إذا لم يصغِ المستقبل إلى جمهوره…

إذا لم يصغِ المستقبل إلى جمهوره...
الكاتب: مريم مجدولين اللحام | المصدر: نداء الوطن
6 شباط 2026

ليس ثمة ما يكشف صوت الشارع السّني مثل اللحظات التي يختل فيها توازن شعار “لبنان أولًا”. فهو الشعار الفصل عند القاعدة الشعبية العريضة. وفي تلك المسافة الهشة بين رمزية “تيار المستقبل” كحزب حريري الهوى وما يُتداول إعلاميًا عن اتفاق مزعوم بين أحمد الحريري و “حزب الله”- وهو ما نفاه الأخير – تتجلّى حقيقة فجّة لا لُبس فيها، مُجرّدة من المساحيق والمجاملات: “لن يقبل سنة لبنان، بأي تخريجة تُطرح لاحقًا، التحالف مع قتلة الشهيد رفيق الحريري”.

التحالف الذي لا يحتمل جوهر الصراع السياسي بين “المستقبل” و “الحزب”، ليس تحالفًا مُربحًا، بقدر ما هو حلفٌ مؤذٍ. كثيرون يخلطون بين تحالفات الانتخابات البلدية فيظنون أن من صالِح “تيار المستقبل” الاستفادة من رافعة “آل 7 أيار” الانتخابية في بيروت… والحقيقة أن “حزب الله” هو المأزوم في المعادلة لا العكس. وأن التحالف القسريّ للجميع في الانتخابات البلدية جاء ليمنع مشروع تقسيم بلدية بيروت. والشرعية الفعلية داخل البيئة السنية لا تُستمد من المناورات السياسية الضيّقة أو التفاهمات الظرفية، بل من الذاكرة الجماعية والثوابت الوجدانية.

وما قضية انفجار مرفأ بيروت إلا خط أحمر سياسيًا وأخلاقيًا، لا يمكن تجاوزه بخطاب براغماتي أو تسويات مع مَن وقف في وجه العدالة، هذا ما لم نسائله عن النيترات. ومن هنا، فإن أي محاولة لإعادة التموضع السياسي لـ “تيار المستقبل” من دون مراعاة العامل الشعبي العام، تُعد فاقدة للشرعية والعقل، حتى لو امتلكت غطاءً إقليميًا أو عربيًا. التحالف الانتخابي مع “حزب الله” لا يُقرأ سُنًا كبراغماتية سياسية، إنما يُترجم قطيعة مع السردية التأسيسية للحريرية نفسها، التي طالبت وتطالب بالعدالة للمساجين والسيادة للدولة وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني.

التهذيب كأداة اختراق

الأخطر في ماكينة “حزب الله” الإعلامية، ذلك الدعم المموّه بالتهذيب المُفاجئ. تهذيب انتقائي ممنهج يؤكده كلام أمين عام “تيار المستقبل” أحمد الحريري في أحد اجتماعاته المحليّة الذي قال شاهد لصالح الخصم إنه “ليس من المعقول دفاع الوزير وئام وهاب عن سعد الحريري، مع أننا ليس لنا عليه حقّ، وفي المقابل لا نجد أحدًا ممن لسعد الحريري فضلٌ عليهم يخرج للدفاع عنه”. شهادة سياسية مجانية، يتأكد منها المناصرون بأن خنجرًا مخفيًا مؤجّلًا ينتظر سنة لبنان مجدّدًا، إن صحّ ما يُتداول عن اتفاق انتخابيّ بين النقيضين، على الرغم من “نفي المرحلة الانتقالية” لانفيًا قاطعًا.

ليس المطلوب الالتحاق برافعة اقتراع من نَشَر هاشتاغ “من قتلناه يستحق”، ووصم داعمي الثورة السورية بالإرهاب وكان فاعلًا في سجن أبنائهم وسبع من مشايخهم. المطلوب وحدة الصّف وإنصاف دم شهداء الرابع عشر من آذار. ولا يكون ذلك بالتحالف الانتخابي مع “حزب الله” كهدية تفتح فصلًا جديدًا من فصول متلازمة ستوكهولم.

يُغري “حزب الله” تيار المستقبل بسهولة استعادة “موقعه الطبيعي”، ويمنحه شعورًا زائفًا بالنُصرة، ويجعل الصف القيادي، يعتقد أن امتلاك بطاقة حزب الله “بتكليفه الشرعي” يعني امتلاك الأحقية، وأن استمالتهم تعني صواب الموقف. مع هذه المشهدية المُتقنة، تتقدّم الاصطفافات العاطفية بخفة لافتة؛ باصطفاف “إسلاميّ” لا يستند إلى مبادئ وطنية، إنما إلى مصالح آنية مُشتركة ومُتقلّبة، بين النقيضين اللذين لا يجمع بينهما سوى واقع أن أحدهما ولي الدم والآخر وليّ السلاح. التحاق باللاشيء إلا الخسارة الحتميّة.

جمهور بلا تمثيل وتمثيل بلا جمهور

“حزب الله” لا يحتاج جمهور “المستقبل”، بل يحتاج شرعيته السنيّة، يحتاج إلى صورة اللحمة الأخوية في زمن “ما بعد نصرالله”، وإلى لقطة التعاضد الشيعي – السني، وخطاب “نحن معًا في وجه الخارج الذي حاربكم واليوم يُحاربُنا”. فاستعادة شريك سني كبير تعني لـ “حزب الله” خفض منسوب العزلة العربية، وتخفيف الضغط الدولي، وإعادة تسويقه كلاعب لبناني لا كذراع إيرانية معزولة. نوع مُحدّث من إدارة الخسائر.

“حزب الله” اليوم في لحظة انكشاف سياسي، إذ خسر “التيار الوطني الحر” كحليف مسيحي وازن وغطاء عابر للطوائف وجبران باسيل لم يعد قادرًا ولا راغبًا بلعب دور المظلّة المسيحية لسلاح “الحزب”. هنا بدأ البحث المحموم عن بديل والبديل الطبيعي، حسابيًا لا عاطفيًا، هو تيار المستقبل.

وكذلك يبحث “حزب الله” تثبيت فكرة أن لا سياسة خارج معادلته وأن حتى خصومه التاريخيين، حين تُستنزف خياراتهم، يعودون إليه وهذا أخطر من التحالف نفسه، لأنه يحوّل الضحية إلى دليل على حتمية السلاح.

واللافت أنه وللمرة الأولى منذ سنوات، يتكلم “حزب الله” في تقرّبه من “تيار المستقبل” بمنطق الضحية لا بمنطق المنتصر بعد أن استنزفت حرب الجنوب رصيده الشعبي، وخنقت العقوبات شبكاته فيما أُرهقت البيئة الشيعية اقتصاديًا والغطاء المسيحي تبخر. اللافت أنه انتقل إلى وحدة المصير، ولا ترجمة لذلك عمليًا إلا خطة “تعالوا نعيد تدوير المستقبل”. وفي السياسة، كما في التاريخ، لا يُعيد زخم المستقبل من يتخلّى عن سرديته، بل من يصونها ولو خسر ما يظنه فرصة وربح ناسه.

غير أن هذا الخيار الفروسيّ لن يجد له مُتابعًا. أحيانًا لا تتحالف لأنك تريد، بل لأنك لم تُترك لك بدائل، و “تيار المستقبل” يُروّج لفكرة أنه عُزل وحيدًا عوضًا عن الاعتراف بأنه عُزل لخياراته، اختار أن ينقرض سياسيًا، فهل يُكرّر الخطأ الجسيم مجددًا؟

إذا لم يصغِ المستقبل إلى جمهوره…

إذا لم يصغِ المستقبل إلى جمهوره...
الكاتب: مريم مجدولين اللحام | المصدر: نداء الوطن
6 شباط 2026

ليس ثمة ما يكشف صوت الشارع السّني مثل اللحظات التي يختل فيها توازن شعار “لبنان أولًا”. فهو الشعار الفصل عند القاعدة الشعبية العريضة. وفي تلك المسافة الهشة بين رمزية “تيار المستقبل” كحزب حريري الهوى وما يُتداول إعلاميًا عن اتفاق مزعوم بين أحمد الحريري و “حزب الله”- وهو ما نفاه الأخير – تتجلّى حقيقة فجّة لا لُبس فيها، مُجرّدة من المساحيق والمجاملات: “لن يقبل سنة لبنان، بأي تخريجة تُطرح لاحقًا، التحالف مع قتلة الشهيد رفيق الحريري”.

التحالف الذي لا يحتمل جوهر الصراع السياسي بين “المستقبل” و “الحزب”، ليس تحالفًا مُربحًا، بقدر ما هو حلفٌ مؤذٍ. كثيرون يخلطون بين تحالفات الانتخابات البلدية فيظنون أن من صالِح “تيار المستقبل” الاستفادة من رافعة “آل 7 أيار” الانتخابية في بيروت… والحقيقة أن “حزب الله” هو المأزوم في المعادلة لا العكس. وأن التحالف القسريّ للجميع في الانتخابات البلدية جاء ليمنع مشروع تقسيم بلدية بيروت. والشرعية الفعلية داخل البيئة السنية لا تُستمد من المناورات السياسية الضيّقة أو التفاهمات الظرفية، بل من الذاكرة الجماعية والثوابت الوجدانية.

وما قضية انفجار مرفأ بيروت إلا خط أحمر سياسيًا وأخلاقيًا، لا يمكن تجاوزه بخطاب براغماتي أو تسويات مع مَن وقف في وجه العدالة، هذا ما لم نسائله عن النيترات. ومن هنا، فإن أي محاولة لإعادة التموضع السياسي لـ “تيار المستقبل” من دون مراعاة العامل الشعبي العام، تُعد فاقدة للشرعية والعقل، حتى لو امتلكت غطاءً إقليميًا أو عربيًا. التحالف الانتخابي مع “حزب الله” لا يُقرأ سُنًا كبراغماتية سياسية، إنما يُترجم قطيعة مع السردية التأسيسية للحريرية نفسها، التي طالبت وتطالب بالعدالة للمساجين والسيادة للدولة وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني.

التهذيب كأداة اختراق

الأخطر في ماكينة “حزب الله” الإعلامية، ذلك الدعم المموّه بالتهذيب المُفاجئ. تهذيب انتقائي ممنهج يؤكده كلام أمين عام “تيار المستقبل” أحمد الحريري في أحد اجتماعاته المحليّة الذي قال شاهد لصالح الخصم إنه “ليس من المعقول دفاع الوزير وئام وهاب عن سعد الحريري، مع أننا ليس لنا عليه حقّ، وفي المقابل لا نجد أحدًا ممن لسعد الحريري فضلٌ عليهم يخرج للدفاع عنه”. شهادة سياسية مجانية، يتأكد منها المناصرون بأن خنجرًا مخفيًا مؤجّلًا ينتظر سنة لبنان مجدّدًا، إن صحّ ما يُتداول عن اتفاق انتخابيّ بين النقيضين، على الرغم من “نفي المرحلة الانتقالية” لانفيًا قاطعًا.

ليس المطلوب الالتحاق برافعة اقتراع من نَشَر هاشتاغ “من قتلناه يستحق”، ووصم داعمي الثورة السورية بالإرهاب وكان فاعلًا في سجن أبنائهم وسبع من مشايخهم. المطلوب وحدة الصّف وإنصاف دم شهداء الرابع عشر من آذار. ولا يكون ذلك بالتحالف الانتخابي مع “حزب الله” كهدية تفتح فصلًا جديدًا من فصول متلازمة ستوكهولم.

يُغري “حزب الله” تيار المستقبل بسهولة استعادة “موقعه الطبيعي”، ويمنحه شعورًا زائفًا بالنُصرة، ويجعل الصف القيادي، يعتقد أن امتلاك بطاقة حزب الله “بتكليفه الشرعي” يعني امتلاك الأحقية، وأن استمالتهم تعني صواب الموقف. مع هذه المشهدية المُتقنة، تتقدّم الاصطفافات العاطفية بخفة لافتة؛ باصطفاف “إسلاميّ” لا يستند إلى مبادئ وطنية، إنما إلى مصالح آنية مُشتركة ومُتقلّبة، بين النقيضين اللذين لا يجمع بينهما سوى واقع أن أحدهما ولي الدم والآخر وليّ السلاح. التحاق باللاشيء إلا الخسارة الحتميّة.

جمهور بلا تمثيل وتمثيل بلا جمهور

“حزب الله” لا يحتاج جمهور “المستقبل”، بل يحتاج شرعيته السنيّة، يحتاج إلى صورة اللحمة الأخوية في زمن “ما بعد نصرالله”، وإلى لقطة التعاضد الشيعي – السني، وخطاب “نحن معًا في وجه الخارج الذي حاربكم واليوم يُحاربُنا”. فاستعادة شريك سني كبير تعني لـ “حزب الله” خفض منسوب العزلة العربية، وتخفيف الضغط الدولي، وإعادة تسويقه كلاعب لبناني لا كذراع إيرانية معزولة. نوع مُحدّث من إدارة الخسائر.

“حزب الله” اليوم في لحظة انكشاف سياسي، إذ خسر “التيار الوطني الحر” كحليف مسيحي وازن وغطاء عابر للطوائف وجبران باسيل لم يعد قادرًا ولا راغبًا بلعب دور المظلّة المسيحية لسلاح “الحزب”. هنا بدأ البحث المحموم عن بديل والبديل الطبيعي، حسابيًا لا عاطفيًا، هو تيار المستقبل.

وكذلك يبحث “حزب الله” تثبيت فكرة أن لا سياسة خارج معادلته وأن حتى خصومه التاريخيين، حين تُستنزف خياراتهم، يعودون إليه وهذا أخطر من التحالف نفسه، لأنه يحوّل الضحية إلى دليل على حتمية السلاح.

واللافت أنه وللمرة الأولى منذ سنوات، يتكلم “حزب الله” في تقرّبه من “تيار المستقبل” بمنطق الضحية لا بمنطق المنتصر بعد أن استنزفت حرب الجنوب رصيده الشعبي، وخنقت العقوبات شبكاته فيما أُرهقت البيئة الشيعية اقتصاديًا والغطاء المسيحي تبخر. اللافت أنه انتقل إلى وحدة المصير، ولا ترجمة لذلك عمليًا إلا خطة “تعالوا نعيد تدوير المستقبل”. وفي السياسة، كما في التاريخ، لا يُعيد زخم المستقبل من يتخلّى عن سرديته، بل من يصونها ولو خسر ما يظنه فرصة وربح ناسه.

غير أن هذا الخيار الفروسيّ لن يجد له مُتابعًا. أحيانًا لا تتحالف لأنك تريد، بل لأنك لم تُترك لك بدائل، و “تيار المستقبل” يُروّج لفكرة أنه عُزل وحيدًا عوضًا عن الاعتراف بأنه عُزل لخياراته، اختار أن ينقرض سياسيًا، فهل يُكرّر الخطأ الجسيم مجددًا؟

مزيد من الأخبار