“الحزب” جاهز… والكرة في ملعب بعبدا

الكاتب: جوزفين ديب | المصدر: اساس ميديا
6 شباط 2026

بانتظار عودة قائد الجيش العماد رودولف هيكل من واشنطن، شكّلت زيارة رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد لقصر بعبدا محطّة مفصليّة، أوّلاً في إعادة تثبيت تموضع “الحزب” داخليّاً، وثانياً في وضع موقفه مباشرة أمام رئيس الجمهوريّة، من دون وسطاء أو رسائل ملتبسة.

 

الأهميّة الإضافيّة لهذه الزيارة أنّها لم تأتِ على هامش الأزمة الإيرانيّة – الأميركيّة، ولا في خواتيمها، بل في ذروتها، وفي لحظة إقليميّة شديدة الحساسيّة. هو توقيت لا يمكن فصله عن أيّ نيّة جدّية لمعالجة الملفّ اللبنانيّ، بدل انتظار حرب إسرائيليّة جديدة لتقوم مقام الدولة، أو لتُستخدَم مدخلاً لفرض وقائع سياسيّة وأمنيّة بالقوّة. في المقابل، كان قائد الجيش، في واشنطن، أدّى ما عليه، عارضاً خططاً واقعيّة وقابلة للتنفيذ لاستكمال مسار حصر السلاح شمال الليطاني، من دون اقتتال داخليّ أو فتح الباب أمام عدوان خارجيّ.

بين هذه العناوين الثلاثة المتقاطعة بين واشنطن، طهران، وبيروت، يجد قصر بعبدا نفسه أمام استحقاق محوريّ: إخراج لبنان، ومعه “الحزب”، من قلب الحرب الإقليميّة المقبلة. هل يملك القدرة على ذلك؟

إيران: الأزمة تتّجه نحو الانفجار

توحي كلّ المؤشّرات باقتراب لحظة الانفجار. هكذا يصف أحد الدبلوماسيّين المتابعين لمسار المفاوضات الإيرانيّة – الأميركيّة المشهد الإقليميّ. يشير إلى أنّ تدّخل  9 دول عربية واقليمية أوّلها السعودية، ولا سيما في الساعات الأخيرة، حال دون انهيار مسار التفاوض في مسقط. لكنّ هذا التدخّل لم يبدّل في جوهر الموقف الأميركيّ، الذي لا يزال متمسّكاً بكلّ مطالبه، من دون تجزئة أو تسويات مرحليّة.

تريد واشنطن “الحزمة الكاملة”: البرنامج النوويّ، الصواريخ البالستيّة، ونفوذ إيران الإقليميّ. إمّا قبول إيرانيّ شامل وفوريّ، وإمّا لا مفاوضات ولا وقت إضافيّاً. في حال الرفض، تتحدّث المعطيات المسرّبة من كواليس الإدارة الأميركيّة عن ضربة أميركيّة – إسرائيليّة مختلفة كليّاً عن سابقاتها. بعدما كان الهدف سابقاً هو البرنامج النوويّ، قد يكون الهدف هذه المرّة “رأس النظام” نفسه، على غرار السيناريو الفنزويلّيّ.

هذا لا يعني بالضرورة انهيار الدولة الإيرانيّة، بل نهاية منظومة خامنئي – الحرس الثوريّ، مع إبقاء شخصيّات من داخل النظام الحاليّ في واجهة الحكم. هي لحظة مفصليّة قد تنعكس مباشرة على لبنان، وخصوصاً على “الحزب” المرتبط عضويّاً بطهران، وعلى الدولة اللبنانيّة التي تعيش مرحلة انتقاليّة من نفوذ إيرانيّ إلى نفوذ أميركيّ – إسرائيليّ – خليجيّ.

الكرة في ملعب الدّولة

ليست العلاقة بين قصر بعبدا وحارة حريك في أفضل حالاتها، وتعتريها أزمة ثقة واضحة، ولا سيما من جانب “الحزب” تجاه رئيس الجمهوريّة. مع ذلك، تشير المعلومات إلى أنّ “الحزب” اختار زيارة الرئيس في هذا التوقيت الدقيق لأهميّته الإقليميّة والداخليّة معاً.

حرص رعد في اللقاء على تثبيت مجموعة من الثوابت أمام الرئيس مباشرة، وأمام الرأي العامّ من على منبر القصر الجمهوريّ. كانت الزيارة استباقيّة لعودة قائد الجيش من واشنطن، ولاجتماع مجلس الوزراء المنتظَر لبحث خطّة حصر السلاح شمال الليطاني.

أبرز الرسائل التي حملتها الزيارة:

1-مناقشة مسار العلاقة بين بعبدا وحارة حريك، فكان شرحٌ للرئيس عون لحجم الضغوط الخارجيّة التي يتعرّض لها، وحاجته إلى اتّخاذ مواقف معيّنة في هذا السياق.

2- عرض رعد موقف “الحزب” كما عبّر عنه الشيخ نعيم قاسم، مؤكّداً أنّ كلامه كان دفاعيّاً لا هجوميّاً، وأنّ “الحزب” لا يمانع أن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانيّة.

3- تأكيد موافقة “الحزب” على الدخول في مسار داخليّ لحصر السلاح شمال الليطاني، انطلاقاً من تفسيره لاتّفاق وقف إطلاق النار الذي ينصّ صراحة على جنوب الليطاني فقط.

4- موافقة “الحزب” على مسار يؤدّي إلى حصريّة السلاح بيد الدولة، شرط ألّا يكون تنفيذاً لمطالب إسرائيليّة أو نتيجة ضغط خارجيّ.

في هذا السياق، شدّد “الحزب” على عبارة مفصليّة وردت على لسان رعد، تتعلّق بالحرص على التفاهم والتعاون لتحقيق أهداف اللبنانيّين، من إنهاء الاحتلال وإطلاق الأسرى، إلى تعزيز الاستقرار وعودة الأهالي وإطلاق ورشة الإعمار، وتولّي الدولة مسؤوليّة حماية السيادة، مع مساندتها عند الاقتضاء، ورفض كلّ أشكال الوصاية والتدخّل.

يعيد هذا الطرح إحياء فكرة “احتواء السلاح” من ضمن مخرج مرحليّ ينتهي بوضعه تحت سلطة الجيش. في المقابل، عرض الرئيس عون تطوّرات المشهد الدوليّ. غادر رعد على قاعدة فتح مسار جديد يبدأ من بعبدا، ويمتدّ إلى الحكومة، في محاولة لتوجيه النقاش نحو مسار غير تصادميّ.

هيكل: الحاجة إلى الدّولة

بين العنوان الإيرانيّ في الإقليم، والعنوان الحزبيّ في الداخل، نجح قائد الجيش العماد رودولف هيكل في التعامل مع عبء المسؤوليّة التي أُلقيت على عاتقه منذ جلسات آب الشهيرة. وفي الوقت نفسه، يكرّر ثوابت واضحة في كلّ لقاءاته.

بحسب معلومات من واشنطن، أكّد هيكل قدرة الجيش على حصر السلاح شمال الليطاني، لكن ليس وفق الروزنامة الزمنيّة التي تريدها الإدارة الأميركيّة. تحتاج المهمّة إلى وقت أطول، وإلى توافر حاجات لوجستيّة وماليّة لا تزال غير متوافرة. الأهمّ أنّ تنفيذها لا يمكن أن يتمّ من دون حضور فعليّ للدولة بكلّ مؤسّساتها.

ليست الدولة، بالنسبة إلى هيكل، أمناً فقط، بل أمان اجتماعيّ، إعادة إعمار، مؤسّسات فاعلة، وشعور المواطن بأنّ هناك مرجعيّة تحميه. من دون ذلك، يبقى عمل الجيش ناقصاً لأنّ فرض السيادة لا يتمّ بالقوّة العسكرية وحدها، بل بمنظومة دولة كاملة.

عليه، تقف بعبدا اليوم أمام استحقاق داخليّ بقدر ما هو خارجيّ: إطلاق ورشة جدّية لبسط سلطة الدولة بكلّ معانيها، وفي مقدَّمها حصريّة السلاح ضمن مسار يحمي الاستقرار ولا يفتح أبواب الانفجار.

“الحزب” جاهز… والكرة في ملعب بعبدا

الكاتب: جوزفين ديب | المصدر: اساس ميديا
6 شباط 2026

بانتظار عودة قائد الجيش العماد رودولف هيكل من واشنطن، شكّلت زيارة رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد لقصر بعبدا محطّة مفصليّة، أوّلاً في إعادة تثبيت تموضع “الحزب” داخليّاً، وثانياً في وضع موقفه مباشرة أمام رئيس الجمهوريّة، من دون وسطاء أو رسائل ملتبسة.

 

الأهميّة الإضافيّة لهذه الزيارة أنّها لم تأتِ على هامش الأزمة الإيرانيّة – الأميركيّة، ولا في خواتيمها، بل في ذروتها، وفي لحظة إقليميّة شديدة الحساسيّة. هو توقيت لا يمكن فصله عن أيّ نيّة جدّية لمعالجة الملفّ اللبنانيّ، بدل انتظار حرب إسرائيليّة جديدة لتقوم مقام الدولة، أو لتُستخدَم مدخلاً لفرض وقائع سياسيّة وأمنيّة بالقوّة. في المقابل، كان قائد الجيش، في واشنطن، أدّى ما عليه، عارضاً خططاً واقعيّة وقابلة للتنفيذ لاستكمال مسار حصر السلاح شمال الليطاني، من دون اقتتال داخليّ أو فتح الباب أمام عدوان خارجيّ.

بين هذه العناوين الثلاثة المتقاطعة بين واشنطن، طهران، وبيروت، يجد قصر بعبدا نفسه أمام استحقاق محوريّ: إخراج لبنان، ومعه “الحزب”، من قلب الحرب الإقليميّة المقبلة. هل يملك القدرة على ذلك؟

إيران: الأزمة تتّجه نحو الانفجار

توحي كلّ المؤشّرات باقتراب لحظة الانفجار. هكذا يصف أحد الدبلوماسيّين المتابعين لمسار المفاوضات الإيرانيّة – الأميركيّة المشهد الإقليميّ. يشير إلى أنّ تدّخل  9 دول عربية واقليمية أوّلها السعودية، ولا سيما في الساعات الأخيرة، حال دون انهيار مسار التفاوض في مسقط. لكنّ هذا التدخّل لم يبدّل في جوهر الموقف الأميركيّ، الذي لا يزال متمسّكاً بكلّ مطالبه، من دون تجزئة أو تسويات مرحليّة.

تريد واشنطن “الحزمة الكاملة”: البرنامج النوويّ، الصواريخ البالستيّة، ونفوذ إيران الإقليميّ. إمّا قبول إيرانيّ شامل وفوريّ، وإمّا لا مفاوضات ولا وقت إضافيّاً. في حال الرفض، تتحدّث المعطيات المسرّبة من كواليس الإدارة الأميركيّة عن ضربة أميركيّة – إسرائيليّة مختلفة كليّاً عن سابقاتها. بعدما كان الهدف سابقاً هو البرنامج النوويّ، قد يكون الهدف هذه المرّة “رأس النظام” نفسه، على غرار السيناريو الفنزويلّيّ.

هذا لا يعني بالضرورة انهيار الدولة الإيرانيّة، بل نهاية منظومة خامنئي – الحرس الثوريّ، مع إبقاء شخصيّات من داخل النظام الحاليّ في واجهة الحكم. هي لحظة مفصليّة قد تنعكس مباشرة على لبنان، وخصوصاً على “الحزب” المرتبط عضويّاً بطهران، وعلى الدولة اللبنانيّة التي تعيش مرحلة انتقاليّة من نفوذ إيرانيّ إلى نفوذ أميركيّ – إسرائيليّ – خليجيّ.

الكرة في ملعب الدّولة

ليست العلاقة بين قصر بعبدا وحارة حريك في أفضل حالاتها، وتعتريها أزمة ثقة واضحة، ولا سيما من جانب “الحزب” تجاه رئيس الجمهوريّة. مع ذلك، تشير المعلومات إلى أنّ “الحزب” اختار زيارة الرئيس في هذا التوقيت الدقيق لأهميّته الإقليميّة والداخليّة معاً.

حرص رعد في اللقاء على تثبيت مجموعة من الثوابت أمام الرئيس مباشرة، وأمام الرأي العامّ من على منبر القصر الجمهوريّ. كانت الزيارة استباقيّة لعودة قائد الجيش من واشنطن، ولاجتماع مجلس الوزراء المنتظَر لبحث خطّة حصر السلاح شمال الليطاني.

أبرز الرسائل التي حملتها الزيارة:

1-مناقشة مسار العلاقة بين بعبدا وحارة حريك، فكان شرحٌ للرئيس عون لحجم الضغوط الخارجيّة التي يتعرّض لها، وحاجته إلى اتّخاذ مواقف معيّنة في هذا السياق.

2- عرض رعد موقف “الحزب” كما عبّر عنه الشيخ نعيم قاسم، مؤكّداً أنّ كلامه كان دفاعيّاً لا هجوميّاً، وأنّ “الحزب” لا يمانع أن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانيّة.

3- تأكيد موافقة “الحزب” على الدخول في مسار داخليّ لحصر السلاح شمال الليطاني، انطلاقاً من تفسيره لاتّفاق وقف إطلاق النار الذي ينصّ صراحة على جنوب الليطاني فقط.

4- موافقة “الحزب” على مسار يؤدّي إلى حصريّة السلاح بيد الدولة، شرط ألّا يكون تنفيذاً لمطالب إسرائيليّة أو نتيجة ضغط خارجيّ.

في هذا السياق، شدّد “الحزب” على عبارة مفصليّة وردت على لسان رعد، تتعلّق بالحرص على التفاهم والتعاون لتحقيق أهداف اللبنانيّين، من إنهاء الاحتلال وإطلاق الأسرى، إلى تعزيز الاستقرار وعودة الأهالي وإطلاق ورشة الإعمار، وتولّي الدولة مسؤوليّة حماية السيادة، مع مساندتها عند الاقتضاء، ورفض كلّ أشكال الوصاية والتدخّل.

يعيد هذا الطرح إحياء فكرة “احتواء السلاح” من ضمن مخرج مرحليّ ينتهي بوضعه تحت سلطة الجيش. في المقابل، عرض الرئيس عون تطوّرات المشهد الدوليّ. غادر رعد على قاعدة فتح مسار جديد يبدأ من بعبدا، ويمتدّ إلى الحكومة، في محاولة لتوجيه النقاش نحو مسار غير تصادميّ.

هيكل: الحاجة إلى الدّولة

بين العنوان الإيرانيّ في الإقليم، والعنوان الحزبيّ في الداخل، نجح قائد الجيش العماد رودولف هيكل في التعامل مع عبء المسؤوليّة التي أُلقيت على عاتقه منذ جلسات آب الشهيرة. وفي الوقت نفسه، يكرّر ثوابت واضحة في كلّ لقاءاته.

بحسب معلومات من واشنطن، أكّد هيكل قدرة الجيش على حصر السلاح شمال الليطاني، لكن ليس وفق الروزنامة الزمنيّة التي تريدها الإدارة الأميركيّة. تحتاج المهمّة إلى وقت أطول، وإلى توافر حاجات لوجستيّة وماليّة لا تزال غير متوافرة. الأهمّ أنّ تنفيذها لا يمكن أن يتمّ من دون حضور فعليّ للدولة بكلّ مؤسّساتها.

ليست الدولة، بالنسبة إلى هيكل، أمناً فقط، بل أمان اجتماعيّ، إعادة إعمار، مؤسّسات فاعلة، وشعور المواطن بأنّ هناك مرجعيّة تحميه. من دون ذلك، يبقى عمل الجيش ناقصاً لأنّ فرض السيادة لا يتمّ بالقوّة العسكرية وحدها، بل بمنظومة دولة كاملة.

عليه، تقف بعبدا اليوم أمام استحقاق داخليّ بقدر ما هو خارجيّ: إطلاق ورشة جدّية لبسط سلطة الدولة بكلّ معانيها، وفي مقدَّمها حصريّة السلاح ضمن مسار يحمي الاستقرار ولا يفتح أبواب الانفجار.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار