سلاح “الحزب” بين النفوذ الإقليمي والدولة اللبنانية

م يعد النقاش حول سلاح “حزب الله” شمال نهر الليطاني نقاشًا تقنيًا أو أمنيًا، ولا خلافًا سياسيًا عابرًا بين الدولة والحزب، بل تحوّل إلى عنوان سيادي مركزي يختصر مأزق الدولة اللبنانية بالكامل. فحين يَثبت أن حزبًا لبنانيًا لا يتعاون مع جيش بلاده حتى في جنوب الليطاني، وفق ما أكده السفير اللبناني سيمون كرم، يصبح من المشروع طرح السؤال الأخطر: من يملك قرار السلاح في لبنان؟ الدولة أم الإقليم؟
هذا السؤال يزداد إلحاحًا اليوم مع تزامن ثلاثة تطورات مفصلية: رفض “حزب الله” التعاون مع الجيش حتى جنوب الليطاني، إعلان إيران قبولها الدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة، وزيارة قائد الجيش اللبناني إلى واشنطن، في توقيت لا يمكن اعتباره صدفة.
منذ وقف الحرب الأخيرة، نفذ الجيش اللبناني انتشارًا واسعًا جنوب نهر الليطاني، مدعومًا بغطاء دولي واضح. غير أن هذا التنفيذ، كما كشف السفير سيمون كرم، لم يكن نتيجة تعاون فعلي من “حزب الله”. لم يقدّم “الحزب” خرائط، ولا معلومات، ولا تنسيقًا عملياتيًا. ما جرى كان تنفيذًا من طرف واحد، لا شراكة أمنية.
هذه الحقيقة تسقط فرضية أن “الحزب” مستعد للتعاون حيث توجد مظلة دولية واضحة، وتطرح سؤالًا بديهيًا: إذا كان التعاون غائبًا جنوب الليطاني، فكيف يمكن توقعه شماله؟
قائد الجيش في واشنطن: الرسالة قبل الزيارة
في هذا السياق، تكتسب زيارة قائد الجيش اللبناني إلى الولايات المتحدة أهمية استثنائية. فالزيارة لا تأتي في إطار الدعم الروتيني للمؤسسة العسكرية، بل في لحظة سياسية دقيقة يُعاد فيها طرح ملف حصر السلاح بيد الدولة كأولوية دولية.
المحور الأساسي للنقاش في واشنطن، وفق المعطيات المتداولة، لا ينفصل عن: مستقبل انتشار الجيش، قدرته على بسط سلطته شمال الليطاني، ودوره في أي تسوية محتملة على سلاح “حزب الله”.
الرسالة الأميركية واضحة: الجيش هو الجهة الشرعية الوحيدة المخوّلة حمل السلاح. والدعم الدولي للمؤسسة العسكرية مشروط، سياسيًا على الأقل، بمدى قدرتها على لعب هذا الدور، ولو تدريجيًا.
لكن السؤال الأخطر يبقى: هل يُطلب من الجيش تنفيذ ما تعجز الدولة عن فرضه سياسيًا؟ وهل تتحول المؤسسة العسكرية إلى واجهة ضغط في ملف لم يُحسم قراره أصلًا؟
شمال الليطاني، لا وجود لأي مبرر عسكري لبقاء السلاح. لا حدود، لا تهديد مباشر، ولا وظيفة ردعية. السلاح هناك لا يحمي لبنان، بل يكرّس ميزان قوى داخليًا خارج منطق الدولة، ويضع الجيش في موقع حرج بين الشرعية والدور المفروض عليه دوليًا.
من هنا، يصبح الإصرار على الاحتفاظ بالسلاح شمال الليطاني قرارًا سياسيًا بامتياز، لا علاقة له بالمقاومة بقدر ما يرتبط بالنفوذ وبالتموضع الإقليمي.
تعمّق تصريحات الشيخ نعيم قاسم، التي شدد فيها على أن حزب الله “أدّى دوره” وأنه غير معني بتسليم سلاحه، هذا المأزق. فإذا كان الدور قد انتهى، فلماذا بقي السلاح؟ وإذا لم يعد هناك تهديد مباشر، فلمن تُحفظ هذه القوة؟ وإذا لم تكن للدفاع عن لبنان، فما هي وظيفتها الفعلية؟
الإجابة غير المعلنة واضحة: الدور لم ينتهِ إقليميًا، بل أُعيد تعريفه.
وهنا يدخل العامل الإيراني كعنصر حاسم. ويعيد إعلان طهران استعدادها للدخول في مفاوضات مع واشنطن ترتيب الأوراق في المنطقة. وأثبتت التجربة أن أذرع إيران لا تتحرك خارج سقف القرار المركزي، وأن ساحات النفوذ تُستخدم كورقة تفاوض.
بالتالي، يصبح السؤال مشروعًا: هل ينتظر “حزب الله” نتائج المفاوضات الأميركية – الإيرانية ليقرر مصير سلاحه في لبنان؟
حتى اللحظة، لا مؤشرات على استعداد “الحزب” لخوض تفاوض داخلي مستقل حول سلاحه. وسيكون أي تفاوض محتمل غير مباشر، مرتبطًا بمسار إقليمي، ومشروطًا بضمانات تتجاوز الدولة اللبنانية.
وهنا تكمن الخطورة الكبرى: أن يتحوّل لبنان، ومعه الجيش، إلى تفصيل على طاولة تفاوض لا يملك مفاتيحها.
ثلاثة مسارات… ولبنان في الوسط
أمام هذا المشهد، لا خيارات كثيرة: إما تسوية لبنانية داخلية تعيد القرار إلى الدولة وتحمي الجيش من دور لا يحتمله، وإما الانتظار الإيراني، مع ما يعنيه من شلل سياسي وتعليق السيادة، وإما فرض الحل بالقوة، وهو السيناريو الأخطر على لبنان ومؤسساته.
في الخلاصة، لم يعد سلاح “حزب الله” شمال الليطاني ورقة قوة، بل عبئًا سياديًا، وسببًا مباشرًا لوضع الجيش في مواجهة مع واقع سياسي يتجاوز قدرته.
السؤال الحقيقي لم يعد هل سيسلَّم السلاح؟ بل هل يُسمح للبنان بأن يقرّر؟ أم يُترك الجيش ليملأ فراغ القرار السياسي؟
سلاح “الحزب” بين النفوذ الإقليمي والدولة اللبنانية

م يعد النقاش حول سلاح “حزب الله” شمال نهر الليطاني نقاشًا تقنيًا أو أمنيًا، ولا خلافًا سياسيًا عابرًا بين الدولة والحزب، بل تحوّل إلى عنوان سيادي مركزي يختصر مأزق الدولة اللبنانية بالكامل. فحين يَثبت أن حزبًا لبنانيًا لا يتعاون مع جيش بلاده حتى في جنوب الليطاني، وفق ما أكده السفير اللبناني سيمون كرم، يصبح من المشروع طرح السؤال الأخطر: من يملك قرار السلاح في لبنان؟ الدولة أم الإقليم؟
هذا السؤال يزداد إلحاحًا اليوم مع تزامن ثلاثة تطورات مفصلية: رفض “حزب الله” التعاون مع الجيش حتى جنوب الليطاني، إعلان إيران قبولها الدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة، وزيارة قائد الجيش اللبناني إلى واشنطن، في توقيت لا يمكن اعتباره صدفة.
منذ وقف الحرب الأخيرة، نفذ الجيش اللبناني انتشارًا واسعًا جنوب نهر الليطاني، مدعومًا بغطاء دولي واضح. غير أن هذا التنفيذ، كما كشف السفير سيمون كرم، لم يكن نتيجة تعاون فعلي من “حزب الله”. لم يقدّم “الحزب” خرائط، ولا معلومات، ولا تنسيقًا عملياتيًا. ما جرى كان تنفيذًا من طرف واحد، لا شراكة أمنية.
هذه الحقيقة تسقط فرضية أن “الحزب” مستعد للتعاون حيث توجد مظلة دولية واضحة، وتطرح سؤالًا بديهيًا: إذا كان التعاون غائبًا جنوب الليطاني، فكيف يمكن توقعه شماله؟
قائد الجيش في واشنطن: الرسالة قبل الزيارة
في هذا السياق، تكتسب زيارة قائد الجيش اللبناني إلى الولايات المتحدة أهمية استثنائية. فالزيارة لا تأتي في إطار الدعم الروتيني للمؤسسة العسكرية، بل في لحظة سياسية دقيقة يُعاد فيها طرح ملف حصر السلاح بيد الدولة كأولوية دولية.
المحور الأساسي للنقاش في واشنطن، وفق المعطيات المتداولة، لا ينفصل عن: مستقبل انتشار الجيش، قدرته على بسط سلطته شمال الليطاني، ودوره في أي تسوية محتملة على سلاح “حزب الله”.
الرسالة الأميركية واضحة: الجيش هو الجهة الشرعية الوحيدة المخوّلة حمل السلاح. والدعم الدولي للمؤسسة العسكرية مشروط، سياسيًا على الأقل، بمدى قدرتها على لعب هذا الدور، ولو تدريجيًا.
لكن السؤال الأخطر يبقى: هل يُطلب من الجيش تنفيذ ما تعجز الدولة عن فرضه سياسيًا؟ وهل تتحول المؤسسة العسكرية إلى واجهة ضغط في ملف لم يُحسم قراره أصلًا؟
شمال الليطاني، لا وجود لأي مبرر عسكري لبقاء السلاح. لا حدود، لا تهديد مباشر، ولا وظيفة ردعية. السلاح هناك لا يحمي لبنان، بل يكرّس ميزان قوى داخليًا خارج منطق الدولة، ويضع الجيش في موقع حرج بين الشرعية والدور المفروض عليه دوليًا.
من هنا، يصبح الإصرار على الاحتفاظ بالسلاح شمال الليطاني قرارًا سياسيًا بامتياز، لا علاقة له بالمقاومة بقدر ما يرتبط بالنفوذ وبالتموضع الإقليمي.
تعمّق تصريحات الشيخ نعيم قاسم، التي شدد فيها على أن حزب الله “أدّى دوره” وأنه غير معني بتسليم سلاحه، هذا المأزق. فإذا كان الدور قد انتهى، فلماذا بقي السلاح؟ وإذا لم يعد هناك تهديد مباشر، فلمن تُحفظ هذه القوة؟ وإذا لم تكن للدفاع عن لبنان، فما هي وظيفتها الفعلية؟
الإجابة غير المعلنة واضحة: الدور لم ينتهِ إقليميًا، بل أُعيد تعريفه.
وهنا يدخل العامل الإيراني كعنصر حاسم. ويعيد إعلان طهران استعدادها للدخول في مفاوضات مع واشنطن ترتيب الأوراق في المنطقة. وأثبتت التجربة أن أذرع إيران لا تتحرك خارج سقف القرار المركزي، وأن ساحات النفوذ تُستخدم كورقة تفاوض.
بالتالي، يصبح السؤال مشروعًا: هل ينتظر “حزب الله” نتائج المفاوضات الأميركية – الإيرانية ليقرر مصير سلاحه في لبنان؟
حتى اللحظة، لا مؤشرات على استعداد “الحزب” لخوض تفاوض داخلي مستقل حول سلاحه. وسيكون أي تفاوض محتمل غير مباشر، مرتبطًا بمسار إقليمي، ومشروطًا بضمانات تتجاوز الدولة اللبنانية.
وهنا تكمن الخطورة الكبرى: أن يتحوّل لبنان، ومعه الجيش، إلى تفصيل على طاولة تفاوض لا يملك مفاتيحها.
ثلاثة مسارات… ولبنان في الوسط
أمام هذا المشهد، لا خيارات كثيرة: إما تسوية لبنانية داخلية تعيد القرار إلى الدولة وتحمي الجيش من دور لا يحتمله، وإما الانتظار الإيراني، مع ما يعنيه من شلل سياسي وتعليق السيادة، وإما فرض الحل بالقوة، وهو السيناريو الأخطر على لبنان ومؤسساته.
في الخلاصة، لم يعد سلاح “حزب الله” شمال الليطاني ورقة قوة، بل عبئًا سياديًا، وسببًا مباشرًا لوضع الجيش في مواجهة مع واقع سياسي يتجاوز قدرته.
السؤال الحقيقي لم يعد هل سيسلَّم السلاح؟ بل هل يُسمح للبنان بأن يقرّر؟ أم يُترك الجيش ليملأ فراغ القرار السياسي؟













