برّي: الانتخابات في أيّار… ولن توقفها الشّكليّات القانونية!!

الكاتب: نقولا ناصيف | المصدر: اساس ميديا
6 شباط 2026

بصدور مرسوم دعوة الهيئات الناخبة، ومن بعده فتح باب الترشيحات، تصبح الانتخابات النيابيّة العامّة في أيّار المقبل محتملة أكثر منها واجبة وقاطعة. سبق أن خبر اللبنانيّون حالاً مماثلة عام 2013 كما لو أنّهم موشكون فعليّاً على الاستحقاق. في اليوم الأخير في العقد العاديّ الأوّل في 31 أيّار، مدّد مجلس النوّاب ولايته حتّى 20 تشرين الثاني 2014 بقانون رقمه 246. ذريعة تعطيل الانتخابات أمنيّة ووُضعت تحت نظريّة الظروف الاستثنائيّة. في انتخابات 2026 الذريعة مقلوبة.

 

لأنّ المعتاد في لبنان أنّ الاستثناء أبقى من القاعدة وأصلح منها، يكون الافتراض طبيعيّاً وحتميّاً. ما سُمع أخيراً على لسان المسؤولين الكبار معاكس تماماً. الرئيسان جوزف عون ونوّاف سلام متمسّكان بالمواعيد الجديدة للانتخابات النيابيّة بدءاً من 4 أيّار. في الاجتماع الأخير بين عون ورئيس البرلمان نبيه برّي قطعا بحصولها بلا تأجيل ولا تمديد.

عندما يُسأل برّي يجزم بحصولها. قبل أسابيع عندما صار إلى تداول فكرة تأجيل تقنيّ للانتخابات شهرين حدّاً أقصى لم يمانع مبدئيّاً، ثمّ توقّف عن الحديث عن أيّ تمديد قصير. في خلاصة ما يقوله رئيس البرلمان: “بين أيّار وتمّوز لن يتغيّر قانون الانتخاب، وسيظلّ كما هو الآن. سبق أن قدّمت عرضاً للّذين باتوا يعارضونه وكانوا وراءه قبلاً، يقضي بإلغاء المقاعد الستّة في الخارج مقابل اقتراع الاغتراب في الداخل، ووافقت على تأجيل تقنيّ محدود إفساحاً في المجال أمام تسهيل الاقتراع هنا، فلم يقبلوا. تراجعت الآن عن هذا العرض، ونحن ذاهبون إلى الانتخابات في موعدها وبالقانون النافذ. لن أدعو إلى أيّ جلسة لتعديل القانون. كلّ ما علينا أن نطبّقه فقط. هذا هو الحلّ الوحيد عندي. الانتخابات في أيّار. من المؤسف أنّنا سنجريها وفق القانون الحاليّ”.

عندما يُسأل عن المطلوب من الحكومة قبل الوصول إلى هذا الموعد يجيب: “بموجب القانون ليس لها أيّ شغل. ثمّة بضعة إجراءات يتّخذها وزيران فقط وليس الحكومة، وهما وزيرا الداخليّة والخارجيّة. عندما تظهر الترشيحات إلى العلن نستطيع القول إنّنا دخلنا جدّياً في الانتخابات. لسوء الحظّ لا أحد يتحدّث اليوم إلّا عن الانتخابات ويتناسون ما يجري من اعتداءات إسرائيليّة يوميّة في الجنوب”.

حصولها أهمّ من الشّكليّات

بيد أنّ برّي يثير، للمرّة الأولى، موقفاً غير مسبوق في مقاربة قانون الانتخاب وإجراء الانتخابات، بالقول إنّ “القرار السياسيّ بحصولها أهمّ بكثير من بعض الشكليّات التي يتضمّنها القانون. في اجتهادات المجالس الدستوريّة الدوليّة.

في الدول كلّها لا تقف الشكليّات في طريق أيّ استحقاق، وإن ظهرت فيه مخالفات. البطاقة الإلكترونيّة الممغنطة على سبيل المثال. تعذُّر تعديل البند المتعلّق بها لن يحول دون إجراء الانتخابات، ولن يوقفها حتماً. ما إن تحصل الانتخابات النيابيّة تكتسب شرعيّتها للفور لأنّها تعبّر عن الإرادة الشعبيّة. هل نتذكّر انتخابات 1992 والتشكُّك الذي رافقها حتّى حصولها؟ ما إن انتهت زال كلّه واكتسب المجلس النيابيّ المنتخَب شرعيّته كاملة”.

مؤدّى موقف رئيس البرلمان أنّ لبنان قد يشهد في أيّار انتخابات لا مثيل لها في تاريخه، منبثقة في جزء أساسيّ منها من قرار سياسيّ بإجرائها أيّاً تكن العراقيل وفي مواعيدها القانونيّة لا من الأحكام الواجبة التي ينصّ عليها قانون الانتخاب، تبعاً للمعطيات الآتية:

ـ وفق القانون النافذ رقم 44/2017 يجب انتخاب ستّة نوّاب قارّيّين منصوص عليهم في المادّة 112، يقترع لهم الانتشار في القارّات الستّ بحيث يرتفع معهم عدد أعضاء مجلس النوّاب من 128 إلى 134 نائباً في الدورة الجديدة المقبلة فقط، ثمّ في الدورة التالية يُخفض العدد إلى 128 بإلغاء ستّة مقاعد داخليّة. ما سيؤول إليه استحقاق أيّار انتخاب 128 نائباً فقط في مخالفة صريحة للقانون دونما أيّ تعديل يقدّم المسوّغ القانونيّ للمخالفة، وتالياً إلغاء انتخاب النوّاب الستّة بفعل أمر واقع ناجم عن خلاف سياسي، بينما يُلزم نصّ القانون بانتخابهم.

 

ـ بينما يقول القانون النافذ بانتخاب ستّة نوّاب قارّيّين يقترع لهم المنتشرون في مراكز مخصّصة في السفارات والقنصليّات على غرار انتخابات 2022، هؤلاء مدعوّون إلى الاقتراع من داخل لبنان لا في مقارّ انتشارهم، ومدعوّون إلى انتخاب 128 نائباً وطنيّاً لا النوّاب القارّيّين. حقّان لا يمنحهم إيّاهما القانون النافذ. في انتخابات 2022 أتاح تعديل قانون الانتخاب استثنائيّاً منحهم حقّ الاقتراع للنوّاب الـ128 وتأجيل التصويت للنوّاب القارّيّين إلى الدورة الحاليّة.

ـ المألوف في انتقاد نتائج أيّ انتخابات نيابيّة عامّة في لبنان على مرّ تاريخها، التشكُّك والطعن في إجراءات إدارة العمليّات الانتخابيّة وفرض الائتلافات والتلاعب بنتائجها والتسبّب بفوضاها، من ضمن التزام كامل لأحكام قانون الانتخاب، فيما اللبنانيّون قد يبصرون في المرحلة المقبلة شيئاً لا شبيه له. تجاهل بند رئيس كالبطاقة الإلكترونيّة الممغنطة المنصوص عليها في المادّة 84 في انتخابات 2018 و2022 صار إلى تعديل البند بتعليق العمل به استثنائيّاً على نحو يجعله نافذاً في الدورة التالية.

تجاوز لأعضاء المجلس

ما سيرافق هذا البند أنّ تطبيقه ملزم، مع ذلك سيُهمل كما لو أنّه لا وجود له. ثمّة تجاوز مماثل أكثر جسامة في مسألة تعتبر جوهريّة في قانون الانتخاب، وهي عدد الأعضاء الذين تتألّف منهم السلطة الاشتراعيّة البالغ 134 نائباً للدورة الجديدة فقط. أضف أنّ المغزى الدستوريّ للانتخابات النيابيّة العامّة ودوريّتها هو انبثاقها من السلطة الاشتراعيّة من خلال الحقوق المعطاة إلى الناخبين للتعبير عن إرادتهم.

ما يسري للمرّة الأولى على قانون الانتخاب بمخالفة قانونيّة صريحة، لا يزال لعقود يسري على قانون الموازنة العموميّة التي يصار إلى إقرارها بلا قطع حساب، وكلاهما متلازمان يفرضهما الدستور على السلطتين الإجرائيّة والاشتراعيّة.

في ذلك مغزى هو أنّ الاستثناء لا يصنع القاعدة فحسب، بل تتغلغل عدواه أيضاً.

برّي: الانتخابات في أيّار… ولن توقفها الشّكليّات القانونية!!

الكاتب: نقولا ناصيف | المصدر: اساس ميديا
6 شباط 2026

بصدور مرسوم دعوة الهيئات الناخبة، ومن بعده فتح باب الترشيحات، تصبح الانتخابات النيابيّة العامّة في أيّار المقبل محتملة أكثر منها واجبة وقاطعة. سبق أن خبر اللبنانيّون حالاً مماثلة عام 2013 كما لو أنّهم موشكون فعليّاً على الاستحقاق. في اليوم الأخير في العقد العاديّ الأوّل في 31 أيّار، مدّد مجلس النوّاب ولايته حتّى 20 تشرين الثاني 2014 بقانون رقمه 246. ذريعة تعطيل الانتخابات أمنيّة ووُضعت تحت نظريّة الظروف الاستثنائيّة. في انتخابات 2026 الذريعة مقلوبة.

 

لأنّ المعتاد في لبنان أنّ الاستثناء أبقى من القاعدة وأصلح منها، يكون الافتراض طبيعيّاً وحتميّاً. ما سُمع أخيراً على لسان المسؤولين الكبار معاكس تماماً. الرئيسان جوزف عون ونوّاف سلام متمسّكان بالمواعيد الجديدة للانتخابات النيابيّة بدءاً من 4 أيّار. في الاجتماع الأخير بين عون ورئيس البرلمان نبيه برّي قطعا بحصولها بلا تأجيل ولا تمديد.

عندما يُسأل برّي يجزم بحصولها. قبل أسابيع عندما صار إلى تداول فكرة تأجيل تقنيّ للانتخابات شهرين حدّاً أقصى لم يمانع مبدئيّاً، ثمّ توقّف عن الحديث عن أيّ تمديد قصير. في خلاصة ما يقوله رئيس البرلمان: “بين أيّار وتمّوز لن يتغيّر قانون الانتخاب، وسيظلّ كما هو الآن. سبق أن قدّمت عرضاً للّذين باتوا يعارضونه وكانوا وراءه قبلاً، يقضي بإلغاء المقاعد الستّة في الخارج مقابل اقتراع الاغتراب في الداخل، ووافقت على تأجيل تقنيّ محدود إفساحاً في المجال أمام تسهيل الاقتراع هنا، فلم يقبلوا. تراجعت الآن عن هذا العرض، ونحن ذاهبون إلى الانتخابات في موعدها وبالقانون النافذ. لن أدعو إلى أيّ جلسة لتعديل القانون. كلّ ما علينا أن نطبّقه فقط. هذا هو الحلّ الوحيد عندي. الانتخابات في أيّار. من المؤسف أنّنا سنجريها وفق القانون الحاليّ”.

عندما يُسأل عن المطلوب من الحكومة قبل الوصول إلى هذا الموعد يجيب: “بموجب القانون ليس لها أيّ شغل. ثمّة بضعة إجراءات يتّخذها وزيران فقط وليس الحكومة، وهما وزيرا الداخليّة والخارجيّة. عندما تظهر الترشيحات إلى العلن نستطيع القول إنّنا دخلنا جدّياً في الانتخابات. لسوء الحظّ لا أحد يتحدّث اليوم إلّا عن الانتخابات ويتناسون ما يجري من اعتداءات إسرائيليّة يوميّة في الجنوب”.

حصولها أهمّ من الشّكليّات

بيد أنّ برّي يثير، للمرّة الأولى، موقفاً غير مسبوق في مقاربة قانون الانتخاب وإجراء الانتخابات، بالقول إنّ “القرار السياسيّ بحصولها أهمّ بكثير من بعض الشكليّات التي يتضمّنها القانون. في اجتهادات المجالس الدستوريّة الدوليّة.

في الدول كلّها لا تقف الشكليّات في طريق أيّ استحقاق، وإن ظهرت فيه مخالفات. البطاقة الإلكترونيّة الممغنطة على سبيل المثال. تعذُّر تعديل البند المتعلّق بها لن يحول دون إجراء الانتخابات، ولن يوقفها حتماً. ما إن تحصل الانتخابات النيابيّة تكتسب شرعيّتها للفور لأنّها تعبّر عن الإرادة الشعبيّة. هل نتذكّر انتخابات 1992 والتشكُّك الذي رافقها حتّى حصولها؟ ما إن انتهت زال كلّه واكتسب المجلس النيابيّ المنتخَب شرعيّته كاملة”.

مؤدّى موقف رئيس البرلمان أنّ لبنان قد يشهد في أيّار انتخابات لا مثيل لها في تاريخه، منبثقة في جزء أساسيّ منها من قرار سياسيّ بإجرائها أيّاً تكن العراقيل وفي مواعيدها القانونيّة لا من الأحكام الواجبة التي ينصّ عليها قانون الانتخاب، تبعاً للمعطيات الآتية:

ـ وفق القانون النافذ رقم 44/2017 يجب انتخاب ستّة نوّاب قارّيّين منصوص عليهم في المادّة 112، يقترع لهم الانتشار في القارّات الستّ بحيث يرتفع معهم عدد أعضاء مجلس النوّاب من 128 إلى 134 نائباً في الدورة الجديدة المقبلة فقط، ثمّ في الدورة التالية يُخفض العدد إلى 128 بإلغاء ستّة مقاعد داخليّة. ما سيؤول إليه استحقاق أيّار انتخاب 128 نائباً فقط في مخالفة صريحة للقانون دونما أيّ تعديل يقدّم المسوّغ القانونيّ للمخالفة، وتالياً إلغاء انتخاب النوّاب الستّة بفعل أمر واقع ناجم عن خلاف سياسي، بينما يُلزم نصّ القانون بانتخابهم.

 

ـ بينما يقول القانون النافذ بانتخاب ستّة نوّاب قارّيّين يقترع لهم المنتشرون في مراكز مخصّصة في السفارات والقنصليّات على غرار انتخابات 2022، هؤلاء مدعوّون إلى الاقتراع من داخل لبنان لا في مقارّ انتشارهم، ومدعوّون إلى انتخاب 128 نائباً وطنيّاً لا النوّاب القارّيّين. حقّان لا يمنحهم إيّاهما القانون النافذ. في انتخابات 2022 أتاح تعديل قانون الانتخاب استثنائيّاً منحهم حقّ الاقتراع للنوّاب الـ128 وتأجيل التصويت للنوّاب القارّيّين إلى الدورة الحاليّة.

ـ المألوف في انتقاد نتائج أيّ انتخابات نيابيّة عامّة في لبنان على مرّ تاريخها، التشكُّك والطعن في إجراءات إدارة العمليّات الانتخابيّة وفرض الائتلافات والتلاعب بنتائجها والتسبّب بفوضاها، من ضمن التزام كامل لأحكام قانون الانتخاب، فيما اللبنانيّون قد يبصرون في المرحلة المقبلة شيئاً لا شبيه له. تجاهل بند رئيس كالبطاقة الإلكترونيّة الممغنطة المنصوص عليها في المادّة 84 في انتخابات 2018 و2022 صار إلى تعديل البند بتعليق العمل به استثنائيّاً على نحو يجعله نافذاً في الدورة التالية.

تجاوز لأعضاء المجلس

ما سيرافق هذا البند أنّ تطبيقه ملزم، مع ذلك سيُهمل كما لو أنّه لا وجود له. ثمّة تجاوز مماثل أكثر جسامة في مسألة تعتبر جوهريّة في قانون الانتخاب، وهي عدد الأعضاء الذين تتألّف منهم السلطة الاشتراعيّة البالغ 134 نائباً للدورة الجديدة فقط. أضف أنّ المغزى الدستوريّ للانتخابات النيابيّة العامّة ودوريّتها هو انبثاقها من السلطة الاشتراعيّة من خلال الحقوق المعطاة إلى الناخبين للتعبير عن إرادتهم.

ما يسري للمرّة الأولى على قانون الانتخاب بمخالفة قانونيّة صريحة، لا يزال لعقود يسري على قانون الموازنة العموميّة التي يصار إلى إقرارها بلا قطع حساب، وكلاهما متلازمان يفرضهما الدستور على السلطتين الإجرائيّة والاشتراعيّة.

في ذلك مغزى هو أنّ الاستثناء لا يصنع القاعدة فحسب، بل تتغلغل عدواه أيضاً.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار