نوح زعيتر أمام القضاء: ملفات سقطت… وأخرى قد تقود إلى الإعدام

أعادت الأحكام الصادرة عن المحكمة العسكرية في قضية أكبر تاجر مخدرات في لبنان نوح زعيتر ملف المخدرات إلى واجهة المشهد الداخلي، لكن بصورة صادمة للرأي العام بعد تبرئته من 40 ملفاً، مما أثار موجة غضب وتساؤلات حول العدالة وهيبة الدولة. غير أن مصادر قضائية تؤكد أن الاحكام لا تشكّل سوى بداية المسار، إذ لا تزال عشرات الملفات الجنائية “الثقيلة” عالقة، تشمل الاتجار بالمخدرات وجرائم قتل وإطلاق نار على الجيش، وقد تصل عقوباتها إلى الإعدام.
يقف لبنان اليوم أمام استحقاق بالغ الخطورة، لا يقل في دلالاته عن أخطر المحطات التي هزت بنيته السياسية والأمنية خلال العقود الماضية. فالدولة التي فشلت تاريخياً في ترسيخ عدالة مستقلة، نتيجة التداخل البنيوي بين القضاء والسياسة والأمن، تجد نفسها مجدداً في مواجهة ملف يتجاوز طبيعته الجنائية التقليدية ليغدو اختباراً مباشراً للسيادة، ولموقع لبنان في محيطه الإقليمي، وهو ملف المخدرات، وقضية نوح زعيتر في صلبه.
لم يعد هذا الملف شأناً داخلياً يمكن احتواؤه داخل أروقة المحاكم أو التعامل معه كإخفاق قضائي عابر، إنما هو مسألة مرتبطة مباشرة بالأمن القومي لدول إقليمية تضررت من تجارة المخدرات المنطلقة من الأراضي اللبنانية، وبشبكات جريمة منظمة عابرة للحدود، وبمسارات تمويل غير شرعي، وبمنظومة عقوبات دولية طاولت أسماء لبنانية محددة، ووضعت الدولة تحت مجهر إقليمي ودولي غير مسبوق.
خلال الأعوام الماضية، تكاثرت التقارير المحلية والدولية التي تؤكد أن لبنان لم يعد بلداً يواجه مشكلة مخدرات فحسب، بل بات في صلب منظومة إقليمية لتصنيعها وتهريبها وتبييض عائداتها. فالمخدرات لم تعد تُهرَّب عبر مسارات هامشية أو بوسائل بدائية، بل استُخدمت البنى التحتية الرسمية للدولة، من المرافئ إلى المطار والمعابر الحدودية، مستفيدة من هشاشة الدولة، وتفكك منظومة الرقابة، وتداخل النفوذ السياسي والأمني. وفي هذا المشهد، برز زعيتر بوصفه أحد أبرز رموز اقتصاد المخدرات الذي نما في ظل دولة عاجزة، أو مغيبة، أو مكبلة.
والأخطر ليس فقط حجم التهريب، بل البيئة التي سمحت له، فطوال أعوام طويلة، سُجّل غياب شبه كامل لأي ملاحقة جدية لكبار تجار المخدرات، مقابل تركيز أمني متقطع على صغار المطلوبين. وقد استطاع عدد من الكارتيلات، بفعل النفوذ والمال والسلاح، اختراق مؤسسات رسمية وأمنية وحتى قضائية، أو في الأقل تحييدها، كما تكشف تقارير داخلية وغربية، مما سهل الإفلات من العقاب، واستخدام البنى التحتية في عمليات التهريب والتبييض.
أحكام براءة بحق نوح زعيتر
في هذا السياق، جاءت جلسات المحكمة العسكرية قبل ساعات، وما صدر عنها من أحكام في قضية نوح زعيتر، لتعيد الملف إلى الواجهة بقوة، ولكن بصورة صادمة للرأي العام.
فقد نظرت المحكمة العسكرية الدائمة في 43 ملفاً جنحياً وأمنياً خضع فيها زعيتر للاستجواب، تعود وقائع عدد منها إلى تسعينيات القرن الماضي وتتعلق بجرائم مثل الاتجار بالأسلحة، نقلها، وإطلاق النار، وهي ملفات تختلف بطبيعتها عن القضايا الجنائية الأثقل التي ستُطرح لاحقاً. وبحسب معطيات قضائية، قضت المحكمة بإدانته في أربعة ملفات فقط، وحكمت عليه بالسجن شهراً واحداً عن كل ملف، أي ما مجموعه أربعة أشهر، مع مصادرة الأسلحة الحربية والذخائر والأعتدة العسكرية والأجهزة اللاسلكية التي ضُبطت وتعود له. في المقابل، أعلنت المحكمة براءته في ثلاثة ملفات لعدم كفاية الأدلة، فيما أسقطت الملاحقة في 33 ملفاً نتيجة سقوطها بمرور الزمن.
هذه الأرقام، بحد ذاتها، شكلت صدمة لدى الرأي العام، ليس فقط بسبب قِصر مدة العقوبة، بل بسبب العدد الكبير من الملفات التي أُقفلت تلقائياً بفعل التقادم، مما أعاد طرح السؤال الجوهري حول أعوام طويلة من الغياب القضائي وترك الدعاوى تتراكم من دون حسم.
وأثارت هذه الأحكام موجة غضب وتساؤلات عميقة حول معنى العدالة، وهيبة الدولة، وقدرة القضاء على مقاربة ملفات بهذا الحجم بعد عقود من التعطيل والتراخي.
بداية المسار وعشرات الدعاوى
مصادر قضائية أكدت أن ما صدر حتى الآن لا يشكل إلا جزءاً صغيراً من المسار القضائي، وأن الملفات التي نظرت بها المحكمة هي ملفات جنحية فقط، يعود بعضها إلى تسعينيات القرن الماضي، وأن القضايا الجنائية الأساسية، المرتبطة بالاتجار بالمخدرات، وجرائم القتل ومحاولة القتل، وإطلاق النار على الجيش اللبناني، لم تُفتح بعد، ولا تزال عالقة أمام المحكمة العسكرية ومحاكم الجنايات في جبل لبنان والبقاع.
وبحسب هذه المصادر، فإن زعيتر لا يزال موقوفاً، ويواجه عشرات الدعاوى، وقد يصل عدد الملفات المفتوحة بحقه إلى ما يقارب 100، وأي حديث عن نهاية القضية أو عن خروجه من السجن هو سابق لأوانه.
غير أن هذا التوضيح القانوني، على أهميته، لم ينجح في تهدئة الرأي العام، لأن المشكلة، كما يرى كثيرون، لا تكمن فقط في الأحكام الأخيرة، بل فيما تمثّله، فإسقاط عشرات الملفات بمرور الزمن دليل إضافي على أعوام طويلة من عجز الدولة عن توقيف أحد أبرز المطلوبين، وترك الملفات تتراكم حتى سقطت تلقائياً.
عقوبات دولية وعفو عام
في المقابل، لم تغب الخلفية السياسية والأمنية عن المشهد. فاسم نوح زعيتر مدرج على لوائح العقوبات الأميركية والبريطانية والأوروبية، بتهم تتعلق بالاتجار بالمخدرات وتمويل “حزب الله”، وبالارتباط بشبكات تهريب مرتبطة بالنظام السوري. وظهرت له في الأعوام الماضية صور ومقاطع فيديو إلى جانب مقاتلي الحزب في سوريا، ضمن مجموعات مسلّحة شاركت في القتال، مما عزّز فرضية امتلاكه مجموعة حماية مسلحة خاصة به.
هذه المعطيات، التي لم تدخل بعد في صلب المحاكمات الجارية، تشكّل البعد الأخطر في القضية، لأنها تنقلها من إطار جنائي محلي إلى ملف ذي أبعاد سيادية ودولية، وتضع القضاء اللبناني أمام اختبار غير مسبوق.
ثمة بُعد آخر لا يقل خطورة، بدأ يُطرح همساً في الكواليس السياسية، ويجري تداوله علناً في بعض الأوساط عن “العفو العام”، إذ بحسب أوساط سياسية هناك طروحات لإدراج قضية نوح زعيتر ضمن نقاش أوسع حول عفو عام شامل يُفترض أن يطوي ثلاثة ملفات كبرى عالقة في لبنان منذ أعوام طويلة. الملف الأول هو ملف الإسلاميين الموقوفين منذ أكثر من 20 عاماً، الملف الثاني هو ملف اللبنانيين المبعدين إلى إسرائيل بعد انسحاب عام 2000، ويُقدَّر عددهم بأكثر من 3 آلاف شخص، معظمهم من عائلات “جيش لبنان الجنوبي”، أما الملف الثالث، فهو ملف المخدرات، حيث تشير تقديرات قضائية إلى وجود ما يقارب 30 ألف شخص مطلوبين بمذكرات توقيف، معظمهم غير موقوفين فعلياً.
هذه الملفات الثلاثة، بحسب هذه الأوساط، باتت مترابطة في النقاش السياسي، ويجري الحديث عن تسوية شاملة يقرها مجلس النواب، تحت عنوان فتح صفحة جديدة. وفي هذا السياق، يرى البعض أن نوح زعيتر، كما غيره من المطلوبين الكبار، يراهن على هذا المسار، باعتباره المخرج الوحيد الممكن في نهاية المطاف.
إجرائي طبيعي
وفي خضم الجدل الواسع الذي رافق صدور الأحكام الأخيرة، أكد وكيل الدفاع عنه، المحامي صليبا الحاج، أن الأحكام التي صدرت عن المحكمة العسكرية “لا تتعلق إلا بملفات جنحية بسيطة”، مشدداً على أن ما أُنجز حتى الآن لا يمس جوهر القضايا الأساسية التي يُلاحق بها موكله.
وأوضح أن القضايا “الثقيلة” لا تزال عالقة ولم تُفتح بعد، وفي مقدّمها ملفات الاتجار بالمخدرات، وجرائم القتل، وإطلاق النار على الجيش اللبناني. ولفت إلى أن هذه القضايا ستُطرح تباعاً في الجلسات المقبلة، وأن الخامس من مايو (أيار) المقبل يشكل محطة أساسية في هذا المسار القضائي، حيث يُنتظر أن تبدأ المحكمة بالنظر في الملفات الجنائية الكبرى.
وبحسب الحاج، فإن تصوير ما جرى على أنه “تبرئة” أو “إغلاق للملف” لا يعكس الواقع القانوني، معتبراً أن ما حصل هو جزء من مسار إجرائي طبيعي يفرضه حجم الملفات وتنوعها، وأن موكله لا يزال موقوفاً بانتظار استكمال المحاكمات.
“مفاجآت لافتة”
وفي مقاربة تفصيلية لوقائع الجلسة، تكشف الصحافية المتخصصة في الشؤون القضائية فرح منصور، أن ما جرى داخل قاعة المحكمة العسكرية شكل بحد ذاته مشهداً غير اعتيادي، سواء من حيث طبيعة الجلسة أو صورة المتهم. وأشارت إلى أنها كانت أول جلسة استجواب فعلية لنوح زعيتر أمام المحكمة العسكرية، في مسار قضائي طويل، وأن الأخير يواجه أكثر من 100 ملف أمام المحكمة العسكرية وحدها، على أن تبدأ المحاكمة تدريجياً بهذه الملفات تباعاً.
وبحسب منصور، فإن أول ما لفت الانتباه خلال الجلسة كان الوضع الصحي لزعيتر، إذ بدا عاجزاً عن المشي أو الوقوف داخل القفص، نتيجة إضرابه عن الطعام منذ 10 أيام داخل السجن، مما انعكس تدهوراً واضحاً في حالته الجسدية. وأكدت أن الاستجواب جرى بصورة استثنائية، حيث جلس زعيتر على كرسي طوال الجلسة، في مشهد يختلف كلياً عن الصورة النمطية التي اعتاد الرأي العام رؤيته بها خلال الأعوام الماضية، وعلى رغم الوهن الشديد، بدا حاضر الذهن، مدافعاً عن نفسه في عشرات التهم، ومحاولاً رسم صورة مختلفة عن تلك المرسومة له في الإعلام والتقارير الدولية.
وأوضحت أن الجلسة شهدت ما يمكن وصفه بـ”مفاجآت لافتة”، أبرزها إقرار زعيتر، في أولى كلماته أمام المحكمة، بأنه سلم نفسه طوعاً إلى الجيش اللبناني لبدء محاكمته، نافياً بصورة قاطعة الروايات التي تحدثت عن عملية أمنية أو كمين أدى إلى توقيفه.
عن طبيعة التفاعل داخل القاعة، أكدت منصور أن الجلسة كانت في إطار الاستجواب الأولي، حيث تولت المحكمة تلاوة الملفات والتهم المنسوبة إلى زعيتر، من دون الدخول في محاكمته على كامل القضايا دفعة واحدة، نظراً إلى استحالة ذلك.
وأضافت أن زعيتر لم يكن متفاعلاً بصورة كبيرة أثناء تلاوة هذه الملفات، وبخاصة أن عدداً منها يعود إلى عام 1992، مكتفياً بالاستماع إلى التهم المنسوبة إليه، ومكرراً نفيه لها، على غرار ما كان قد أدلى به سابقاً خلال التحقيقات لدى مخابرات الجيش.
وتوقفت منصور عند إحدى اللحظات البارزة في الجلسة، عندما واجه رئيس المحكمة العسكرية، العميد وسيم فياض، زعيتر بأقوال منسوبة إلى موقوفين آخرين أفادوا باستخدامهم أسلحة تعود له. وأشارت إلى أن زعيتر نفى هذه الادعاءات بالكامل، حتى عندما أُبلغ بأن أحد أقربائه، وتحديداً ابن شقيقته، كان قد اعترف خلال التحقيق باستخدام أسلحة مسجلة باسمه، ليأتي رد زعيتر بنفي قاطع، واصفاً قريبه بأنه “غير متزن نفسياً”، ومشيراً إلى وجود مقاطع مصورة توثّق ذلك، بحسب تعبيره.
وأوضحت أن المحكمة واجهت زعيتر أيضاً بتكرار العثور على أسلحة خلال مداهمات أمنية سابقة لمنزله، إلا أنه أصر على النفي، مؤكداً أنه لا يضع أسلحة داخل منزله بسبب وجود أولاده وأحفاده، وأنه يرفض تعريضهم للخطر، حتى عندما يتعلق الأمر بالقنابل اليدوية. وذهب أبعد من ذلك حين قال إن اسمه استُخدم مراراً في منطقة البقاع “كشماعة” (حجة) لتغطية ملفات كثيرة، لافتاً إلى أنه في عدد من الحالات التي سُجلت فيها ملاحقات قضائية بحقه، كان خارج الأراضي اللبنانية ومتواجداً في سوريا، وفق ما قال أمام المحكمة.
2800 ملف
وفي ما يتعلق بالمسار القضائي اللاحق، أكدت منصور أن الملفات التي نُظرت في الجلسة الحالية هي ملفات جنحية فقط، وأن معظمها سقط بمرور الزمن، نظراً إلى مرور أكثر من 20 إلى 25 عاماً على وقائعها. وأشارت إلى أن الأحكام الصادرة في هذه الملفات تختلف جذرياً عن الأحكام المرتقبة في القضايا الجنائية الثقيلة، لا سيما تلك المتعلقة بقتل عسكريين، ومحاولات القتل، وإطلاق النار خلال المداهمات الأمنية في البقاع.
وكشفت منصور أن المسار القضائي لنوح زعيتر لا يزال في بدايته، وأنه يواجه عدداً هائلاً من الملفات في مختلف المحافظات، يصل إلى نحو 2800 ملف، وأكثر من 3 آلاف مذكرة توقيف وبلاغ بحث وتحر، مما يعني أن محاكمته قد تمتد لأشهر طويلة وربما أعوام قبل صدور الأحكام النهائية. ولفتت إلى أن بعض هذه القضايا قد تفضي إلى أحكام شديدة القسوة، قد تصل إلى السجن المؤبد في حال الإدانة.
أما في ما يتعلّق بإمكانية استفادة زعيتر من أي عفو عام محتمل، فأكدت منصور أن هذا الخيار يشكل اليوم المطلب الأساس له ولعائلته، موضحة أنه من الناحية القانونية البحتة، لا يمكن لنوح زعيتر الخروج من السجن في ظل حجم القضايا الملاحق بها، إلا في حال إقرار قانون عفو عام. لكنها شددت على أن هذا العفو، إن حصل، لن يكون محصوراً باسمه، بل سيشمل آلاف الموقوفين والمحكومين الآخرين، في ظل النقاشات المتصاعدة حول أوضاع السجون وصرخات المحتجزين، ولا سيما في سجن رومية المركزي.
ثلاثة ملفات أساسية
وفي قراءة قانونية لما أثارته الأحكام الأخيرة، شدد الصحافي المتخصص في الشؤون القضائية يوسف دياب على أن ما جرى لا يمكن فصله عن طبيعة الملفات التي نظرت بها المحكمة العسكرية، محذّراً من الوقوع في استنتاجات متسرعة. وأوضح دياب أن زعيتر لا يزال يواجه “مئات الدعاوى”، وأن المسار القضائي الحقيقي لم يبدأ بعد، لافتاً إلى أن أمامه ثلاثة ملفات أساسية وخطيرة جداً ستُطرح أمام المحكمة العسكرية في جلسة الخامس من مايو المقبل، تتعلق بإطلاق النار على الجيش اللبناني، وبجرائم قتل عسكريين، وهي جرائم، في حال ثبوتها، قد تصل عقوبتها إلى الإعدام وفق القانون.
وتابع “إلى جانب هذه الملفات، يواجه زعيتر عدداً هائلاً من القضايا المرتبطة بالاتجار بالمخدرات، موزعة بين محاكم جنايات جبل لبنان والبقاع وبيروت والشمال، مما يعني أن الأحكام الصادرة قبل ساعات لا تشكل بأي حال من الأحوال نهاية المطاف، ولا تدل على وجود صفقة أو تسوية تفضي إلى خروجه من السجن”.
أما المرحلة المقبلة، فهي، بحسب دياب، حاسمة وستحدد فعلياً مصير زعيتر، سواء لجهة العقوبات القصوى المحتملة أو لجهة المسار السياسي الذي قد يُفتح تحت عنوان العفو العام.
نوح زعيتر أمام القضاء: ملفات سقطت… وأخرى قد تقود إلى الإعدام

أعادت الأحكام الصادرة عن المحكمة العسكرية في قضية أكبر تاجر مخدرات في لبنان نوح زعيتر ملف المخدرات إلى واجهة المشهد الداخلي، لكن بصورة صادمة للرأي العام بعد تبرئته من 40 ملفاً، مما أثار موجة غضب وتساؤلات حول العدالة وهيبة الدولة. غير أن مصادر قضائية تؤكد أن الاحكام لا تشكّل سوى بداية المسار، إذ لا تزال عشرات الملفات الجنائية “الثقيلة” عالقة، تشمل الاتجار بالمخدرات وجرائم قتل وإطلاق نار على الجيش، وقد تصل عقوباتها إلى الإعدام.
يقف لبنان اليوم أمام استحقاق بالغ الخطورة، لا يقل في دلالاته عن أخطر المحطات التي هزت بنيته السياسية والأمنية خلال العقود الماضية. فالدولة التي فشلت تاريخياً في ترسيخ عدالة مستقلة، نتيجة التداخل البنيوي بين القضاء والسياسة والأمن، تجد نفسها مجدداً في مواجهة ملف يتجاوز طبيعته الجنائية التقليدية ليغدو اختباراً مباشراً للسيادة، ولموقع لبنان في محيطه الإقليمي، وهو ملف المخدرات، وقضية نوح زعيتر في صلبه.
لم يعد هذا الملف شأناً داخلياً يمكن احتواؤه داخل أروقة المحاكم أو التعامل معه كإخفاق قضائي عابر، إنما هو مسألة مرتبطة مباشرة بالأمن القومي لدول إقليمية تضررت من تجارة المخدرات المنطلقة من الأراضي اللبنانية، وبشبكات جريمة منظمة عابرة للحدود، وبمسارات تمويل غير شرعي، وبمنظومة عقوبات دولية طاولت أسماء لبنانية محددة، ووضعت الدولة تحت مجهر إقليمي ودولي غير مسبوق.
خلال الأعوام الماضية، تكاثرت التقارير المحلية والدولية التي تؤكد أن لبنان لم يعد بلداً يواجه مشكلة مخدرات فحسب، بل بات في صلب منظومة إقليمية لتصنيعها وتهريبها وتبييض عائداتها. فالمخدرات لم تعد تُهرَّب عبر مسارات هامشية أو بوسائل بدائية، بل استُخدمت البنى التحتية الرسمية للدولة، من المرافئ إلى المطار والمعابر الحدودية، مستفيدة من هشاشة الدولة، وتفكك منظومة الرقابة، وتداخل النفوذ السياسي والأمني. وفي هذا المشهد، برز زعيتر بوصفه أحد أبرز رموز اقتصاد المخدرات الذي نما في ظل دولة عاجزة، أو مغيبة، أو مكبلة.
والأخطر ليس فقط حجم التهريب، بل البيئة التي سمحت له، فطوال أعوام طويلة، سُجّل غياب شبه كامل لأي ملاحقة جدية لكبار تجار المخدرات، مقابل تركيز أمني متقطع على صغار المطلوبين. وقد استطاع عدد من الكارتيلات، بفعل النفوذ والمال والسلاح، اختراق مؤسسات رسمية وأمنية وحتى قضائية، أو في الأقل تحييدها، كما تكشف تقارير داخلية وغربية، مما سهل الإفلات من العقاب، واستخدام البنى التحتية في عمليات التهريب والتبييض.
أحكام براءة بحق نوح زعيتر
في هذا السياق، جاءت جلسات المحكمة العسكرية قبل ساعات، وما صدر عنها من أحكام في قضية نوح زعيتر، لتعيد الملف إلى الواجهة بقوة، ولكن بصورة صادمة للرأي العام.
فقد نظرت المحكمة العسكرية الدائمة في 43 ملفاً جنحياً وأمنياً خضع فيها زعيتر للاستجواب، تعود وقائع عدد منها إلى تسعينيات القرن الماضي وتتعلق بجرائم مثل الاتجار بالأسلحة، نقلها، وإطلاق النار، وهي ملفات تختلف بطبيعتها عن القضايا الجنائية الأثقل التي ستُطرح لاحقاً. وبحسب معطيات قضائية، قضت المحكمة بإدانته في أربعة ملفات فقط، وحكمت عليه بالسجن شهراً واحداً عن كل ملف، أي ما مجموعه أربعة أشهر، مع مصادرة الأسلحة الحربية والذخائر والأعتدة العسكرية والأجهزة اللاسلكية التي ضُبطت وتعود له. في المقابل، أعلنت المحكمة براءته في ثلاثة ملفات لعدم كفاية الأدلة، فيما أسقطت الملاحقة في 33 ملفاً نتيجة سقوطها بمرور الزمن.
هذه الأرقام، بحد ذاتها، شكلت صدمة لدى الرأي العام، ليس فقط بسبب قِصر مدة العقوبة، بل بسبب العدد الكبير من الملفات التي أُقفلت تلقائياً بفعل التقادم، مما أعاد طرح السؤال الجوهري حول أعوام طويلة من الغياب القضائي وترك الدعاوى تتراكم من دون حسم.
وأثارت هذه الأحكام موجة غضب وتساؤلات عميقة حول معنى العدالة، وهيبة الدولة، وقدرة القضاء على مقاربة ملفات بهذا الحجم بعد عقود من التعطيل والتراخي.
بداية المسار وعشرات الدعاوى
مصادر قضائية أكدت أن ما صدر حتى الآن لا يشكل إلا جزءاً صغيراً من المسار القضائي، وأن الملفات التي نظرت بها المحكمة هي ملفات جنحية فقط، يعود بعضها إلى تسعينيات القرن الماضي، وأن القضايا الجنائية الأساسية، المرتبطة بالاتجار بالمخدرات، وجرائم القتل ومحاولة القتل، وإطلاق النار على الجيش اللبناني، لم تُفتح بعد، ولا تزال عالقة أمام المحكمة العسكرية ومحاكم الجنايات في جبل لبنان والبقاع.
وبحسب هذه المصادر، فإن زعيتر لا يزال موقوفاً، ويواجه عشرات الدعاوى، وقد يصل عدد الملفات المفتوحة بحقه إلى ما يقارب 100، وأي حديث عن نهاية القضية أو عن خروجه من السجن هو سابق لأوانه.
غير أن هذا التوضيح القانوني، على أهميته، لم ينجح في تهدئة الرأي العام، لأن المشكلة، كما يرى كثيرون، لا تكمن فقط في الأحكام الأخيرة، بل فيما تمثّله، فإسقاط عشرات الملفات بمرور الزمن دليل إضافي على أعوام طويلة من عجز الدولة عن توقيف أحد أبرز المطلوبين، وترك الملفات تتراكم حتى سقطت تلقائياً.
عقوبات دولية وعفو عام
في المقابل، لم تغب الخلفية السياسية والأمنية عن المشهد. فاسم نوح زعيتر مدرج على لوائح العقوبات الأميركية والبريطانية والأوروبية، بتهم تتعلق بالاتجار بالمخدرات وتمويل “حزب الله”، وبالارتباط بشبكات تهريب مرتبطة بالنظام السوري. وظهرت له في الأعوام الماضية صور ومقاطع فيديو إلى جانب مقاتلي الحزب في سوريا، ضمن مجموعات مسلّحة شاركت في القتال، مما عزّز فرضية امتلاكه مجموعة حماية مسلحة خاصة به.
هذه المعطيات، التي لم تدخل بعد في صلب المحاكمات الجارية، تشكّل البعد الأخطر في القضية، لأنها تنقلها من إطار جنائي محلي إلى ملف ذي أبعاد سيادية ودولية، وتضع القضاء اللبناني أمام اختبار غير مسبوق.
ثمة بُعد آخر لا يقل خطورة، بدأ يُطرح همساً في الكواليس السياسية، ويجري تداوله علناً في بعض الأوساط عن “العفو العام”، إذ بحسب أوساط سياسية هناك طروحات لإدراج قضية نوح زعيتر ضمن نقاش أوسع حول عفو عام شامل يُفترض أن يطوي ثلاثة ملفات كبرى عالقة في لبنان منذ أعوام طويلة. الملف الأول هو ملف الإسلاميين الموقوفين منذ أكثر من 20 عاماً، الملف الثاني هو ملف اللبنانيين المبعدين إلى إسرائيل بعد انسحاب عام 2000، ويُقدَّر عددهم بأكثر من 3 آلاف شخص، معظمهم من عائلات “جيش لبنان الجنوبي”، أما الملف الثالث، فهو ملف المخدرات، حيث تشير تقديرات قضائية إلى وجود ما يقارب 30 ألف شخص مطلوبين بمذكرات توقيف، معظمهم غير موقوفين فعلياً.
هذه الملفات الثلاثة، بحسب هذه الأوساط، باتت مترابطة في النقاش السياسي، ويجري الحديث عن تسوية شاملة يقرها مجلس النواب، تحت عنوان فتح صفحة جديدة. وفي هذا السياق، يرى البعض أن نوح زعيتر، كما غيره من المطلوبين الكبار، يراهن على هذا المسار، باعتباره المخرج الوحيد الممكن في نهاية المطاف.
إجرائي طبيعي
وفي خضم الجدل الواسع الذي رافق صدور الأحكام الأخيرة، أكد وكيل الدفاع عنه، المحامي صليبا الحاج، أن الأحكام التي صدرت عن المحكمة العسكرية “لا تتعلق إلا بملفات جنحية بسيطة”، مشدداً على أن ما أُنجز حتى الآن لا يمس جوهر القضايا الأساسية التي يُلاحق بها موكله.
وأوضح أن القضايا “الثقيلة” لا تزال عالقة ولم تُفتح بعد، وفي مقدّمها ملفات الاتجار بالمخدرات، وجرائم القتل، وإطلاق النار على الجيش اللبناني. ولفت إلى أن هذه القضايا ستُطرح تباعاً في الجلسات المقبلة، وأن الخامس من مايو (أيار) المقبل يشكل محطة أساسية في هذا المسار القضائي، حيث يُنتظر أن تبدأ المحكمة بالنظر في الملفات الجنائية الكبرى.
وبحسب الحاج، فإن تصوير ما جرى على أنه “تبرئة” أو “إغلاق للملف” لا يعكس الواقع القانوني، معتبراً أن ما حصل هو جزء من مسار إجرائي طبيعي يفرضه حجم الملفات وتنوعها، وأن موكله لا يزال موقوفاً بانتظار استكمال المحاكمات.
“مفاجآت لافتة”
وفي مقاربة تفصيلية لوقائع الجلسة، تكشف الصحافية المتخصصة في الشؤون القضائية فرح منصور، أن ما جرى داخل قاعة المحكمة العسكرية شكل بحد ذاته مشهداً غير اعتيادي، سواء من حيث طبيعة الجلسة أو صورة المتهم. وأشارت إلى أنها كانت أول جلسة استجواب فعلية لنوح زعيتر أمام المحكمة العسكرية، في مسار قضائي طويل، وأن الأخير يواجه أكثر من 100 ملف أمام المحكمة العسكرية وحدها، على أن تبدأ المحاكمة تدريجياً بهذه الملفات تباعاً.
وبحسب منصور، فإن أول ما لفت الانتباه خلال الجلسة كان الوضع الصحي لزعيتر، إذ بدا عاجزاً عن المشي أو الوقوف داخل القفص، نتيجة إضرابه عن الطعام منذ 10 أيام داخل السجن، مما انعكس تدهوراً واضحاً في حالته الجسدية. وأكدت أن الاستجواب جرى بصورة استثنائية، حيث جلس زعيتر على كرسي طوال الجلسة، في مشهد يختلف كلياً عن الصورة النمطية التي اعتاد الرأي العام رؤيته بها خلال الأعوام الماضية، وعلى رغم الوهن الشديد، بدا حاضر الذهن، مدافعاً عن نفسه في عشرات التهم، ومحاولاً رسم صورة مختلفة عن تلك المرسومة له في الإعلام والتقارير الدولية.
وأوضحت أن الجلسة شهدت ما يمكن وصفه بـ”مفاجآت لافتة”، أبرزها إقرار زعيتر، في أولى كلماته أمام المحكمة، بأنه سلم نفسه طوعاً إلى الجيش اللبناني لبدء محاكمته، نافياً بصورة قاطعة الروايات التي تحدثت عن عملية أمنية أو كمين أدى إلى توقيفه.
عن طبيعة التفاعل داخل القاعة، أكدت منصور أن الجلسة كانت في إطار الاستجواب الأولي، حيث تولت المحكمة تلاوة الملفات والتهم المنسوبة إلى زعيتر، من دون الدخول في محاكمته على كامل القضايا دفعة واحدة، نظراً إلى استحالة ذلك.
وأضافت أن زعيتر لم يكن متفاعلاً بصورة كبيرة أثناء تلاوة هذه الملفات، وبخاصة أن عدداً منها يعود إلى عام 1992، مكتفياً بالاستماع إلى التهم المنسوبة إليه، ومكرراً نفيه لها، على غرار ما كان قد أدلى به سابقاً خلال التحقيقات لدى مخابرات الجيش.
وتوقفت منصور عند إحدى اللحظات البارزة في الجلسة، عندما واجه رئيس المحكمة العسكرية، العميد وسيم فياض، زعيتر بأقوال منسوبة إلى موقوفين آخرين أفادوا باستخدامهم أسلحة تعود له. وأشارت إلى أن زعيتر نفى هذه الادعاءات بالكامل، حتى عندما أُبلغ بأن أحد أقربائه، وتحديداً ابن شقيقته، كان قد اعترف خلال التحقيق باستخدام أسلحة مسجلة باسمه، ليأتي رد زعيتر بنفي قاطع، واصفاً قريبه بأنه “غير متزن نفسياً”، ومشيراً إلى وجود مقاطع مصورة توثّق ذلك، بحسب تعبيره.
وأوضحت أن المحكمة واجهت زعيتر أيضاً بتكرار العثور على أسلحة خلال مداهمات أمنية سابقة لمنزله، إلا أنه أصر على النفي، مؤكداً أنه لا يضع أسلحة داخل منزله بسبب وجود أولاده وأحفاده، وأنه يرفض تعريضهم للخطر، حتى عندما يتعلق الأمر بالقنابل اليدوية. وذهب أبعد من ذلك حين قال إن اسمه استُخدم مراراً في منطقة البقاع “كشماعة” (حجة) لتغطية ملفات كثيرة، لافتاً إلى أنه في عدد من الحالات التي سُجلت فيها ملاحقات قضائية بحقه، كان خارج الأراضي اللبنانية ومتواجداً في سوريا، وفق ما قال أمام المحكمة.
2800 ملف
وفي ما يتعلق بالمسار القضائي اللاحق، أكدت منصور أن الملفات التي نُظرت في الجلسة الحالية هي ملفات جنحية فقط، وأن معظمها سقط بمرور الزمن، نظراً إلى مرور أكثر من 20 إلى 25 عاماً على وقائعها. وأشارت إلى أن الأحكام الصادرة في هذه الملفات تختلف جذرياً عن الأحكام المرتقبة في القضايا الجنائية الثقيلة، لا سيما تلك المتعلقة بقتل عسكريين، ومحاولات القتل، وإطلاق النار خلال المداهمات الأمنية في البقاع.
وكشفت منصور أن المسار القضائي لنوح زعيتر لا يزال في بدايته، وأنه يواجه عدداً هائلاً من الملفات في مختلف المحافظات، يصل إلى نحو 2800 ملف، وأكثر من 3 آلاف مذكرة توقيف وبلاغ بحث وتحر، مما يعني أن محاكمته قد تمتد لأشهر طويلة وربما أعوام قبل صدور الأحكام النهائية. ولفتت إلى أن بعض هذه القضايا قد تفضي إلى أحكام شديدة القسوة، قد تصل إلى السجن المؤبد في حال الإدانة.
أما في ما يتعلّق بإمكانية استفادة زعيتر من أي عفو عام محتمل، فأكدت منصور أن هذا الخيار يشكل اليوم المطلب الأساس له ولعائلته، موضحة أنه من الناحية القانونية البحتة، لا يمكن لنوح زعيتر الخروج من السجن في ظل حجم القضايا الملاحق بها، إلا في حال إقرار قانون عفو عام. لكنها شددت على أن هذا العفو، إن حصل، لن يكون محصوراً باسمه، بل سيشمل آلاف الموقوفين والمحكومين الآخرين، في ظل النقاشات المتصاعدة حول أوضاع السجون وصرخات المحتجزين، ولا سيما في سجن رومية المركزي.
ثلاثة ملفات أساسية
وفي قراءة قانونية لما أثارته الأحكام الأخيرة، شدد الصحافي المتخصص في الشؤون القضائية يوسف دياب على أن ما جرى لا يمكن فصله عن طبيعة الملفات التي نظرت بها المحكمة العسكرية، محذّراً من الوقوع في استنتاجات متسرعة. وأوضح دياب أن زعيتر لا يزال يواجه “مئات الدعاوى”، وأن المسار القضائي الحقيقي لم يبدأ بعد، لافتاً إلى أن أمامه ثلاثة ملفات أساسية وخطيرة جداً ستُطرح أمام المحكمة العسكرية في جلسة الخامس من مايو المقبل، تتعلق بإطلاق النار على الجيش اللبناني، وبجرائم قتل عسكريين، وهي جرائم، في حال ثبوتها، قد تصل عقوبتها إلى الإعدام وفق القانون.
وتابع “إلى جانب هذه الملفات، يواجه زعيتر عدداً هائلاً من القضايا المرتبطة بالاتجار بالمخدرات، موزعة بين محاكم جنايات جبل لبنان والبقاع وبيروت والشمال، مما يعني أن الأحكام الصادرة قبل ساعات لا تشكل بأي حال من الأحوال نهاية المطاف، ولا تدل على وجود صفقة أو تسوية تفضي إلى خروجه من السجن”.
أما المرحلة المقبلة، فهي، بحسب دياب، حاسمة وستحدد فعلياً مصير زعيتر، سواء لجهة العقوبات القصوى المحتملة أو لجهة المسار السياسي الذي قد يُفتح تحت عنوان العفو العام.














