مفاوضات عُمان تفرض إيقاعها على “بعبدا” و”حارة حريك”

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
6 شباط 2026

بالتأكيد أنه لا يمكن فصل زيارة رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب الحاج محمد رعد لقصر بعبدا عن مسار المفاوضات الأميركية – الإيرانية في سلطنة عُمان، خصوصًا بعد الانحسار النسبي للحديث عن حرب كادت تندلع في لحظات إقليمية شديدة الحساسية. كما لا يمكن عزل هذه الزيارة عن النبرة اللينة، نسبيًا، التي اعتمدها الأمين العام لـ “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم في مواقفه الأخيرة. فمجمل هذه المؤشرات يشي، وفق قراءة أوساط سياسية متابعة، بأن الحزب بدأ فعلًا مرحلة مراجعة هادئة لما يجري حوله، في منطقة تعاد صياغة توازناتها على نار باردة، لكن ثابتة.

هذه القراءة تفترض، من حيث المبدأ، أن تكون “حارة حريك” قد قطعت شوطًا متقدمًا لا بأس به في رحلة الألف ميل نحو إعادة تقييم خياراتها، بعدما تلمّست مباشرة كلفة قرارها الأحادي في “مساندة غزة”، وما ترتب عليه من تداعيات إنسانية واجتماعية وأمنية على بيئتها الحاضنة. وهي، بحسب هذه الأوساط، دخلت مرحلة استيعاب واقعي للمتغيرات، تقوم على البحث عن نقاط ارتكاز جديدة للمستقبل، بعيدًا عن منطق فائض القوة أو الرهان الدائم على اشتباكات كبرى لا يملك لبنان ترف تحمّل نتائجها.

لكن العامل الحاسم في هذا التحوّل يبقى مرتبطًا بمآل التفاوض الأميركي – الإيراني. فلبنان، شاء أم أبى، تحوّل إلى واحد من صناديق البريد المتبادلة بين واشنطن وطهران. فأي تقدم في عُمان نحو تفاهمات، ولو جزئية، سينعكس تلقائيًا تهدئة على الساحات المتصلة بإيران، وفي مقدمها الساحة اللبنانية. وأي تعثر أو انهيار للمسار التفاوضي سيعيد رفع منسوب التوتر، ويضع “حزب الله” أمام اختبار مزدوج بين الالتزام بحساباته الداخلية الضاغطة، وبين التزامه الاستراتيجي بمحور إقليمي قد يطلب منه أثمانًا جديدة.

من هنا تكتسب زيارة رعد بعبدا بعدًا يتجاوز الإطار البروتوكولي. فهي رسالة مزدوجة إلى الداخل اللبناني ومفادها أن “الحزب” لا يريد فتح جبهة سياسية مع رئاسة الجمهورية في لحظة إقليمية دقيقة، وإلى الخارج بأن الحزب يضبط إيقاعه في انتظار اتضاح صورة التفاوض. والبيان الذي تلاه رعد لم يكن مجرد كلام تهدوي، بل إعلان نية بإدارة مرحلة انتقالية عنوانها تخفيض الاحتكاك الداخلي إلى الحد الأدنى.

ولا يمكن إغفال أن اللقاء حصل في ظل قلق رسمي لبناني من احتمال توسّع المواجهة في المنطقة في حال فشلت مفاوضات عُمان أو تعرّضت لانتكاسة كبيرة. في هذا السياق، كان طبيعيًا أن يسعى محيط رئاسة الجمهورية إلى استيضاح موقف “الحزب”، وأن تترافق الزيارة مع رسائل غير مباشرة تدعو إلى تحييد لبنان عن أي حرب إقليمية جديدة، لأن كلفة الانخراط هذه المرة قد تكون وجودية، لا سياسية فقط.
لكن الواقعية تفرض الاعتراف بأن قرار تحييد لبنان لا يُتخذ في بيروت وحدها. فهو مرتبط إلى حد بعيد بطبيعة الصفقة أو اللاصفقة بين واشنطن وطهران. فإذا نجحت المفاوضات في إنتاج تسوية ما، فإن ذلك سيفتح نافذة لإعادة ترتيب الداخل اللبناني، بما في ذلك ملف السلاح ودور الدولة والعلاقة بين الرئاسات والقوى الكبرى. أما إذا سقط المسار التفاوضي، فإن كل التفاهمات الداخلية ستبقى هشّة، ومعلّقة على حافة انفجار إقليمي يمكن أن يعيد لبنان إلى مربع استخدامه ساحة رسائل بالنار.

لذلك، قد لا تكون زيارة رعد حدثًا استثنائيًا بحد ذاته، لكنها مؤشر على أن الجميع في لبنان باتوا يدوزنون أنفاسهم على إيقاع ما سيخرج من عُمان من نتائج. فاللبنانيون أمام هدنة سياسية داخلية مربوطة بساعة التفاوض الخارجي عنوانها “لا مصالحة نهائية ولا قطيعة مطلقة، بل إدارة انتظار ثقيل”.

فلبنان اليوم ليس فقط أسير أزماته الداخلية، بل أسير مفاوضات لا تجري على أرضه، لكنها تحدد مستقبله. وبين “بعبدا” و”حارة حريك” مساحة حوار مفتوحة، لكنها تبقى معلّقة بخيط رفيع يمتد من بيروت إلى مسقط مرورًا بواشنطن وطهران.

مفاوضات عُمان تفرض إيقاعها على “بعبدا” و”حارة حريك”

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
6 شباط 2026

بالتأكيد أنه لا يمكن فصل زيارة رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب الحاج محمد رعد لقصر بعبدا عن مسار المفاوضات الأميركية – الإيرانية في سلطنة عُمان، خصوصًا بعد الانحسار النسبي للحديث عن حرب كادت تندلع في لحظات إقليمية شديدة الحساسية. كما لا يمكن عزل هذه الزيارة عن النبرة اللينة، نسبيًا، التي اعتمدها الأمين العام لـ “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم في مواقفه الأخيرة. فمجمل هذه المؤشرات يشي، وفق قراءة أوساط سياسية متابعة، بأن الحزب بدأ فعلًا مرحلة مراجعة هادئة لما يجري حوله، في منطقة تعاد صياغة توازناتها على نار باردة، لكن ثابتة.

هذه القراءة تفترض، من حيث المبدأ، أن تكون “حارة حريك” قد قطعت شوطًا متقدمًا لا بأس به في رحلة الألف ميل نحو إعادة تقييم خياراتها، بعدما تلمّست مباشرة كلفة قرارها الأحادي في “مساندة غزة”، وما ترتب عليه من تداعيات إنسانية واجتماعية وأمنية على بيئتها الحاضنة. وهي، بحسب هذه الأوساط، دخلت مرحلة استيعاب واقعي للمتغيرات، تقوم على البحث عن نقاط ارتكاز جديدة للمستقبل، بعيدًا عن منطق فائض القوة أو الرهان الدائم على اشتباكات كبرى لا يملك لبنان ترف تحمّل نتائجها.

لكن العامل الحاسم في هذا التحوّل يبقى مرتبطًا بمآل التفاوض الأميركي – الإيراني. فلبنان، شاء أم أبى، تحوّل إلى واحد من صناديق البريد المتبادلة بين واشنطن وطهران. فأي تقدم في عُمان نحو تفاهمات، ولو جزئية، سينعكس تلقائيًا تهدئة على الساحات المتصلة بإيران، وفي مقدمها الساحة اللبنانية. وأي تعثر أو انهيار للمسار التفاوضي سيعيد رفع منسوب التوتر، ويضع “حزب الله” أمام اختبار مزدوج بين الالتزام بحساباته الداخلية الضاغطة، وبين التزامه الاستراتيجي بمحور إقليمي قد يطلب منه أثمانًا جديدة.

من هنا تكتسب زيارة رعد بعبدا بعدًا يتجاوز الإطار البروتوكولي. فهي رسالة مزدوجة إلى الداخل اللبناني ومفادها أن “الحزب” لا يريد فتح جبهة سياسية مع رئاسة الجمهورية في لحظة إقليمية دقيقة، وإلى الخارج بأن الحزب يضبط إيقاعه في انتظار اتضاح صورة التفاوض. والبيان الذي تلاه رعد لم يكن مجرد كلام تهدوي، بل إعلان نية بإدارة مرحلة انتقالية عنوانها تخفيض الاحتكاك الداخلي إلى الحد الأدنى.

ولا يمكن إغفال أن اللقاء حصل في ظل قلق رسمي لبناني من احتمال توسّع المواجهة في المنطقة في حال فشلت مفاوضات عُمان أو تعرّضت لانتكاسة كبيرة. في هذا السياق، كان طبيعيًا أن يسعى محيط رئاسة الجمهورية إلى استيضاح موقف “الحزب”، وأن تترافق الزيارة مع رسائل غير مباشرة تدعو إلى تحييد لبنان عن أي حرب إقليمية جديدة، لأن كلفة الانخراط هذه المرة قد تكون وجودية، لا سياسية فقط.
لكن الواقعية تفرض الاعتراف بأن قرار تحييد لبنان لا يُتخذ في بيروت وحدها. فهو مرتبط إلى حد بعيد بطبيعة الصفقة أو اللاصفقة بين واشنطن وطهران. فإذا نجحت المفاوضات في إنتاج تسوية ما، فإن ذلك سيفتح نافذة لإعادة ترتيب الداخل اللبناني، بما في ذلك ملف السلاح ودور الدولة والعلاقة بين الرئاسات والقوى الكبرى. أما إذا سقط المسار التفاوضي، فإن كل التفاهمات الداخلية ستبقى هشّة، ومعلّقة على حافة انفجار إقليمي يمكن أن يعيد لبنان إلى مربع استخدامه ساحة رسائل بالنار.

لذلك، قد لا تكون زيارة رعد حدثًا استثنائيًا بحد ذاته، لكنها مؤشر على أن الجميع في لبنان باتوا يدوزنون أنفاسهم على إيقاع ما سيخرج من عُمان من نتائج. فاللبنانيون أمام هدنة سياسية داخلية مربوطة بساعة التفاوض الخارجي عنوانها “لا مصالحة نهائية ولا قطيعة مطلقة، بل إدارة انتظار ثقيل”.

فلبنان اليوم ليس فقط أسير أزماته الداخلية، بل أسير مفاوضات لا تجري على أرضه، لكنها تحدد مستقبله. وبين “بعبدا” و”حارة حريك” مساحة حوار مفتوحة، لكنها تبقى معلّقة بخيط رفيع يمتد من بيروت إلى مسقط مرورًا بواشنطن وطهران.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار