عبث استراتيجي… “الحزب” يلعب بالنار السورية ويستدرج دمشق

تشكل النوازل التي حلت بـ “قسد” أنموذجًا واضحًا على مدى عجز التنظيمات المشبعة أيديولوجيًا عن التكيّف مع المتغيرات. فمع أنها كانت على بينة من ارفضاض الدعم الأميركي، وانحسار نظيره الأوروبي، بل وتحولهما إلى ضغط مضاد لتطبيق الاتفاق الذي أبرمته مع دمشق، مشفوعًا بتهديدات جدية بمنح الأخيرة الضوء الأخضر لإجبارها على تنفيذ الاندماج، إلا أن “قسد” أظهرت قدرًا من التعنت يعبر عن عقم وانفصال عن الوقائع والمعادلات الناشئة. فدفعت أثمانًا باهظة، ولا تزال معرضة لتكبد المزيد من الخسائر إذا ما استمرت في نهجها العقيم.
والحال نفسه، ينسحب على نظام الملالي، ومن خلفه “حزب الله”. ولا يبدو أن أي طرف منهما فهم الرسالة المتوخاة مما حصل مع “قسد”، بل وحتى مما سبقها. خطاب الشيخ نعيم قاسم ما قبل الأخير، وإن كان المراد منه توجيه رسائل ضغط شيعية متعددة الأطراف لإزاحة المرشد علي خامنئي عن لائحة الأولويات، إلا أنه في الأصل ينسجم مع الأهداف التي تأسس من أجلها حزبه، ليكون قاعدة دفاع متقدمة عن النظام الأم، وهنا بيت القصيد.
يدرك “الحزب” أن قواعد اللعب تغيّرت، لكنه يظهر عجزًا واضحًا في التكيف معها، بسبب سيطرة الإشباع الأيديولوجي على منطلقات التفكير وآليات اتخاذ القرار، حيث تصبح الخسائر والموت والضربات اليومية بمثابة أعراض جانبية لا بد منها. وكل الفرص التي منحت له بعد الفجيعة التي ألمت به للاندماج ضمن المسار السياسي المتشكل أضاعها لإصراره على قواعد لعب صارت منتهية الصلاحية السياسية.
في المقابل، فهم حليفه الرئيس نبيه بري أن اللعبة انتهت. لذا يحاول صوغ تفاهمات مع الأطراف الخارجية المؤثرة في لبنان لحماية الشيعة، وتحصين موقعهم في المعادلة الداخلية. غير أن التأثير الكارثي للإشباع الأيديولوجي أفضى إلى نشوء فجوة بينه وبين “الحزب” تتوسع يومًا بعد آخر، وتعقد مهمته في بناء مسار آمن يعبره الأخير ورهطه نحو “كنف الدولة”، محفوفًا بتعهدات بتسليم الصواريخ الباليستية والنوعية والمسيرات. وهذا ما يدفع الرئيس بري إلى اتباع نهج غير مألوف يتسم بالازدواجية، حيث يدعم في الاجتماعات المغلقة اتخاذ الدولة قرارات تبدو صعبة وحساسة، لكنه يحاول في العلن تقديمها بجرعات متدرجة، حرصًا على عدم انفجار العلاقة المتوترة بين “اللدودين”.
وإذا كانت هذه حال أكثر من خبر تعقيدات “الحزب”، فمن الطبيعي أن تنفجر علاقة الأخير برئيس الجمهورية بسبب الإشباع الأيديولوجي ذاته، بعدما سعى طوال سنة ونيّف من عهده إلى احتوائه وإلزامه بمسار الدولة دونما تسجيل خرق فعلي يتجاوز مراوغات “الحزب” الكلاسيكية في التصويت على الشيء وفعل نقيضه، من القرار الدولي “1701”، مرورًا بمقررات “الحوار الوطني” 2006، و “إعلان بعبدا”، وصولًا إلى “اتفاق وقف إطلاق النار” وبنوده التفصيلية، والتي كانت من الأسس التي بني عليها “خطاب القسم” و “البيان الوزاري” وكل محاولات هندسة تفاهمات تقي من الكوارث.
وعليه، تمسي “نافلة” كل المحاولات التي تبذل في الوقت الراهن للالتفاف على قرار دولي كبير بتحطيم “حزب الله” كمنظومة عسكرية إقليمية، وتركه أمام خيار التحول إلى حالة سياسية محلية أو الفناء والذوبان.
ورغم أن دمشق تتمسك بسياسة عدم التدخل أو التورط في الشأن اللبناني، إلا أن “الحزب” ما برح يقدم الذرائع التي تتيح لها ذلك، كإصراره على احتضان الفلول كورقة لتهديد استقرار سوريا، والشراكة في تمويل عمليات إرهابية وتخريبية على أراضيها، وعرقلة الإفراج عن الموقوفين، ومحاولاته المستمرة لتعويض خسائر ترسانته الحربية عبر شبكات التهريب التي ما تزال فاعلة في الاتجاهين.
ربما يراهن على أن تصدير الأسلحة عبر القنوات ذاتها، تعود في الأصل إلى جيش نظام الأسد، كان حصل عليها “حزب الله” إبان وجوده الاحتلالي في سوريا، وستجعله في مأمن بسبب النقص في تسليح الجيش السوري. بيد أن الإشباع الأيديولوجي يجعله يخطئ في قراءة أهمية ومآلات العلاقة بين ترامب والشرع، والتي تبدّت بجلاء في مسألة “قسد” بعدما كان الاعتقاد أنها أكثر تعقيدًا بأضعاف من الحالة العارية التي صار يجسدها.
عبث استراتيجي… “الحزب” يلعب بالنار السورية ويستدرج دمشق

تشكل النوازل التي حلت بـ “قسد” أنموذجًا واضحًا على مدى عجز التنظيمات المشبعة أيديولوجيًا عن التكيّف مع المتغيرات. فمع أنها كانت على بينة من ارفضاض الدعم الأميركي، وانحسار نظيره الأوروبي، بل وتحولهما إلى ضغط مضاد لتطبيق الاتفاق الذي أبرمته مع دمشق، مشفوعًا بتهديدات جدية بمنح الأخيرة الضوء الأخضر لإجبارها على تنفيذ الاندماج، إلا أن “قسد” أظهرت قدرًا من التعنت يعبر عن عقم وانفصال عن الوقائع والمعادلات الناشئة. فدفعت أثمانًا باهظة، ولا تزال معرضة لتكبد المزيد من الخسائر إذا ما استمرت في نهجها العقيم.
والحال نفسه، ينسحب على نظام الملالي، ومن خلفه “حزب الله”. ولا يبدو أن أي طرف منهما فهم الرسالة المتوخاة مما حصل مع “قسد”، بل وحتى مما سبقها. خطاب الشيخ نعيم قاسم ما قبل الأخير، وإن كان المراد منه توجيه رسائل ضغط شيعية متعددة الأطراف لإزاحة المرشد علي خامنئي عن لائحة الأولويات، إلا أنه في الأصل ينسجم مع الأهداف التي تأسس من أجلها حزبه، ليكون قاعدة دفاع متقدمة عن النظام الأم، وهنا بيت القصيد.
يدرك “الحزب” أن قواعد اللعب تغيّرت، لكنه يظهر عجزًا واضحًا في التكيف معها، بسبب سيطرة الإشباع الأيديولوجي على منطلقات التفكير وآليات اتخاذ القرار، حيث تصبح الخسائر والموت والضربات اليومية بمثابة أعراض جانبية لا بد منها. وكل الفرص التي منحت له بعد الفجيعة التي ألمت به للاندماج ضمن المسار السياسي المتشكل أضاعها لإصراره على قواعد لعب صارت منتهية الصلاحية السياسية.
في المقابل، فهم حليفه الرئيس نبيه بري أن اللعبة انتهت. لذا يحاول صوغ تفاهمات مع الأطراف الخارجية المؤثرة في لبنان لحماية الشيعة، وتحصين موقعهم في المعادلة الداخلية. غير أن التأثير الكارثي للإشباع الأيديولوجي أفضى إلى نشوء فجوة بينه وبين “الحزب” تتوسع يومًا بعد آخر، وتعقد مهمته في بناء مسار آمن يعبره الأخير ورهطه نحو “كنف الدولة”، محفوفًا بتعهدات بتسليم الصواريخ الباليستية والنوعية والمسيرات. وهذا ما يدفع الرئيس بري إلى اتباع نهج غير مألوف يتسم بالازدواجية، حيث يدعم في الاجتماعات المغلقة اتخاذ الدولة قرارات تبدو صعبة وحساسة، لكنه يحاول في العلن تقديمها بجرعات متدرجة، حرصًا على عدم انفجار العلاقة المتوترة بين “اللدودين”.
وإذا كانت هذه حال أكثر من خبر تعقيدات “الحزب”، فمن الطبيعي أن تنفجر علاقة الأخير برئيس الجمهورية بسبب الإشباع الأيديولوجي ذاته، بعدما سعى طوال سنة ونيّف من عهده إلى احتوائه وإلزامه بمسار الدولة دونما تسجيل خرق فعلي يتجاوز مراوغات “الحزب” الكلاسيكية في التصويت على الشيء وفعل نقيضه، من القرار الدولي “1701”، مرورًا بمقررات “الحوار الوطني” 2006، و “إعلان بعبدا”، وصولًا إلى “اتفاق وقف إطلاق النار” وبنوده التفصيلية، والتي كانت من الأسس التي بني عليها “خطاب القسم” و “البيان الوزاري” وكل محاولات هندسة تفاهمات تقي من الكوارث.
وعليه، تمسي “نافلة” كل المحاولات التي تبذل في الوقت الراهن للالتفاف على قرار دولي كبير بتحطيم “حزب الله” كمنظومة عسكرية إقليمية، وتركه أمام خيار التحول إلى حالة سياسية محلية أو الفناء والذوبان.
ورغم أن دمشق تتمسك بسياسة عدم التدخل أو التورط في الشأن اللبناني، إلا أن “الحزب” ما برح يقدم الذرائع التي تتيح لها ذلك، كإصراره على احتضان الفلول كورقة لتهديد استقرار سوريا، والشراكة في تمويل عمليات إرهابية وتخريبية على أراضيها، وعرقلة الإفراج عن الموقوفين، ومحاولاته المستمرة لتعويض خسائر ترسانته الحربية عبر شبكات التهريب التي ما تزال فاعلة في الاتجاهين.
ربما يراهن على أن تصدير الأسلحة عبر القنوات ذاتها، تعود في الأصل إلى جيش نظام الأسد، كان حصل عليها “حزب الله” إبان وجوده الاحتلالي في سوريا، وستجعله في مأمن بسبب النقص في تسليح الجيش السوري. بيد أن الإشباع الأيديولوجي يجعله يخطئ في قراءة أهمية ومآلات العلاقة بين ترامب والشرع، والتي تبدّت بجلاء في مسألة “قسد” بعدما كان الاعتقاد أنها أكثر تعقيدًا بأضعاف من الحالة العارية التي صار يجسدها.










