حرب الليطاني مَخرجٌ لـ”الحزب” وللجميع!

يتصرّف “الحزب” وكأنّ لبنان أقوى من إسرائيل والولايات المتحدة، وكأنّه هو الذي يفرض شروطه، فيما الواقع هو أنّ حرب المساندة الغبيّة التي دخلها “الحزب” جرّت لبنان من موقع “الأضعف من إسرائيل” إلى موقع “المسحوق أمامها”. ولو كان لـ”الحزب” الحد الأدنى من القدرة على الرد، لما وقّع اتفاق تشرين ولما تحمّل الضربات والتصفيات اليومية بهذا الصمت الكامل.
فيما يستعدّ العماد رودولف هيكل للعودة من محادثات تاريخيّة مطوّلة ومعمّقة في واشنطن، لا يبدو في متناول الدولة أي مخرج من مأزق رفض “حزب الله” للتعاون في مسألة تسليم السلاح. وعلى العكس، بدأ “الحزب” يستعدّ لمستوى أعلى من رفض التعاون. فهو يهدّد الدولة بأنّه مستعدّ لمواجهتها بالنار، إذا مسّت قطعة من سلاحه المخزن في منصّاته ومستودعاته في شمال الليطاني، من الجنوب إلى الضاحية فالبقاع.
في عبارة أكثر وضوحًا، وفي شكلٍ علنيٍّ، يقول “الحزب”: مستحيل أن نسلّم الدولة قطعة سلاح واحدة. وأمّا إذا أرادت إسرائيل شنّ حرب علينا، فنحن مستعدون لها. سنواجهها ولن نستسلم. وليست لهذا الكلام سوى ترجمة واحدة: نفضل دخول الحرب مع إسرائيل على “الاستسلام” لمنطق الدولة.
ماذا تستطيع الدولة أن تفعل هنا، سوى أن تبذل كلّ جهد لمحاورة “الحزب”، حرصًا عليه وعلى البلد، وإقناعه بالرّضوخ لمنطق الدولة والقرار 1701 واتفاق الطائف وقرار تشرين الثاني 2024 الذي وقّعه بنفسه؟
وماذا تفعل الدولة إذا جاء رد “الحزب” برفض كل الوساطات، والرد بالهجوم عليها والاستعداد لتخوينها؟ فالنائب إبراهيم الموسوي بدأ حملةً تُقارب التخوين على الدولة ورئيس الوفد اللبناني المفاوض في “الميكانيزم”، السفير سيمون كرم، منتقدًا بقسوةٍ قرار تعيين مدني في اللجنة. وبالتأكيد، هذه الحملة تمهيد لهجوم أوسع سيستهدف كرم والحكومة والعهد والجيش، عندما تبدأ الميكانيزم اجتماعاتها بعد أيام، وتتّخذ قراراتٍ حازمةً تتعلّق بتنفيذ خطة نزع السلاح في شمال الليطاني.
يقول الحزب للدولة: عليكم أن تجبروا إسرائيل على أن تنسحب من النقاط التي تحتفظ بها وتوقف عملياتها وتسمح ببناء القرى في الخط الأمامي وعودة الأهالي إليها والأسرى إلى ديارهم، وبعد ذلك، نحن نتحاور كلبنانيين على مدى شهور أو سنوات حول الاستراتيجية الدفاعية، وفي ضوء ذلك نقرر مصير السلاح.
ولكن، “حزب الله” يتصرّف وفق هذا المنطق، وكأنّ لبنان أقوى من إسرائيل والولايات المتحدة، وكأنّه هو الذي يفرض شروطه، فيما الواقع هو أنّ حرب المساندة الغبيّة التي دخلها “الحزب” جرّت لبنان من موقع “الأضعف من إسرائيل” إلى موقع “المسحوق أمامها”. ولو كان لـ”حزب الله” الحد الأدنى من القدرة على الرد، لما وقع اتفاق تشرين، ولما تحمّل الضربات والتصفيات اليومية بهذا الصمت الكامل.
لا شيء يُجبر إسرائيل على الاستجابة لطلب لبنان الرسمي، بل هي تستخدم الصواريخ لفرض نزع السلاح حيث تريد، وواشنطن تدعمها بالضغط الدبلوماسي والحصار المالي والاقتصادي. ومن سخريات الواقع اللبناني أنّ “الحزب” كلما تعرض لاحتقان من جانب الإسرائيليين والأميركيين، لا يرد عليهم، بل يقوم بتنفيس احتقانه ضد أهل البلد، فيلوّح بالفتنة. وهذا الأمر بات مُثيرًا للقلق حتّى لشريكه في الثنائية الشيعية، الرئيس نبيه بري.
هنا، يبرز السؤال “الواقعي”: هل سيدفع “حزب الله” بسلوكه إلى نقطة يفرض فيها على الجميع حربًا يشنّها نتنياهو على لبنان؟ وهل ستفرض هذه الحرب نهاية تدميرية للسلاح، بدلًا من النهاية السلمية الناعمة التي يسعى إليها أركان الحكم؟
الدولة اللبنانية تُدرك أنّ الاصطدام الأهلي مع “حزب الله” هو انتحار لا داعي لارتكابه، ما دام الحلّ مطلوبًا من الخارج في أي حال. لكنّ “الحزب” نفسه سيستدعي إسرائيل إلى ضرب مخازن سلاحه في شمال الليطاني وتدميرها، مع ما يرافق ذلك من تصفيات لكوادر ومقاتلين ومدنيين. وطبعًا، هذا الأمر لا تريده الدولة وستبذل كل جهد لتجنّبه. ولكنّها في الواقع، ستقف عاجزةً أمام استحالتَيْن: لا هي قادرة على نزع السلاح، ولا هي قادرة على وقف ضربات إسرائيل لهذا السلاح. وتُفضّل الدولة أن يوضع هذا السلاح في أيدي الجيش بدلًا من أن تدمّره إسرائيل، ولكن هذا الأمر ليس في يدها.
الحرب لن تشكل إزعاجًا لنتنياهو. وبحسب ما أوردت صحيفة “معاريف” قبل يومَيْن، يمكن أن يستفيد من أي حرب يخوضها حاليًّا لتأجيل الانتخابات العامة التي اقترب موعدها، وهو يُعتبر أنّها تعوق خططه في هذه المرحلة. وإذا كانت الحرب مع إيران قيد التريّث لأسباب إقليمية ودولية مختلفة، فإنّ الحرب في لبنان سهلة ومضمونة النتائج تقنيًّا، ويمكن أن تحقق لنتنياهو نصراً سريعًا، مستفيدًا من الرغبة الأميركية الواضحة في رؤية “حزب الله” بلا أنياب.
فبالنسبة إلى واشنطن، نزع السلاح مطلوب أولًا، لكنّها لا تريد إحراج الحكم في بيروت بالضغط إلى حدّ التهديد بالحرب الأهلية. لذا، فإنّ الموافقة الأميركية الضمنيّة على ضربات إسرائيلية “جراحية” ومركّزة هي المخرج الأنسب، لأنها تُنهي تهديد “الحزب” في شمال الليطاني كما فعلت في جنوبه، من دون إثارة فوضى شاملة. وبعد ذلك، يأتي دور “الميكانيزم” في إدارة المرحلة.
في هذا الخضمّ، ما الذي يجول في عقل طهران و”حزب الله”؟
طهران، ربّما تماطل في مفاوضاتها وتؤخّر إبرام الصفقة مع واشنطن، لعلها تحسن من الشروط القاسية المفروضة عليها. واستتباعًا، “حزب الله” يضع نفسه في حال انتظار، لكنه انتظار انتحاري. ويعتقد الكثيرون أنّ “الحزب” يفضّل المخاطرة بالهزيمة أمام إسرائيل على التسليم للدولة. ففي أدبيّاته، سيقول إنّ الدمار الإسرائيلي هو “مظلوميّة جديدة” يمكن أن تُستثمر لاحقًا، فيما التسليم للجيش هو خيانة سياسية وإيديولوجية وعسكرية لا يمكن تعويضها.
في هذا المعنى، الحرب المحتمل اندلاعها في لبنان لن تكون تعبيرًا عن فشل الدبلوماسية، كما هي ذاتها أداة تغيير دبلوماسية. ويستخدم سياسي مخضرم مثالًا ساخرًا لوصف الوضع الحالي، فيقول: “لقد أصبحت حال لبنان كالأسير الذي ينتظر أن يُقصف السجن ليحصل على فرصة التحرّر، حتى لو جُرح في الانفجار، أو حتّى قتل… لأنه لم يعد قادرًا على تحمّل هذا النوع من الحياة!”.
حرب الليطاني مَخرجٌ لـ”الحزب” وللجميع!

يتصرّف “الحزب” وكأنّ لبنان أقوى من إسرائيل والولايات المتحدة، وكأنّه هو الذي يفرض شروطه، فيما الواقع هو أنّ حرب المساندة الغبيّة التي دخلها “الحزب” جرّت لبنان من موقع “الأضعف من إسرائيل” إلى موقع “المسحوق أمامها”. ولو كان لـ”الحزب” الحد الأدنى من القدرة على الرد، لما وقّع اتفاق تشرين ولما تحمّل الضربات والتصفيات اليومية بهذا الصمت الكامل.
فيما يستعدّ العماد رودولف هيكل للعودة من محادثات تاريخيّة مطوّلة ومعمّقة في واشنطن، لا يبدو في متناول الدولة أي مخرج من مأزق رفض “حزب الله” للتعاون في مسألة تسليم السلاح. وعلى العكس، بدأ “الحزب” يستعدّ لمستوى أعلى من رفض التعاون. فهو يهدّد الدولة بأنّه مستعدّ لمواجهتها بالنار، إذا مسّت قطعة من سلاحه المخزن في منصّاته ومستودعاته في شمال الليطاني، من الجنوب إلى الضاحية فالبقاع.
في عبارة أكثر وضوحًا، وفي شكلٍ علنيٍّ، يقول “الحزب”: مستحيل أن نسلّم الدولة قطعة سلاح واحدة. وأمّا إذا أرادت إسرائيل شنّ حرب علينا، فنحن مستعدون لها. سنواجهها ولن نستسلم. وليست لهذا الكلام سوى ترجمة واحدة: نفضل دخول الحرب مع إسرائيل على “الاستسلام” لمنطق الدولة.
ماذا تستطيع الدولة أن تفعل هنا، سوى أن تبذل كلّ جهد لمحاورة “الحزب”، حرصًا عليه وعلى البلد، وإقناعه بالرّضوخ لمنطق الدولة والقرار 1701 واتفاق الطائف وقرار تشرين الثاني 2024 الذي وقّعه بنفسه؟
وماذا تفعل الدولة إذا جاء رد “الحزب” برفض كل الوساطات، والرد بالهجوم عليها والاستعداد لتخوينها؟ فالنائب إبراهيم الموسوي بدأ حملةً تُقارب التخوين على الدولة ورئيس الوفد اللبناني المفاوض في “الميكانيزم”، السفير سيمون كرم، منتقدًا بقسوةٍ قرار تعيين مدني في اللجنة. وبالتأكيد، هذه الحملة تمهيد لهجوم أوسع سيستهدف كرم والحكومة والعهد والجيش، عندما تبدأ الميكانيزم اجتماعاتها بعد أيام، وتتّخذ قراراتٍ حازمةً تتعلّق بتنفيذ خطة نزع السلاح في شمال الليطاني.
يقول الحزب للدولة: عليكم أن تجبروا إسرائيل على أن تنسحب من النقاط التي تحتفظ بها وتوقف عملياتها وتسمح ببناء القرى في الخط الأمامي وعودة الأهالي إليها والأسرى إلى ديارهم، وبعد ذلك، نحن نتحاور كلبنانيين على مدى شهور أو سنوات حول الاستراتيجية الدفاعية، وفي ضوء ذلك نقرر مصير السلاح.
ولكن، “حزب الله” يتصرّف وفق هذا المنطق، وكأنّ لبنان أقوى من إسرائيل والولايات المتحدة، وكأنّه هو الذي يفرض شروطه، فيما الواقع هو أنّ حرب المساندة الغبيّة التي دخلها “الحزب” جرّت لبنان من موقع “الأضعف من إسرائيل” إلى موقع “المسحوق أمامها”. ولو كان لـ”حزب الله” الحد الأدنى من القدرة على الرد، لما وقع اتفاق تشرين، ولما تحمّل الضربات والتصفيات اليومية بهذا الصمت الكامل.
لا شيء يُجبر إسرائيل على الاستجابة لطلب لبنان الرسمي، بل هي تستخدم الصواريخ لفرض نزع السلاح حيث تريد، وواشنطن تدعمها بالضغط الدبلوماسي والحصار المالي والاقتصادي. ومن سخريات الواقع اللبناني أنّ “الحزب” كلما تعرض لاحتقان من جانب الإسرائيليين والأميركيين، لا يرد عليهم، بل يقوم بتنفيس احتقانه ضد أهل البلد، فيلوّح بالفتنة. وهذا الأمر بات مُثيرًا للقلق حتّى لشريكه في الثنائية الشيعية، الرئيس نبيه بري.
هنا، يبرز السؤال “الواقعي”: هل سيدفع “حزب الله” بسلوكه إلى نقطة يفرض فيها على الجميع حربًا يشنّها نتنياهو على لبنان؟ وهل ستفرض هذه الحرب نهاية تدميرية للسلاح، بدلًا من النهاية السلمية الناعمة التي يسعى إليها أركان الحكم؟
الدولة اللبنانية تُدرك أنّ الاصطدام الأهلي مع “حزب الله” هو انتحار لا داعي لارتكابه، ما دام الحلّ مطلوبًا من الخارج في أي حال. لكنّ “الحزب” نفسه سيستدعي إسرائيل إلى ضرب مخازن سلاحه في شمال الليطاني وتدميرها، مع ما يرافق ذلك من تصفيات لكوادر ومقاتلين ومدنيين. وطبعًا، هذا الأمر لا تريده الدولة وستبذل كل جهد لتجنّبه. ولكنّها في الواقع، ستقف عاجزةً أمام استحالتَيْن: لا هي قادرة على نزع السلاح، ولا هي قادرة على وقف ضربات إسرائيل لهذا السلاح. وتُفضّل الدولة أن يوضع هذا السلاح في أيدي الجيش بدلًا من أن تدمّره إسرائيل، ولكن هذا الأمر ليس في يدها.
الحرب لن تشكل إزعاجًا لنتنياهو. وبحسب ما أوردت صحيفة “معاريف” قبل يومَيْن، يمكن أن يستفيد من أي حرب يخوضها حاليًّا لتأجيل الانتخابات العامة التي اقترب موعدها، وهو يُعتبر أنّها تعوق خططه في هذه المرحلة. وإذا كانت الحرب مع إيران قيد التريّث لأسباب إقليمية ودولية مختلفة، فإنّ الحرب في لبنان سهلة ومضمونة النتائج تقنيًّا، ويمكن أن تحقق لنتنياهو نصراً سريعًا، مستفيدًا من الرغبة الأميركية الواضحة في رؤية “حزب الله” بلا أنياب.
فبالنسبة إلى واشنطن، نزع السلاح مطلوب أولًا، لكنّها لا تريد إحراج الحكم في بيروت بالضغط إلى حدّ التهديد بالحرب الأهلية. لذا، فإنّ الموافقة الأميركية الضمنيّة على ضربات إسرائيلية “جراحية” ومركّزة هي المخرج الأنسب، لأنها تُنهي تهديد “الحزب” في شمال الليطاني كما فعلت في جنوبه، من دون إثارة فوضى شاملة. وبعد ذلك، يأتي دور “الميكانيزم” في إدارة المرحلة.
في هذا الخضمّ، ما الذي يجول في عقل طهران و”حزب الله”؟
طهران، ربّما تماطل في مفاوضاتها وتؤخّر إبرام الصفقة مع واشنطن، لعلها تحسن من الشروط القاسية المفروضة عليها. واستتباعًا، “حزب الله” يضع نفسه في حال انتظار، لكنه انتظار انتحاري. ويعتقد الكثيرون أنّ “الحزب” يفضّل المخاطرة بالهزيمة أمام إسرائيل على التسليم للدولة. ففي أدبيّاته، سيقول إنّ الدمار الإسرائيلي هو “مظلوميّة جديدة” يمكن أن تُستثمر لاحقًا، فيما التسليم للجيش هو خيانة سياسية وإيديولوجية وعسكرية لا يمكن تعويضها.
في هذا المعنى، الحرب المحتمل اندلاعها في لبنان لن تكون تعبيرًا عن فشل الدبلوماسية، كما هي ذاتها أداة تغيير دبلوماسية. ويستخدم سياسي مخضرم مثالًا ساخرًا لوصف الوضع الحالي، فيقول: “لقد أصبحت حال لبنان كالأسير الذي ينتظر أن يُقصف السجن ليحصل على فرصة التحرّر، حتى لو جُرح في الانفجار، أو حتّى قتل… لأنه لم يعد قادرًا على تحمّل هذا النوع من الحياة!”.











