذه الساحة مع الاختلاف في مقاربة الوضع الداخليّ.

في المحصّلة، لا يعيش لبنان مرحلة انتظار هادئة لما ستؤول إليه التطوّرات الإقليميّة، بل يقف على صفيح ساخن من الاستحقاقات الداخليّة، التي لن تنتظر اندلاع حرب كبرى أو تسوية إقليميّة لتفرض نفسها.

هيكل في واشنطن: التزام وحذر وحاجة إلى قرار سياسيّ موحَّد

الكاتب: جوزفين ديب | المصدر: اساس ميديا
3 شباط 2026

ليس سهلاً أن تنتقل كرة النار من مسؤول إلى آخر لتستقرّ في عهدة قائد المؤسّسة العسكريّة، في لحظة تمرّ فيها البلاد بأزمة شاملة تطاول الدولة ومؤسّساتها. غير أنّ الثابت في ما يتّصل بالمؤسّسة العسكريّة هو أنّ قائدها، العماد رودولف هيكل، استطاع خلال المرحلة الماضية أن يراكم احتراماً دوليّاً، مستنداً إلى صلابة موقفه وتماسكه في مواجهة العواصف السياسيّة والميدانيّة.

 

الأهمّ أنّ هيكل حظي بدعم واضح من المملكة العربيّة السعوديّة، التي دخلت بثقلها السياسيّ لدعمه تحديداً، منذ إلغاء مواعيده السابقة في واشنطن. عُقد بعدها اجتماع ثلاثي في باريس، وضمّ الأمير يزيد بن فرحان، مورغان أورتاغوس، وجان إيف لودريان، بحضور قائد الجيش، عمل الموفد السعوديّ على ضبط إيقاع الخلاف السابق، وإعادة فرملة الموقف الدوليّ تجاه الجيش، ولا سيما في ظلّ الموقف الإسرائيليّ السلبيّ والمرتفع السقف حيال أداء المؤسّسة العسكريّة جنوب نهر الليطاني.

في هذا السياق، توضح مصادر دبلوماسية أنه لا بدّ من تمييز ما يمثّله هيكل في هذه الزيارة: يمثّل الجيش اللبنانيّ لا الدولة اللبنانيّة، وبين الأمرين فارق جوهريّ.

خطّة شمال اللّيطاني: لا مواجهة مع بيئة “الحزب”

يتوجّه هيكل إلى واشنطن حاملاً أكثر من ملفّ. في مقدَّمها ملفّ جنوب الليطاني، وما أنجزه الجيش هناك، وملفّ شمال الليطاني، وما يمكن للمؤسّسة العسكريّة إنجازه، إلى جانب حاجاتها المختلفة.

في ما يتّصل بجنوب الليطاني، لم تقتصر مهمّة الجيش على الانتشار العسكريّ وحصر السلاح. على الرغم من عدم تعاون “الحزب” في الكشف عن المواقع، اعتمد الجيش مقاربة استيعابيّة أخذت في الاعتبار، أوّلاً، حزن البيئة على خسائرها البشريّة والماديّة، وثانياً حساسيّتها السياسيّة في ظلّ الخطاب الداخليّ الحادّ.

تشير مصادر متابعة لأداء الجيش جنوب الليطاني إلى أنّ المؤسّسة لم تتصرّف كقوّة عسكريّة فحسب، بل أدّت دوراً اجتماعيّاً، عبر الوقوف إلى جانب الأهالي بتلبية احتياجاتهم اليوميّة من تنظيف الردم إلى المساعدة في زراعة الأراضي، نقل المحاصيل، والمشاركة في قطف الزيتون وحصاده. هي مهامّ ليست من صلب عمل الجيش عادة، لكنّها جاءت انطلاقاً من قرار واضح بعدم استفزاز بيئة لم تخرج بعد من تداعيات الحرب.

 

نجح الجيش بهذا الأداء في امتصاص تداعيات الخطاب السياسيّ المتوتّر، ومنع انفجاره ميدانيّاً في وجه المؤسّسة العسكريّة.

من هنا، لا تقتصر مهمّة هيكل على إقناع الأميركيّين والمجتمع الدوليّ بالإنجازات العسكريّة، بل تمتدّ إلى شرح حساسيّة موقع الجيش في بلد لم تُعالج فيه الانقسامات السياسيّة والطائفيّة بعد.

انطلاقاً من ذلك، سيعرض هيكل خطّة الجيش لشمال الليطاني، مع التشديد على ضرورة تجنّب أيّ مواجهة مع “الحزب” وبيئته، وهو ما يستدعي قراراً سياسيّاً محكماً يوفّر الغطاء اللازم لأداء المؤسّسة.

القرار السّياسيّ: الحكومة تقرّر والجيش ينفّذ

يتمسّك قائد الجيش بشرط أساسيّ سيطرحه في جميع لقاءاته، مهما بلغت حدّتها: الحاجة إلى قرار سياسيّ واضح لا يضع الجيش في مواجهة مع “أهله” على الأرض. تضمّ المؤسّسة العسكريّة أبناء جميع الطوائف والمناطق، وتُعدّ من أكثر المؤسّسات تماسكاً في لبنان.

لذلك لا يرى هيكل أنّ المهمّة الأولى للجيش هي حصر السلاح شمال الليطاني، بقدر ما هي الحفاظ على تماسك المؤسّسة في وجه العاصفة السياسيّة. بعدما فشلت السياسة في معالجة الملفّ، وأُلقي بثقله على الجيش في آب الماضي، سيطالب هيكل الحكومة ورئيس الجمهوريّة بقرار صريح يحمي المؤسّسة في مهمّتها المقبلة.

عناوين الخطّة

تتضمّن ورشة العمل المطروحة أفكاراً عدّة، أبرزها تطبيق نموذج جنوب الليطاني على شماله، بدءاً من المقاربة الاجتماعيّة لاستيعاب البيئة، وصولاً إلى وضع اليد على مخازن الأسلحة التي يُعثر عليها، مع إبقاء السلاح في مكانه.

أمّا السلاح الثقيل والآليّات التابعة لـ”الحزب” فمعالجتها تتطلّب اتّفاقاً مسبقاً لتجنّب التصادم. وإلّا فإنّ ما حصل في البقاع أخيراً، من مواجهة بين الجيش وعناصر من “الحزب” رفضوا تسليم سيّارة تابعة لهم، قد يتكرّر في أكثر من منطقة، مع صعوبة ضبط تداعياته أو منع تطوّره ميدانيّاً.

“الحزب”: لا تسليم شمال اللّيطاني ولا تفاوض سياسيّاً

في المقابل، وبانتظار اتّضاح مسار الاشتباك الإيرانيّ–الأميركيّ في المنطقة، يتمسّك “الحزب” برفضه حصر السلاح شمال الليطاني، ويضيف إلى ذلك موقفاً علنيّاً وتصعيديّاً من قرار الرئاسات الثلاث بتعيين السفير سيمون كرم للتفاوض المدنيّ.

هذا الموقف مرشّح لتعقيد المشهد في المرحلة المقبلة، وعرقلة خطّة الدولة في ملفّ حصر السلاح. وهو ما يفتح الباب أمام إشكاليّات خطِرة، أبرزها: كيف سيُترجَم هذا التناقض بين موقف “الحزب” وموقف الدولة؟ ما هي تداعياته على الجيش في حال اتُّخذ القرار السياسيّ من دون موافقة “الحزب”؟

إلى ذلك، تقف الساحة الشيعيّة نفسها على حافة انقسام، في ظلّ تكرار الإشكالات بين عناصر من حركة “أمل” وأخرى من “الحزب”، وهو ما يطرح تساؤلات عن كيفيّة تعامل هذه الساحة مع الاختلاف في مقاربة الوضع الداخليّ.

في المحصّلة، لا يعيش لبنان مرحلة انتظار هادئة لما ستؤول إليه التطوّرات الإقليميّة، بل يقف على صفيح ساخن من الاستحقاقات الداخليّة، التي لن تنتظر اندلاع حرب كبرى أو تسوية إقليميّة لتفرض نفسها.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار