صفحة جديدة في “القرض الحسن”: متضرّرو الحرب ينتظرون أموالهم

القرض الحسن 3
الكاتب: خضر حسان | المصدر: المدن
7 شباط 2026

اعتقد الجنوبيون أنّ الأضرار التي ستخلّفها الاعتداءات الإسرائيلية ستكون بمثابة غبار يُنفَض بعد الحرب، فيستأنفون أعمالهم وحياتهم اليومية بعد أن يقف الجنوب على قدميه إثر حملة إعادة إعمار سريعة، على غرار ما حصل خلال حرب تموز 2006. لكن هذه المرّة مغايرة تماماً لما سبق، فبات الهَمّ الأكبر هو تأمين الإيجارات الشهرية للمنازل التي استأجرها النازحون في القرى والمدن الآمنة، لأنّ الحديث عن العودة وإعادة البناء بات رهن السياسات الدولية. فضلاً عن تأمين كلفة شراء أثاث جديد عوض ما أُتلِفَ تحت الأنقاض. علَّ تلك التعويضات تُعين المتضرّرين إلى حين العودة بعد انتهاء المحنة المستمرّة منذ 8 تشرين الأوّل 2023.

استئناف قَلِق

في فترة ما سمّي بعملية الإسناد، وقبل الانزلاق إلى الحرب المفتوحة التي انفجرت في 23 أيلول 2024، التزم حزب الله بدفع الإيجارات الشهرية للنازحين من القرى الحدودية، وسمّاها بدلات إيواء، إضافة إلى التزامه بدفع بدلات الأثاث. ومع اشتداد القصف الذي طال قرى غير حدودية، كان الحزب يتكفّل بدفع بدلات الترميم، وكل ذلك عبر شيكات صادرة عن مؤسسة القرض الحسن، يقبضها أصحاب المستحقات من فروع المؤسسة، وفق مناطق السكن.

لكن بعد موجة تسديد كبيرة للمستحقات استمرَّت بين فترة ما بعد الحرب التي توقّفت في 27 تشرين الثاني 2024، وبداية العام 2025، بدأت مرحلة تقنين الدفع، وصولاً إلى التجميد الأوّل للدفع من نهاية كانون الثاني إلى 10 شباط 2025، إذ أعلنت مؤسسة القرض الحسن تعليق صرف قيمة الشيكات الموزّعة على المستحقّين.

استأنفَت المؤسسة صرف الشيكات، لتقرّر “لجنة التعويضات المركزية”، مرّة أخرى “تأجيل صرف كمبيالات أشرف الناس من 29 آذار حتى 15 نيسان 2025″، وفق ما جاء في بيان لمؤسسة القرض الحسن. أمّا التجميد الأخير، فبدأ في 23 حزيران من العام نفسه “وحتى إشعار آخر”. وهذا التجميد شمل التوقّف عن تسديد مستحقات الترميم والأثاث والإيواء.

بعد نحو 7 أشهر، قرّرت “لجنة التعويضات المركزية” في الحزب، دفع مستحقات الإيواء “عن ثلاثة أشهر فقط، اعتباراً من يوم الإثنين 9 شباط 2026″، بحسب ما جاء في بيان لـ”القرض الحسن”، لفت النظر إلى أنّ الشيكات المخصّصة لدفع هذه المستحقات “هي ذات لون مختلف ومكتوب عليها: خاص إيواء”. على أنّ الشيكات المخصّصة للتعويضات السابقة “تبقى مجمّدة الدفع بانتظار صدور قرار بشأنها لاحقاً من الجهات المعنية”.

بالرغم من إيجابية استئناف الدفع بالنسبة للذين دمّرت بيوتهم من نازحين وأبناء قرى غير حدودية، والمضطرين إلى دفع إيجارات المنازل، تدور حول الاستئناف المؤقّت علامات استفهام تثير القلق، لا سيّما وأنّ الدفع سيشمل 3 أشهر فقط، ويؤجّل البتّ بالمستحقات السابقة، فضلاً عن البتّ بالأشهر التي تلي نيسان المقبل، إذ تشمل البدلات المنتظرة أشهر شباط، آذار ونيسان فقط.

صفحة جديدة

بهذا الاستئناف المؤقَّت والحذر، يفتح حزب الله صفحة جديدة في ملفّ دفع المستحقات للنازحين والمتضرّرين من الحرب. صفحة يصفها بعض نازحي القرى الحدودية، بأنّها “تعكس الواقع الجديد للحزب بعد الحرب”. ويرى هؤلاء في حديث لـ”المدن” أنّ “تقنين الدفع وإصدار شيكات جديدة وتأجيل دفع المستحقات السابقة، يعني على الأغلب أنّ الموارد المالية للحزب لم تعد تستوعب الضغط الكبير للتكاليف الواجب دفعها للنازحين، خصوصاً وأنّ تداعيات الحرب والنزوح لم تنتهِ بعد، وهذا ما يعني ترتيب أكلاف مفتوحة”.

ويتساءل النازحون عن مصير المستحقات السابقة، وعلى الأقل مستحقات إيجار الشهر الأخير من العام الماضي والشهر الأوّل من العام الحالي. علماً أنّ بعض النازحين والمتضرّرين قبضوا ما يغطّي قيمة الإيجارات حتى شهر 11 من العام الماضي.

بين الترحيب بما سيُدفَع والامتعاض من عدم تسديد المستحقات السابقة والقلق على مصير المستحقات المستقبلية، لا يُخفي أصحاب الحقوق حاجتهم للمبالغ المالية التي “وَعَدَنا بها الحزب منذ مرحلة الإسناد وخلال الحرب”. ويُجمع هؤلاء على أنّ “المشكلة لا تقف عند دفع بدلات الإيواء فقط، فحتى لو استأنفَ الحزب دفعها شهرياً من دون انقطاع، فهي في الأصل لا تكفي، إذ لا تغطّي هذه المبالغ مصاريف المنازل. فالبدلات المدفوعة تتراوح بين نحو 300 دولار شهرياً للمنازل في القرى، ونحو 500 دولار في بيروت وبعض المدن الأخرى، في حين أنّ إيجارات بعض المنازل أعلى ممّا يُدفَع. كما أنّ البدلات لا تغطّي كلفة الكهرباء، بين كهرباء الدولة واشتراك المولّدات الخاصة، فضلاً عن كلفة المياه والانترنت، وهي مستلزمات أساسية لكل عائلة. علماً أنّ الكثير من النازحين لا يعملون، أو يعملون بشكل متقطّع، وبالكاد يؤمّنون قوت عائلاتهم ومصاريف المدارس، لأننا اليوم مضطرون للتكيّف ومحاولة العيش بشكل طبيعي وكأنّنا في قرانا، لأن العودة لا تزال بعيدة”.

وسط القلق والتساؤلات، ترتفع حدّة الاعتراض لدى النازحين الذين لا يزالون في المدارس، خصوصاً في منطقة صور. وهؤلاء يعيشون في “حرب دائمة” وفق ما يقولونه لـِ “المدن”. إذ أنّ “أبناء القرى غير الحدودية عادوا إلى منازلهم، وحزب الله وَعَدَنا بأنّ قرانا ستعود أجمل ممّا كانت، فيما لا نزال نعيش في المدارس ومراكز الإيواء بعيداً من منازلنا، واحتمالات العودة تتراجع مع الوقت. واليوم يستأنف الحزب دفع بدلات الإيواء لثلاثة أشهر “ونحن نستفيد منها لتغطية مصاريفنا. فمع أنّنا لا ندفع إيجارات في المدارس، لكنّه خيار أخذناه لتوفير المال لأطفالنا، علماً أنّ الحياة التي نعيشها هنا تشبه حياة المشرّدين، بعدما كنّا معزّزين مكرّمين في منازلنا وأراضينا. وبالإضافة إلى كلّ ذلك، فإنّ استئناف الدفع قد لا يتجاوز الأشهر الثلاثة، فماذا بعد ذلك؟”.

تضع الشيكات الجديدة حدّاً فاصلاً بين المرحلة السابقة والحالية. إذ يلتزم الحزب بدفع مبالغ مالية يحدّدها وفق قدراته المالية الراهنة وترتيباته الداخلية، ويحيل الإلتزامات السابقة إلى الزمن، ما يترك الاحتمالات مفتوحة على المجهول، لينتظر المتضرّرون أموالهم وينتظر النازحون عودتهم.

صفحة جديدة في “القرض الحسن”: متضرّرو الحرب ينتظرون أموالهم

القرض الحسن 3
الكاتب: خضر حسان | المصدر: المدن
7 شباط 2026

اعتقد الجنوبيون أنّ الأضرار التي ستخلّفها الاعتداءات الإسرائيلية ستكون بمثابة غبار يُنفَض بعد الحرب، فيستأنفون أعمالهم وحياتهم اليومية بعد أن يقف الجنوب على قدميه إثر حملة إعادة إعمار سريعة، على غرار ما حصل خلال حرب تموز 2006. لكن هذه المرّة مغايرة تماماً لما سبق، فبات الهَمّ الأكبر هو تأمين الإيجارات الشهرية للمنازل التي استأجرها النازحون في القرى والمدن الآمنة، لأنّ الحديث عن العودة وإعادة البناء بات رهن السياسات الدولية. فضلاً عن تأمين كلفة شراء أثاث جديد عوض ما أُتلِفَ تحت الأنقاض. علَّ تلك التعويضات تُعين المتضرّرين إلى حين العودة بعد انتهاء المحنة المستمرّة منذ 8 تشرين الأوّل 2023.

استئناف قَلِق

في فترة ما سمّي بعملية الإسناد، وقبل الانزلاق إلى الحرب المفتوحة التي انفجرت في 23 أيلول 2024، التزم حزب الله بدفع الإيجارات الشهرية للنازحين من القرى الحدودية، وسمّاها بدلات إيواء، إضافة إلى التزامه بدفع بدلات الأثاث. ومع اشتداد القصف الذي طال قرى غير حدودية، كان الحزب يتكفّل بدفع بدلات الترميم، وكل ذلك عبر شيكات صادرة عن مؤسسة القرض الحسن، يقبضها أصحاب المستحقات من فروع المؤسسة، وفق مناطق السكن.

لكن بعد موجة تسديد كبيرة للمستحقات استمرَّت بين فترة ما بعد الحرب التي توقّفت في 27 تشرين الثاني 2024، وبداية العام 2025، بدأت مرحلة تقنين الدفع، وصولاً إلى التجميد الأوّل للدفع من نهاية كانون الثاني إلى 10 شباط 2025، إذ أعلنت مؤسسة القرض الحسن تعليق صرف قيمة الشيكات الموزّعة على المستحقّين.

استأنفَت المؤسسة صرف الشيكات، لتقرّر “لجنة التعويضات المركزية”، مرّة أخرى “تأجيل صرف كمبيالات أشرف الناس من 29 آذار حتى 15 نيسان 2025″، وفق ما جاء في بيان لمؤسسة القرض الحسن. أمّا التجميد الأخير، فبدأ في 23 حزيران من العام نفسه “وحتى إشعار آخر”. وهذا التجميد شمل التوقّف عن تسديد مستحقات الترميم والأثاث والإيواء.

بعد نحو 7 أشهر، قرّرت “لجنة التعويضات المركزية” في الحزب، دفع مستحقات الإيواء “عن ثلاثة أشهر فقط، اعتباراً من يوم الإثنين 9 شباط 2026″، بحسب ما جاء في بيان لـ”القرض الحسن”، لفت النظر إلى أنّ الشيكات المخصّصة لدفع هذه المستحقات “هي ذات لون مختلف ومكتوب عليها: خاص إيواء”. على أنّ الشيكات المخصّصة للتعويضات السابقة “تبقى مجمّدة الدفع بانتظار صدور قرار بشأنها لاحقاً من الجهات المعنية”.

بالرغم من إيجابية استئناف الدفع بالنسبة للذين دمّرت بيوتهم من نازحين وأبناء قرى غير حدودية، والمضطرين إلى دفع إيجارات المنازل، تدور حول الاستئناف المؤقّت علامات استفهام تثير القلق، لا سيّما وأنّ الدفع سيشمل 3 أشهر فقط، ويؤجّل البتّ بالمستحقات السابقة، فضلاً عن البتّ بالأشهر التي تلي نيسان المقبل، إذ تشمل البدلات المنتظرة أشهر شباط، آذار ونيسان فقط.

صفحة جديدة

بهذا الاستئناف المؤقَّت والحذر، يفتح حزب الله صفحة جديدة في ملفّ دفع المستحقات للنازحين والمتضرّرين من الحرب. صفحة يصفها بعض نازحي القرى الحدودية، بأنّها “تعكس الواقع الجديد للحزب بعد الحرب”. ويرى هؤلاء في حديث لـ”المدن” أنّ “تقنين الدفع وإصدار شيكات جديدة وتأجيل دفع المستحقات السابقة، يعني على الأغلب أنّ الموارد المالية للحزب لم تعد تستوعب الضغط الكبير للتكاليف الواجب دفعها للنازحين، خصوصاً وأنّ تداعيات الحرب والنزوح لم تنتهِ بعد، وهذا ما يعني ترتيب أكلاف مفتوحة”.

ويتساءل النازحون عن مصير المستحقات السابقة، وعلى الأقل مستحقات إيجار الشهر الأخير من العام الماضي والشهر الأوّل من العام الحالي. علماً أنّ بعض النازحين والمتضرّرين قبضوا ما يغطّي قيمة الإيجارات حتى شهر 11 من العام الماضي.

بين الترحيب بما سيُدفَع والامتعاض من عدم تسديد المستحقات السابقة والقلق على مصير المستحقات المستقبلية، لا يُخفي أصحاب الحقوق حاجتهم للمبالغ المالية التي “وَعَدَنا بها الحزب منذ مرحلة الإسناد وخلال الحرب”. ويُجمع هؤلاء على أنّ “المشكلة لا تقف عند دفع بدلات الإيواء فقط، فحتى لو استأنفَ الحزب دفعها شهرياً من دون انقطاع، فهي في الأصل لا تكفي، إذ لا تغطّي هذه المبالغ مصاريف المنازل. فالبدلات المدفوعة تتراوح بين نحو 300 دولار شهرياً للمنازل في القرى، ونحو 500 دولار في بيروت وبعض المدن الأخرى، في حين أنّ إيجارات بعض المنازل أعلى ممّا يُدفَع. كما أنّ البدلات لا تغطّي كلفة الكهرباء، بين كهرباء الدولة واشتراك المولّدات الخاصة، فضلاً عن كلفة المياه والانترنت، وهي مستلزمات أساسية لكل عائلة. علماً أنّ الكثير من النازحين لا يعملون، أو يعملون بشكل متقطّع، وبالكاد يؤمّنون قوت عائلاتهم ومصاريف المدارس، لأننا اليوم مضطرون للتكيّف ومحاولة العيش بشكل طبيعي وكأنّنا في قرانا، لأن العودة لا تزال بعيدة”.

وسط القلق والتساؤلات، ترتفع حدّة الاعتراض لدى النازحين الذين لا يزالون في المدارس، خصوصاً في منطقة صور. وهؤلاء يعيشون في “حرب دائمة” وفق ما يقولونه لـِ “المدن”. إذ أنّ “أبناء القرى غير الحدودية عادوا إلى منازلهم، وحزب الله وَعَدَنا بأنّ قرانا ستعود أجمل ممّا كانت، فيما لا نزال نعيش في المدارس ومراكز الإيواء بعيداً من منازلنا، واحتمالات العودة تتراجع مع الوقت. واليوم يستأنف الحزب دفع بدلات الإيواء لثلاثة أشهر “ونحن نستفيد منها لتغطية مصاريفنا. فمع أنّنا لا ندفع إيجارات في المدارس، لكنّه خيار أخذناه لتوفير المال لأطفالنا، علماً أنّ الحياة التي نعيشها هنا تشبه حياة المشرّدين، بعدما كنّا معزّزين مكرّمين في منازلنا وأراضينا. وبالإضافة إلى كلّ ذلك، فإنّ استئناف الدفع قد لا يتجاوز الأشهر الثلاثة، فماذا بعد ذلك؟”.

تضع الشيكات الجديدة حدّاً فاصلاً بين المرحلة السابقة والحالية. إذ يلتزم الحزب بدفع مبالغ مالية يحدّدها وفق قدراته المالية الراهنة وترتيباته الداخلية، ويحيل الإلتزامات السابقة إلى الزمن، ما يترك الاحتمالات مفتوحة على المجهول، لينتظر المتضرّرون أموالهم وينتظر النازحون عودتهم.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار