أليكس صعب وملف المال الأسود الذي قد يفجر شبكات “الحزب” خارج لبنان

يشكل ملف أليكس صعب نافذة على شبكة مالية عابرة للحدود نشأت في ظل العقوبات على فنزويلا، وتمددت من كاراكاس إلى أميركا اللاتينية ولبنان. انطلاقاً من خلفيته اللبنانية ودوره كوسيط اقتصادي مقرب من نظام مادورو، يبرز اسمه كنقطة تقاطع بين الاقتصاد الموازي وصفقات الذهب والنفط والعقوبات الدولية. وتطرح إعادة فتح ملفه في هذا التوقيت احتمال الانتقال من الضغط المالي إلى تفكيك شبكات أوسع، تضم أسماء لبنانية مدرجة على لوائح العقوبات الأميركية.
لم يكن أليكس صعب مجرد اسم لرجل أعمال لبناني – فنزويلي، بل تؤكد تقارير غربية وأميركية أنه تحول، خلال السنوات الماضية، إلى واجهة مالية – أمنية عابرة للحدود باتت في صلب اهتمام الولايات المتحدة الأميركية التي حاصرته بالعقوبات الاقتصادية، ووجهت إليه اتهامات بوضعه على رأس شبكات تمويل غير شرعي ترتبط بإيران و”حزب الله” و”الحرس الثوري الإيراني” من جهة، وبمنظومة اقتصادية – سياسية كان يديرها الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو في أميركا الجنوبية من جهة أخرى.
بالعودة إلى أصوله، ولد أليكس نعيم صعب موران عام 1971 في مدينة بارانكيا الكولومبية، لعائلة من أصول لبنانية تعود جذورها إلى بلدة يارون في جنوب لبنان. والده كان واحداً من موجات الهجرة اللبنانية إلى أميركا اللاتينية، حيث استقرت عائلات كثيرة عملت في التجارة والاستيراد، ونشأ صعب في بيئة أعمال، وبدأ نشاطه التجاري في كولومبيا، قبل أن ينتقل تدريجاً إلى فنزويلا خلال تسعينيات القرن الماضي.
ومع وصول هوغو تشافيز ثم نيكولاس مادورو إلى الحكم، توسع نشاط صعب في فنزويلا، مستفيداً من علاقاته التجارية وقدرته على العمل في بيئات عالية الأخطار اقتصادياً، ومع تشديد العقوبات الدولية على كاراكاس، برز اسمه كأحد الوسطاء القلائل القادرين على تأمين السلع والتمويل خارج القنوات التقليدية، مما أدخله إلى الدائرة الضيقة المحيطة بمادورو، وحوله تدريجاً من رجل أعمال إلى فاعل مركزي في إدارة ملفات مالية حساسة.
وأخيراً، عاد اسم صعب ليبرز مجدداً عبر الخبر الذي نقلته وكالة “رويترز” عن مسؤول أميركي في إنفاذ القانون، وتحدث عن توقيف أليكس صعب داخل فنزويلا في عملية مشتركة أميركية – فنزويلية، بعد أيام قليلة على إعلان الرئيسة الفنزويلية الانتقالية دلسي رودريغيز عن إقالته من منصب وزير الصناعة والإنتاج الوطني في الحكومة.
وكانت وسائل إعلام أميركية قد أكدت أن صعب وضع في الحجز داخل فنزويلا كجزء من عملية مشتركة مع السلطات الأميركية، وأنه قد يكون خاضعاً للاحتجاز لدى جهاز الاستخبارات الفنزويلية بانتظار إمكان ترحيله إلى الولايات المتحدة. في المقابل، نفى محاموه صحة هذه المعلومات، مؤكدين أن صعب ليس موقوفاً رسمياً، في وقت امتنعت الحكومة الفنزويلية عن إصدار بيان رسمي يؤكد أو ينفي توقيفه، وقال مسؤول فنزويلي بارز إنه لا يملك معلومات مؤكدة حول الأمر.
وسواء تأكد التوقيف أو بقي في خانة “الرسائل الأمنية”، فإن إعادة فتح ملف صعب بهذه الطريقة تعني أن واشنطن قررت إخراج هذا الاسم من الأدراج المغلقة، وأن ما كان يدار سابقاً في الكواليس بات جاهزاً للانتقال إلى مرحلة أكثر صدامية.
ووفق تقارير أميركية، يبدو أن التركيز لم يعد محصوراً بفنزويلا وحدها، بل إن لبنان حاضر بقوة في هذا الملف، ليس فقط من خلال الأصل اللبناني لصعب، بل عبر شبكات مالية وتجارية لبنانية ناشطة في أميركا اللاتينية، بعضها موضوع أصلاً على لوائح العقوبات الأميركية، وبعضها الآخر لم يكشف بعد.
هذا التقرير لا ينطلق من فرضيات سياسية، بل من وقائع موثقة في بيانات وزارة الخزانة الأميركية، وملفات وزارة العدل، وتقارير استخباراتية علنية، ويطرح سؤالاً: هل نحن أمام بداية تفكيك منظومة مالية إقليمية كان لبنان أحد مفاصلها؟
كيف صنعت المنظومة؟
لفهم خطورة ملف أليكس صعب لا بد من العودة إلى جوهر المسألة، أي الاقتصاد الموازي. فعندما فرضت العقوبات القاسية على فنزويلا، لم يسقط النظام فوراً، بل لجأ إلى بناء اقتصاد بديل قائم على وسطاء محترفين، وشركات واجهة، ومسارات مالية ملتوية خارج النظام المصرفي التقليدي.
في قلب هذه المنظومة، برز صعب، الذي تصفه وزارة الخزانة الأميركية بأنه لم يكن مجرد متعهد، بل مدير شبكة مالية تولت تمرير مئات ملايين الدولارات عبر برنامج الغذاء الحكومي، وهذا البرنامج، الذي روج له كأداة إنقاذ اجتماعي، تحول، بحسب الرواية الأميركية، إلى قناة لغسل الأموال عبر فواتير مضخمة، وعقود صورية، وشركات مسجلة في ملاذات ضريبية، لكن الأخطر جاء لاحقاً مع انتقال فنزويلا إلى استخدام الذهب بدل الدولار.
صفقة “ذهب مقابل وقود” مع إيران لم تكن عملية تجارية معزولة، بل نموذجاً عملياً لتلاقي اقتصادين خاضعين للعقوبات. طائرات إيرانية مدرجة على لوائح العقوبات، شحنات ذهب، وقنوات تسوية خارج النظام المصرفي، وهي الأدوات نفسها التي تعتمد عليها إيران في دعم شبكاتها الإقليمية، وفي مقدمها “حزب الله”، وهنا يبدأ الخيط اللبناني بالظهور بوضوح، فإيران لا تفصل بين اقتصادها الرسمي واقتصادها الأمني، وكل قناة تفتح لكسر العقوبات تتحول تلقائياً إلى جزء من منظومة أوسع تستخدم لتمويل الحلفاء وتحريك الشبكات عند الحاجة.
المسرح المثالي
وفق تقديرات عدد كبير من مراكز الدراسات الأميركية والغربية، شكلت دول أميركا الجنوبية منذ عقود بيئة مثالية لتقاطع المال غير الشرعي مع السياسة، بسبب ضعف الرقابة الرسمية، وانتشار الاقتصاد النقدي، وتداخل الجريمة المنظمة مع السلطة، هذه العوامل جعلت القارة ساحة تقليدية لنشاط شبكات مرتبطة بـ”حزب الله” منذ التسعينيات.
ووثقت وزارة الخزانة الأميركية ذلك مراراً، وخصوصاً في منطقة “المثلث الحدودي” بين البرازيل وباراغواي والأرجنتين، حيث برزت أسماء لبنانية كوسطاء تجاريين وماليين يعملون في تجارة ظاهرها شرعي وباطنها تحويلات وتمويلات. هذه البيئة نفسها استخدمت لاحقاً من قبل الشبكات الفنزويلية – الإيرانية، ومع الوقت تلاشت الحدود بين الفساد السياسي وتمويل التنظيمات المسلحة.
اللبنانيون على لوائح العقوبات
في سبتمبر (أيلول) عام 2023 أعلنت وزارة الخزانة الأميركية استهداف شبكة تعمل بين أميركا الجنوبية ولبنان، ووصفتها صراحة بأنها تولد إيرادات وتسهل نشاط “حزب الله”. الأسماء اللبنانية التي وردت في الإعلان، وفي طليعتها أمير محمد عقيل رعد وسامر عقيل رعد ومهدي عقيل حلباوي، لم تدرج بسبب انتماء سياسي، بل بعد تتبع مسارات مالية وتجارية وشركات واجهة.
هذه الشبكة، وفق الإعلان الأميركي، ليست حالاً منفردة، بل جزء من منظومة أوسع، مما يعيد إلى الواجهة اسم أسعد أحمد بركات، الذي لا يزال حتى اليوم يستشهد به كنموذج تاريخي لتمويل “حزب الله” في المثلث الحدودي، على رغم مرور أكثر من عقدين على إدراجه على لوائح العقوبات.
ثم يأتي ملف أيمن سعيد جمعة، الذي يكشف عن الوجه الأكثر قتامة للاقتصاد الموازي: تهريب مخدرات وغسل أموال بمئات ملايين الدولارات وشهادات رسمية أميركية تؤكد أن جزءاً من هذه العائداًت صب في تمويل “حزب الله”. هذا الملف يوضح كيف يلتقي الإرهاب بالمخدرات، وكيف يصبح المال اللغة المشتركة بين عالمين يفترض أنهما منفصلان.
نقطة التحول
السؤال الجوهري لم يعد: هل أوقف أليكس صعب أم لا؟ بل: لماذا يعاد فتح ملفه الآن؟ فتوقيفه المحتمل داخل فنزويلا، إذا تأكد، يعني أن دولة كانت حتى الأمس القريب في مواجهة مفتوحة مع واشنطن باتت مستعدة للتعاون في ملفات فائقة الحساسية. هذا التحول، إن حصل، لا يبقى محصوراً باسم واحد، فالأجهزة الأميركية لا تبحث عن أشخاص، بل عن شبكات. أليكس صعب، في هذه القراءة، ليس نهاية التحقيق، بل بدايته، وما يملكه من معلومات حول تحويلات ووسطاء وشركات واجهة، قد يقود إلى تفكيك تدريجي لشبكات تمتد من أميركا اللاتينية إلى لبنان.
مصادر سياسية لبنانية تعتبر أن قضية صعب ليست ملفاً فنزويلياً داخلياً، بل مرآة لمرحلة دولية جديدة يعاد فيها النظر في شبكات المال التي مولت النفوذ والسلاح والسياسة خارج الدول، ولبنان، بكل تناقضاته، يقف في قلب هذا الاختبار. وبرأي هذه المصادر، فإن السؤال الذي سيواجه لبنان لن يكون تقنياً أو قانونياً فحس
يشكل ملف أليكس صعب نافذة على شبكة مالية عابرة للحدود نشأت في ظل العقوبات على فنزويلا، وتمددت من كاراكاس إلى أميركا اللاتينية ولبنان. انطلاقاً من خلفيته اللبنانية ودوره كوسيط اقتصادي مقرب من نظام مادورو، يبرز اسمه كنقطة تقاطع بين الاقتصاد الموازي وصفقات الذهب والنفط والعقوبات الدولية. وتطرح إعادة فتح ملفه في هذا التوقيت احتمال الانتقال من الضغط المالي إلى تفكيك شبكات أوسع، تضم أسماء لبنانية مدرجة على لوائح العقوبات الأميركية.
لم يكن أليكس صعب مجرد اسم لرجل أعمال لبناني – فنزويلي، بل تؤكد تقارير غربية وأميركية أنه تحول، خلال السنوات الماضية، إلى واجهة مالية – أمنية عابرة للحدود باتت في صلب اهتمام الولايات المتحدة الأميركية التي حاصرته بالعقوبات الاقتصادية، ووجهت إليه اتهامات بوضعه على رأس شبكات تمويل غير شرعي ترتبط بإيران و”حزب الله” و”الحرس الثوري الإيراني” من جهة، وبمنظومة اقتصادية – سياسية كان يديرها الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو في أميركا الجنوبية من جهة أخرى.
بالعودة إلى أصوله، ولد أليكس نعيم صعب موران عام 1971 في مدينة بارانكيا الكولومبية، لعائلة من أصول لبنانية تعود جذورها إلى بلدة يارون في جنوب لبنان. والده كان واحداً من موجات الهجرة اللبنانية إلى أميركا اللاتينية، حيث استقرت عائلات كثيرة عملت في التجارة والاستيراد، ونشأ صعب في بيئة أعمال، وبدأ نشاطه التجاري في كولومبيا، قبل أن ينتقل تدريجاً إلى فنزويلا خلال تسعينيات القرن الماضي.
ومع وصول هوغو تشافيز ثم نيكولاس مادورو إلى الحكم، توسع نشاط صعب في فنزويلا، مستفيداً من علاقاته التجارية وقدرته على العمل في بيئات عالية الأخطار اقتصادياً، ومع تشديد العقوبات الدولية على كاراكاس، برز اسمه كأحد الوسطاء القلائل القادرين على تأمين السلع والتمويل خارج القنوات التقليدية، مما أدخله إلى الدائرة الضيقة المحيطة بمادورو، وحوله تدريجاً من رجل أعمال إلى فاعل مركزي في إدارة ملفات مالية حساسة.
وأخيراً، عاد اسم صعب ليبرز مجدداً عبر الخبر الذي نقلته وكالة “رويترز” عن مسؤول أميركي في إنفاذ القانون، وتحدث عن توقيف أليكس صعب داخل فنزويلا في عملية مشتركة أميركية – فنزويلية، بعد أيام قليلة على إعلان الرئيسة الفنزويلية الانتقالية دلسي رودريغيز عن إقالته من منصب وزير الصناعة والإنتاج الوطني في الحكومة.
بولس 1.png
وزارة الخزانة الأميركية وثقت شبكات لبنانية عاملة بين أميركا الجنوبية ولبنان ومدرجة على لوائح العقوبات (وسائل إعلام فنزويلية)
وكانت وسائل إعلام أميركية قد أكدت أن صعب وضع في الحجز داخل فنزويلا كجزء من عملية مشتركة مع السلطات الأميركية، وأنه قد يكون خاضعاً للاحتجاز لدى جهاز الاستخبارات الفنزويلية بانتظار إمكان ترحيله إلى الولايات المتحدة. في المقابل، نفى محاموه صحة هذه المعلومات، مؤكدين أن صعب ليس موقوفاً رسمياً، في وقت امتنعت الحكومة الفنزويلية عن إصدار بيان رسمي يؤكد أو ينفي توقيفه، وقال مسؤول فنزويلي بارز إنه لا يملك معلومات مؤكدة حول الأمر.
وسواء تأكد التوقيف أو بقي في خانة “الرسائل الأمنية”، فإن إعادة فتح ملف صعب بهذه الطريقة تعني أن واشنطن قررت إخراج هذا الاسم من الأدراج المغلقة، وأن ما كان يدار سابقاً في الكواليس بات جاهزاً للانتقال إلى مرحلة أكثر صدامية.
ووفق تقارير أميركية، يبدو أن التركيز لم يعد محصوراً بفنزويلا وحدها، بل إن لبنان حاضر بقوة في هذا الملف، ليس فقط من خلال الأصل اللبناني لصعب، بل عبر شبكات مالية وتجارية لبنانية ناشطة في أميركا اللاتينية، بعضها موضوع أصلاً على لوائح العقوبات الأميركية، وبعضها الآخر لم يكشف بعد.
هذا التقرير لا ينطلق من فرضيات سياسية، بل من وقائع موثقة في بيانات وزارة الخزانة الأميركية، وملفات وزارة العدل، وتقارير استخباراتية علنية، ويطرح سؤالاً: هل نحن أمام بداية تفكيك منظومة مالية إقليمية كان لبنان أحد مفاصلها؟
كيف صنعت المنظومة؟
لفهم خطورة ملف أليكس صعب لا بد من العودة إلى جوهر المسألة، أي الاقتصاد الموازي. فعندما فرضت العقوبات القاسية على فنزويلا، لم يسقط النظام فوراً، بل لجأ إلى بناء اقتصاد بديل قائم على وسطاء محترفين، وشركات واجهة، ومسارات مالية ملتوية خارج النظام المصرفي التقليدي.
في قلب هذه المنظومة، برز صعب، الذي تصفه وزارة الخزانة الأميركية بأنه لم يكن مجرد متعهد، بل مدير شبكة مالية تولت تمرير مئات ملايين الدولارات عبر برنامج الغذاء الحكومي، وهذا البرنامج، الذي روج له كأداة إنقاذ اجتماعي، تحول، بحسب الرواية الأميركية، إلى قناة لغسل الأموال عبر فواتير مضخمة، وعقود صورية، وشركات مسجلة في ملاذات ضريبية، لكن الأخطر جاء لاحقاً مع انتقال فنزويلا إلى استخدام الذهب بدل الدولار.
بولس 2.png
انعكاسات القضية على لبنان قد تكون مالية وسياسية مع تشديد الرقابة الدولية والضغط على الاقتصاد الموازي (وسائل إعلام فنزويلية)
صفقة “ذهب مقابل وقود” مع إيران لم تكن عملية تجارية معزولة، بل نموذجاً عملياً لتلاقي اقتصادين خاضعين للعقوبات. طائرات إيرانية مدرجة على لوائح العقوبات، شحنات ذهب، وقنوات تسوية خارج النظام المصرفي، وهي الأدوات نفسها التي تعتمد عليها إيران في دعم شبكاتها الإقليمية، وفي مقدمها “حزب الله”، وهنا يبدأ الخيط اللبناني بالظهور بوضوح، فإيران لا تفصل بين اقتصادها الرسمي واقتصادها الأمني، وكل قناة تفتح لكسر العقوبات تتحول تلقائياً إلى جزء من منظومة أوسع تستخدم لتمويل الحلفاء وتحريك الشبكات عند الحاجة.
المسرح المثالي
وفق تقديرات عدد كبير من مراكز الدراسات الأميركية والغربية، شكلت دول أميركا الجنوبية منذ عقود بيئة مثالية لتقاطع المال غير الشرعي مع السياسة، بسبب ضعف الرقابة الرسمية، وانتشار الاقتصاد النقدي، وتداخل الجريمة المنظمة مع السلطة، هذه العوامل جعلت القارة ساحة تقليدية لنشاط شبكات مرتبطة بـ”حزب الله” منذ التسعينيات.
ووثقت وزارة الخزانة الأميركية ذلك مراراً، وخصوصاً في منطقة “المثلث الحدودي” بين البرازيل وباراغواي والأرجنتين، حيث برزت أسماء لبنانية كوسطاء تجاريين وماليين يعملون في تجارة ظاهرها شرعي وباطنها تحويلات وتمويلات. هذه البيئة نفسها استخدمت لاحقاً من قبل الشبكات الفنزويلية – الإيرانية، ومع الوقت تلاشت الحدود بين الفساد السياسي وتمويل التنظيمات المسلحة.
اللبنانيون على لوائح العقوبات
في سبتمبر (أيلول) عام 2023 أعلنت وزارة الخزانة الأميركية استهداف شبكة تعمل بين أميركا الجنوبية ولبنان، ووصفتها صراحة بأنها تولد إيرادات وتسهل نشاط “حزب الله”. الأسماء اللبنانية التي وردت في الإعلان، وفي طليعتها أمير محمد عقيل رعد وسامر عقيل رعد ومهدي عقيل حلباوي، لم تدرج بسبب انتماء سياسي، بل بعد تتبع مسارات مالية وتجارية وشركات واجهة.
هذه الشبكة، وفق الإعلان الأميركي، ليست حالاً منفردة، بل جزء من منظومة أوسع، مما يعيد إلى الواجهة اسم أسعد أحمد بركات، الذي لا يزال حتى اليوم يستشهد به كنموذج تاريخي لتمويل “حزب الله” في المثلث الحدودي، على رغم مرور أكثر من عقدين على إدراجه على لوائح العقوبات.
ثم يأتي ملف أيمن سعيد جمعة، الذي يكشف عن الوجه الأكثر قتامة للاقتصاد الموازي: تهريب مخدرات وغسل أموال بمئات ملايين الدولارات وشهادات رسمية أميركية تؤكد أن جزءاً من هذه العائداًت صب في تمويل “حزب الله”. هذا الملف يوضح كيف يلتقي الإرهاب بالمخدرات، وكيف يصبح المال اللغة المشتركة بين عالمين يفترض أنهما منفصلان.
اقرأ المزيد
معلومات متضاربة حول اعتقال أليكس صعب حليف مادورو في كاراكاس
“تبادل سجناء” بين واشنطن وفنزويلا… أليكس صعب مقابل 10 أميركيين
كراكاس تعرض على واشنطن مبادلة سجناء أميركيين بأليكس صعب
قاض أميركي يسقط سبعا من التهم الثماني الموجهة إلى أليكس صعب
نقطة التحول
السؤال الجوهري لم يعد: هل أوقف أليكس صعب أم لا؟ بل: لماذا يعاد فتح ملفه الآن؟ فتوقيفه المحتمل داخل فنزويلا، إذا تأكد، يعني أن دولة كانت حتى الأمس القريب في مواجهة مفتوحة مع واشنطن باتت مستعدة للتعاون في ملفات فائقة الحساسية. هذا التحول، إن حصل، لا يبقى محصوراً باسم واحد، فالأجهزة الأميركية لا تبحث عن أشخاص، بل عن شبكات. أليكس صعب، في هذه القراءة، ليس نهاية التحقيق، بل بدايته، وما يملكه من معلومات حول تحويلات ووسطاء وشركات واجهة، قد يقود إلى تفكيك تدريجي لشبكات تمتد من أميركا اللاتينية إلى لبنان.
مصادر سياسية لبنانية تعتبر أن قضية صعب ليست ملفاً فنزويلياً داخلياً، بل مرآة لمرحلة دولية جديدة يعاد فيها النظر في شبكات المال التي مولت النفوذ والسلاح والسياسة خارج الدول، ولبنان، بكل تناقضاته، يقف في قلب هذا الاختبار. وبرأي هذه المصادر، فإن السؤال الذي سيواجه لبنان لن يكون تقنياً أو قانونياً فحسب، بل وجودياً: هل يريد أن يبقى جزءاً من اقتصاد الظل الإقليمي؟ أم يجبر أخيراً على الخروج إلى دولة طبيعية بعدما تقفل عليه كل المنافذ؟ فالملفات التي فتحت لا تغلق بسهولة، والمال عندما يلاحق، يقود دائماً إلى ما هو أخطر منه.
في المقابل، قدم الصحافي اللبناني قاسم قصير، المعروف بقربه من أوساط “حزب الله”، قراءة مختلفة جذرياً، معتبراً “أن ما يثار حول أليكس صعب وربطه بالحزب يدخل في إطار حرب سياسية واقتصادية تقودها الولايات المتحدة ضد محور المقاومة”، ولفت إلى أن واشنطن توسع، منذ سنوات، مفهوم “تمويل الإرهاب” لربط أي علاقة اقتصادية بين دول خاضعة للعقوبات بالحزب، حتى في غياب أحكام قضائية نهائية. من هذا المنطلق، اعتبر قصير “أن صعب كان وسيطاً اقتصادياً ساعد فنزويلا على الصمود، تماماً كما فعلت إيران مع حلفائها، مما جعله هدفاً مباشراً للعقوبات”، وشدد قصير على أن هذه الاتهامات لم تترجم حتى اليوم بأحكام قضائية دامغة، معتبراً أن الهدف الأساس هو تجفيف أي اقتصاد خارج السيطرة الأميركية، ومحاصرة لبنان مالياً.
منصة تشغيل
في المقابل رأى الباحث الأميركي جوزيف همير المتخصص في شبكات النفوذ الإيراني في نصف الكرة الغربي أن قضية أليكس صعب لا يمكن اختزالها بملف فساد أو تهرب من العقوبات، “بل يجب قراءتها ضمن بنية متكاملة أنشأتها إيران في أميركا اللاتينية بالتعاون مع نظام مادورو”، وأكد أن فنزويلا تحولت، خلال العقد الأخير، إلى منصة تشغيل لـ”الحرس الثوري الإيراني” و”حزب الله”، إذ بُني اقتصاد مُواز قائم على الذهب، التهريب، الشركات الوهمية، وخطوط نقل غير خاضعة للرقابة.
وبحسب همير، فإن “(حزب الله) لا يظهر في هذه البيئة كتنظيم عسكري، بل كفاعل مالي ولوجيستي يستفيد من شبكات يقودها رجال أعمال ووسطاء، بعضهم من أصول لبنانية، يعملون عند تقاطع المصالح بين طهران وكاراكاس”، وفي هذا الإطار، وضع همير اسم صعب في خانة “المسهل الاقتصادي” الذي وفر القنوات اللازمة للالتفاف على العقوبات. وحذر من أن أي تطور قضائي في ملف صعب قد يفتح الباب أمام تفكيك شبكات أوسع تمتد من أميركا اللاتينية إلى لبنان، معتبراً أن إدراج أسماء لبنانية على لوائح العقوبات، خلال السنوات الأخيرة، هو مؤشر واضح إلى أن هذا المسار بدأ فعلياً، “وقد ينتقل من الضغط المالي إلى الملاحقة والتنفيذ متى توافرت الظروف السياسية”.
ب” لربط أي علاقة اقتصادية بين دول خاضعة للعقوبات بالحزب، حتى في غياب أحكام قضائية نهائية. من هذا المنطلق، اعتبر قصير “أن صعب كان وسيطاً اقتصادياً ساعد فنزويلا على الصمود، تماماً كما فعلت إيران مع حلفائها، مما جعله هدفاً مباشراً للعقوبات”، وشدد قصير على أن هذه الاتهامات لم تترجم حتى اليوم بأحكام قضائية دامغة، معتبراً أن الهدف الأساس هو تجفيف أي اقتصاد خارج السيطرة الأميركية، ومحاصرة لبنان مالياً.
منصة تشغيل
في المقابل رأى الباحث الأميركي جوزيف همير المتخصص في شبكات النفوذ الإيراني في نصف الكرة الغربي أن قضية أليكس صعب لا يمكن اختزالها بملف فساد أو تهرب من العقوبات، “بل يجب قراءتها ضمن بنية متكاملة أنشأتها إيران في أميركا اللاتينية بالتعاون مع نظام مادورو”، وأكد أن فنزويلا تحولت، خلال العقد الأخير، إلى منصة تشغيل لـ”الحرس الثوري الإيراني” و”حزب الله”، إذ بُني اقتصاد مُواز قائم على الذهب، التهريب، الشركات الوهمية، وخطوط نقل غير خاضعة للرقابة.
وبحسب همير، فإن “(حزب الله) لا يظهر في هذه البيئة كتنظيم عسكري، بل كفاعل مالي ولوجيستي يستفيد من شبكات يقودها رجال أعمال ووسطاء، بعضهم من أصول لبنانية، يعملون عند تقاطع المصالح بين طهران وكاراكاس”، وفي هذا الإطار، وضع همير اسم صعب في خانة “المسهل الاقتصادي” الذي وفر القنوات اللازمة للالتفاف على العقوبات. وحذر من أن أي تطور قضائي في ملف صعب قد يفتح الباب أمام تفكيك شبكات أوسع تمتد من أميركا اللاتينية إلى لبنان، معتبراً أن إدراج أسماء لبنانية على لوائح العقوبات، خلال السنوات الأخيرة، هو مؤشر واضح إلى أن هذا المسار بدأ فعلياً، “وقد ينتقل من الضغط المالي إلى الملاحقة والتنفيذ متى توافرت الظروف السياسية”.
أليكس صعب وملف المال الأسود الذي قد يفجر شبكات “الحزب” خارج لبنان

يشكل ملف أليكس صعب نافذة على شبكة مالية عابرة للحدود نشأت في ظل العقوبات على فنزويلا، وتمددت من كاراكاس إلى أميركا اللاتينية ولبنان. انطلاقاً من خلفيته اللبنانية ودوره كوسيط اقتصادي مقرب من نظام مادورو، يبرز اسمه كنقطة تقاطع بين الاقتصاد الموازي وصفقات الذهب والنفط والعقوبات الدولية. وتطرح إعادة فتح ملفه في هذا التوقيت احتمال الانتقال من الضغط المالي إلى تفكيك شبكات أوسع، تضم أسماء لبنانية مدرجة على لوائح العقوبات الأميركية.
لم يكن أليكس صعب مجرد اسم لرجل أعمال لبناني – فنزويلي، بل تؤكد تقارير غربية وأميركية أنه تحول، خلال السنوات الماضية، إلى واجهة مالية – أمنية عابرة للحدود باتت في صلب اهتمام الولايات المتحدة الأميركية التي حاصرته بالعقوبات الاقتصادية، ووجهت إليه اتهامات بوضعه على رأس شبكات تمويل غير شرعي ترتبط بإيران و”حزب الله” و”الحرس الثوري الإيراني” من جهة، وبمنظومة اقتصادية – سياسية كان يديرها الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو في أميركا الجنوبية من جهة أخرى.
بالعودة إلى أصوله، ولد أليكس نعيم صعب موران عام 1971 في مدينة بارانكيا الكولومبية، لعائلة من أصول لبنانية تعود جذورها إلى بلدة يارون في جنوب لبنان. والده كان واحداً من موجات الهجرة اللبنانية إلى أميركا اللاتينية، حيث استقرت عائلات كثيرة عملت في التجارة والاستيراد، ونشأ صعب في بيئة أعمال، وبدأ نشاطه التجاري في كولومبيا، قبل أن ينتقل تدريجاً إلى فنزويلا خلال تسعينيات القرن الماضي.
ومع وصول هوغو تشافيز ثم نيكولاس مادورو إلى الحكم، توسع نشاط صعب في فنزويلا، مستفيداً من علاقاته التجارية وقدرته على العمل في بيئات عالية الأخطار اقتصادياً، ومع تشديد العقوبات الدولية على كاراكاس، برز اسمه كأحد الوسطاء القلائل القادرين على تأمين السلع والتمويل خارج القنوات التقليدية، مما أدخله إلى الدائرة الضيقة المحيطة بمادورو، وحوله تدريجاً من رجل أعمال إلى فاعل مركزي في إدارة ملفات مالية حساسة.
وأخيراً، عاد اسم صعب ليبرز مجدداً عبر الخبر الذي نقلته وكالة “رويترز” عن مسؤول أميركي في إنفاذ القانون، وتحدث عن توقيف أليكس صعب داخل فنزويلا في عملية مشتركة أميركية – فنزويلية، بعد أيام قليلة على إعلان الرئيسة الفنزويلية الانتقالية دلسي رودريغيز عن إقالته من منصب وزير الصناعة والإنتاج الوطني في الحكومة.
وكانت وسائل إعلام أميركية قد أكدت أن صعب وضع في الحجز داخل فنزويلا كجزء من عملية مشتركة مع السلطات الأميركية، وأنه قد يكون خاضعاً للاحتجاز لدى جهاز الاستخبارات الفنزويلية بانتظار إمكان ترحيله إلى الولايات المتحدة. في المقابل، نفى محاموه صحة هذه المعلومات، مؤكدين أن صعب ليس موقوفاً رسمياً، في وقت امتنعت الحكومة الفنزويلية عن إصدار بيان رسمي يؤكد أو ينفي توقيفه، وقال مسؤول فنزويلي بارز إنه لا يملك معلومات مؤكدة حول الأمر.
وسواء تأكد التوقيف أو بقي في خانة “الرسائل الأمنية”، فإن إعادة فتح ملف صعب بهذه الطريقة تعني أن واشنطن قررت إخراج هذا الاسم من الأدراج المغلقة، وأن ما كان يدار سابقاً في الكواليس بات جاهزاً للانتقال إلى مرحلة أكثر صدامية.
ووفق تقارير أميركية، يبدو أن التركيز لم يعد محصوراً بفنزويلا وحدها، بل إن لبنان حاضر بقوة في هذا الملف، ليس فقط من خلال الأصل اللبناني لصعب، بل عبر شبكات مالية وتجارية لبنانية ناشطة في أميركا اللاتينية، بعضها موضوع أصلاً على لوائح العقوبات الأميركية، وبعضها الآخر لم يكشف بعد.
هذا التقرير لا ينطلق من فرضيات سياسية، بل من وقائع موثقة في بيانات وزارة الخزانة الأميركية، وملفات وزارة العدل، وتقارير استخباراتية علنية، ويطرح سؤالاً: هل نحن أمام بداية تفكيك منظومة مالية إقليمية كان لبنان أحد مفاصلها؟
كيف صنعت المنظومة؟
لفهم خطورة ملف أليكس صعب لا بد من العودة إلى جوهر المسألة، أي الاقتصاد الموازي. فعندما فرضت العقوبات القاسية على فنزويلا، لم يسقط النظام فوراً، بل لجأ إلى بناء اقتصاد بديل قائم على وسطاء محترفين، وشركات واجهة، ومسارات مالية ملتوية خارج النظام المصرفي التقليدي.
في قلب هذه المنظومة، برز صعب، الذي تصفه وزارة الخزانة الأميركية بأنه لم يكن مجرد متعهد، بل مدير شبكة مالية تولت تمرير مئات ملايين الدولارات عبر برنامج الغذاء الحكومي، وهذا البرنامج، الذي روج له كأداة إنقاذ اجتماعي، تحول، بحسب الرواية الأميركية، إلى قناة لغسل الأموال عبر فواتير مضخمة، وعقود صورية، وشركات مسجلة في ملاذات ضريبية، لكن الأخطر جاء لاحقاً مع انتقال فنزويلا إلى استخدام الذهب بدل الدولار.
صفقة “ذهب مقابل وقود” مع إيران لم تكن عملية تجارية معزولة، بل نموذجاً عملياً لتلاقي اقتصادين خاضعين للعقوبات. طائرات إيرانية مدرجة على لوائح العقوبات، شحنات ذهب، وقنوات تسوية خارج النظام المصرفي، وهي الأدوات نفسها التي تعتمد عليها إيران في دعم شبكاتها الإقليمية، وفي مقدمها “حزب الله”، وهنا يبدأ الخيط اللبناني بالظهور بوضوح، فإيران لا تفصل بين اقتصادها الرسمي واقتصادها الأمني، وكل قناة تفتح لكسر العقوبات تتحول تلقائياً إلى جزء من منظومة أوسع تستخدم لتمويل الحلفاء وتحريك الشبكات عند الحاجة.
المسرح المثالي
وفق تقديرات عدد كبير من مراكز الدراسات الأميركية والغربية، شكلت دول أميركا الجنوبية منذ عقود بيئة مثالية لتقاطع المال غير الشرعي مع السياسة، بسبب ضعف الرقابة الرسمية، وانتشار الاقتصاد النقدي، وتداخل الجريمة المنظمة مع السلطة، هذه العوامل جعلت القارة ساحة تقليدية لنشاط شبكات مرتبطة بـ”حزب الله” منذ التسعينيات.
ووثقت وزارة الخزانة الأميركية ذلك مراراً، وخصوصاً في منطقة “المثلث الحدودي” بين البرازيل وباراغواي والأرجنتين، حيث برزت أسماء لبنانية كوسطاء تجاريين وماليين يعملون في تجارة ظاهرها شرعي وباطنها تحويلات وتمويلات. هذه البيئة نفسها استخدمت لاحقاً من قبل الشبكات الفنزويلية – الإيرانية، ومع الوقت تلاشت الحدود بين الفساد السياسي وتمويل التنظيمات المسلحة.
اللبنانيون على لوائح العقوبات
في سبتمبر (أيلول) عام 2023 أعلنت وزارة الخزانة الأميركية استهداف شبكة تعمل بين أميركا الجنوبية ولبنان، ووصفتها صراحة بأنها تولد إيرادات وتسهل نشاط “حزب الله”. الأسماء اللبنانية التي وردت في الإعلان، وفي طليعتها أمير محمد عقيل رعد وسامر عقيل رعد ومهدي عقيل حلباوي، لم تدرج بسبب انتماء سياسي، بل بعد تتبع مسارات مالية وتجارية وشركات واجهة.
هذه الشبكة، وفق الإعلان الأميركي، ليست حالاً منفردة، بل جزء من منظومة أوسع، مما يعيد إلى الواجهة اسم أسعد أحمد بركات، الذي لا يزال حتى اليوم يستشهد به كنموذج تاريخي لتمويل “حزب الله” في المثلث الحدودي، على رغم مرور أكثر من عقدين على إدراجه على لوائح العقوبات.
ثم يأتي ملف أيمن سعيد جمعة، الذي يكشف عن الوجه الأكثر قتامة للاقتصاد الموازي: تهريب مخدرات وغسل أموال بمئات ملايين الدولارات وشهادات رسمية أميركية تؤكد أن جزءاً من هذه العائداًت صب في تمويل “حزب الله”. هذا الملف يوضح كيف يلتقي الإرهاب بالمخدرات، وكيف يصبح المال اللغة المشتركة بين عالمين يفترض أنهما منفصلان.
نقطة التحول
السؤال الجوهري لم يعد: هل أوقف أليكس صعب أم لا؟ بل: لماذا يعاد فتح ملفه الآن؟ فتوقيفه المحتمل داخل فنزويلا، إذا تأكد، يعني أن دولة كانت حتى الأمس القريب في مواجهة مفتوحة مع واشنطن باتت مستعدة للتعاون في ملفات فائقة الحساسية. هذا التحول، إن حصل، لا يبقى محصوراً باسم واحد، فالأجهزة الأميركية لا تبحث عن أشخاص، بل عن شبكات. أليكس صعب، في هذه القراءة، ليس نهاية التحقيق، بل بدايته، وما يملكه من معلومات حول تحويلات ووسطاء وشركات واجهة، قد يقود إلى تفكيك تدريجي لشبكات تمتد من أميركا اللاتينية إلى لبنان.
مصادر سياسية لبنانية تعتبر أن قضية صعب ليست ملفاً فنزويلياً داخلياً، بل مرآة لمرحلة دولية جديدة يعاد فيها النظر في شبكات المال التي مولت النفوذ والسلاح والسياسة خارج الدول، ولبنان، بكل تناقضاته، يقف في قلب هذا الاختبار. وبرأي هذه المصادر، فإن السؤال الذي سيواجه لبنان لن يكون تقنياً أو قانونياً فحس
يشكل ملف أليكس صعب نافذة على شبكة مالية عابرة للحدود نشأت في ظل العقوبات على فنزويلا، وتمددت من كاراكاس إلى أميركا اللاتينية ولبنان. انطلاقاً من خلفيته اللبنانية ودوره كوسيط اقتصادي مقرب من نظام مادورو، يبرز اسمه كنقطة تقاطع بين الاقتصاد الموازي وصفقات الذهب والنفط والعقوبات الدولية. وتطرح إعادة فتح ملفه في هذا التوقيت احتمال الانتقال من الضغط المالي إلى تفكيك شبكات أوسع، تضم أسماء لبنانية مدرجة على لوائح العقوبات الأميركية.
لم يكن أليكس صعب مجرد اسم لرجل أعمال لبناني – فنزويلي، بل تؤكد تقارير غربية وأميركية أنه تحول، خلال السنوات الماضية، إلى واجهة مالية – أمنية عابرة للحدود باتت في صلب اهتمام الولايات المتحدة الأميركية التي حاصرته بالعقوبات الاقتصادية، ووجهت إليه اتهامات بوضعه على رأس شبكات تمويل غير شرعي ترتبط بإيران و”حزب الله” و”الحرس الثوري الإيراني” من جهة، وبمنظومة اقتصادية – سياسية كان يديرها الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو في أميركا الجنوبية من جهة أخرى.
بالعودة إلى أصوله، ولد أليكس نعيم صعب موران عام 1971 في مدينة بارانكيا الكولومبية، لعائلة من أصول لبنانية تعود جذورها إلى بلدة يارون في جنوب لبنان. والده كان واحداً من موجات الهجرة اللبنانية إلى أميركا اللاتينية، حيث استقرت عائلات كثيرة عملت في التجارة والاستيراد، ونشأ صعب في بيئة أعمال، وبدأ نشاطه التجاري في كولومبيا، قبل أن ينتقل تدريجاً إلى فنزويلا خلال تسعينيات القرن الماضي.
ومع وصول هوغو تشافيز ثم نيكولاس مادورو إلى الحكم، توسع نشاط صعب في فنزويلا، مستفيداً من علاقاته التجارية وقدرته على العمل في بيئات عالية الأخطار اقتصادياً، ومع تشديد العقوبات الدولية على كاراكاس، برز اسمه كأحد الوسطاء القلائل القادرين على تأمين السلع والتمويل خارج القنوات التقليدية، مما أدخله إلى الدائرة الضيقة المحيطة بمادورو، وحوله تدريجاً من رجل أعمال إلى فاعل مركزي في إدارة ملفات مالية حساسة.
وأخيراً، عاد اسم صعب ليبرز مجدداً عبر الخبر الذي نقلته وكالة “رويترز” عن مسؤول أميركي في إنفاذ القانون، وتحدث عن توقيف أليكس صعب داخل فنزويلا في عملية مشتركة أميركية – فنزويلية، بعد أيام قليلة على إعلان الرئيسة الفنزويلية الانتقالية دلسي رودريغيز عن إقالته من منصب وزير الصناعة والإنتاج الوطني في الحكومة.
بولس 1.png
وزارة الخزانة الأميركية وثقت شبكات لبنانية عاملة بين أميركا الجنوبية ولبنان ومدرجة على لوائح العقوبات (وسائل إعلام فنزويلية)
وكانت وسائل إعلام أميركية قد أكدت أن صعب وضع في الحجز داخل فنزويلا كجزء من عملية مشتركة مع السلطات الأميركية، وأنه قد يكون خاضعاً للاحتجاز لدى جهاز الاستخبارات الفنزويلية بانتظار إمكان ترحيله إلى الولايات المتحدة. في المقابل، نفى محاموه صحة هذه المعلومات، مؤكدين أن صعب ليس موقوفاً رسمياً، في وقت امتنعت الحكومة الفنزويلية عن إصدار بيان رسمي يؤكد أو ينفي توقيفه، وقال مسؤول فنزويلي بارز إنه لا يملك معلومات مؤكدة حول الأمر.
وسواء تأكد التوقيف أو بقي في خانة “الرسائل الأمنية”، فإن إعادة فتح ملف صعب بهذه الطريقة تعني أن واشنطن قررت إخراج هذا الاسم من الأدراج المغلقة، وأن ما كان يدار سابقاً في الكواليس بات جاهزاً للانتقال إلى مرحلة أكثر صدامية.
ووفق تقارير أميركية، يبدو أن التركيز لم يعد محصوراً بفنزويلا وحدها، بل إن لبنان حاضر بقوة في هذا الملف، ليس فقط من خلال الأصل اللبناني لصعب، بل عبر شبكات مالية وتجارية لبنانية ناشطة في أميركا اللاتينية، بعضها موضوع أصلاً على لوائح العقوبات الأميركية، وبعضها الآخر لم يكشف بعد.
هذا التقرير لا ينطلق من فرضيات سياسية، بل من وقائع موثقة في بيانات وزارة الخزانة الأميركية، وملفات وزارة العدل، وتقارير استخباراتية علنية، ويطرح سؤالاً: هل نحن أمام بداية تفكيك منظومة مالية إقليمية كان لبنان أحد مفاصلها؟
كيف صنعت المنظومة؟
لفهم خطورة ملف أليكس صعب لا بد من العودة إلى جوهر المسألة، أي الاقتصاد الموازي. فعندما فرضت العقوبات القاسية على فنزويلا، لم يسقط النظام فوراً، بل لجأ إلى بناء اقتصاد بديل قائم على وسطاء محترفين، وشركات واجهة، ومسارات مالية ملتوية خارج النظام المصرفي التقليدي.
في قلب هذه المنظومة، برز صعب، الذي تصفه وزارة الخزانة الأميركية بأنه لم يكن مجرد متعهد، بل مدير شبكة مالية تولت تمرير مئات ملايين الدولارات عبر برنامج الغذاء الحكومي، وهذا البرنامج، الذي روج له كأداة إنقاذ اجتماعي، تحول، بحسب الرواية الأميركية، إلى قناة لغسل الأموال عبر فواتير مضخمة، وعقود صورية، وشركات مسجلة في ملاذات ضريبية، لكن الأخطر جاء لاحقاً مع انتقال فنزويلا إلى استخدام الذهب بدل الدولار.
بولس 2.png
انعكاسات القضية على لبنان قد تكون مالية وسياسية مع تشديد الرقابة الدولية والضغط على الاقتصاد الموازي (وسائل إعلام فنزويلية)
صفقة “ذهب مقابل وقود” مع إيران لم تكن عملية تجارية معزولة، بل نموذجاً عملياً لتلاقي اقتصادين خاضعين للعقوبات. طائرات إيرانية مدرجة على لوائح العقوبات، شحنات ذهب، وقنوات تسوية خارج النظام المصرفي، وهي الأدوات نفسها التي تعتمد عليها إيران في دعم شبكاتها الإقليمية، وفي مقدمها “حزب الله”، وهنا يبدأ الخيط اللبناني بالظهور بوضوح، فإيران لا تفصل بين اقتصادها الرسمي واقتصادها الأمني، وكل قناة تفتح لكسر العقوبات تتحول تلقائياً إلى جزء من منظومة أوسع تستخدم لتمويل الحلفاء وتحريك الشبكات عند الحاجة.
المسرح المثالي
وفق تقديرات عدد كبير من مراكز الدراسات الأميركية والغربية، شكلت دول أميركا الجنوبية منذ عقود بيئة مثالية لتقاطع المال غير الشرعي مع السياسة، بسبب ضعف الرقابة الرسمية، وانتشار الاقتصاد النقدي، وتداخل الجريمة المنظمة مع السلطة، هذه العوامل جعلت القارة ساحة تقليدية لنشاط شبكات مرتبطة بـ”حزب الله” منذ التسعينيات.
ووثقت وزارة الخزانة الأميركية ذلك مراراً، وخصوصاً في منطقة “المثلث الحدودي” بين البرازيل وباراغواي والأرجنتين، حيث برزت أسماء لبنانية كوسطاء تجاريين وماليين يعملون في تجارة ظاهرها شرعي وباطنها تحويلات وتمويلات. هذه البيئة نفسها استخدمت لاحقاً من قبل الشبكات الفنزويلية – الإيرانية، ومع الوقت تلاشت الحدود بين الفساد السياسي وتمويل التنظيمات المسلحة.
اللبنانيون على لوائح العقوبات
في سبتمبر (أيلول) عام 2023 أعلنت وزارة الخزانة الأميركية استهداف شبكة تعمل بين أميركا الجنوبية ولبنان، ووصفتها صراحة بأنها تولد إيرادات وتسهل نشاط “حزب الله”. الأسماء اللبنانية التي وردت في الإعلان، وفي طليعتها أمير محمد عقيل رعد وسامر عقيل رعد ومهدي عقيل حلباوي، لم تدرج بسبب انتماء سياسي، بل بعد تتبع مسارات مالية وتجارية وشركات واجهة.
هذه الشبكة، وفق الإعلان الأميركي، ليست حالاً منفردة، بل جزء من منظومة أوسع، مما يعيد إلى الواجهة اسم أسعد أحمد بركات، الذي لا يزال حتى اليوم يستشهد به كنموذج تاريخي لتمويل “حزب الله” في المثلث الحدودي، على رغم مرور أكثر من عقدين على إدراجه على لوائح العقوبات.
ثم يأتي ملف أيمن سعيد جمعة، الذي يكشف عن الوجه الأكثر قتامة للاقتصاد الموازي: تهريب مخدرات وغسل أموال بمئات ملايين الدولارات وشهادات رسمية أميركية تؤكد أن جزءاً من هذه العائداًت صب في تمويل “حزب الله”. هذا الملف يوضح كيف يلتقي الإرهاب بالمخدرات، وكيف يصبح المال اللغة المشتركة بين عالمين يفترض أنهما منفصلان.
اقرأ المزيد
معلومات متضاربة حول اعتقال أليكس صعب حليف مادورو في كاراكاس
“تبادل سجناء” بين واشنطن وفنزويلا… أليكس صعب مقابل 10 أميركيين
كراكاس تعرض على واشنطن مبادلة سجناء أميركيين بأليكس صعب
قاض أميركي يسقط سبعا من التهم الثماني الموجهة إلى أليكس صعب
نقطة التحول
السؤال الجوهري لم يعد: هل أوقف أليكس صعب أم لا؟ بل: لماذا يعاد فتح ملفه الآن؟ فتوقيفه المحتمل داخل فنزويلا، إذا تأكد، يعني أن دولة كانت حتى الأمس القريب في مواجهة مفتوحة مع واشنطن باتت مستعدة للتعاون في ملفات فائقة الحساسية. هذا التحول، إن حصل، لا يبقى محصوراً باسم واحد، فالأجهزة الأميركية لا تبحث عن أشخاص، بل عن شبكات. أليكس صعب، في هذه القراءة، ليس نهاية التحقيق، بل بدايته، وما يملكه من معلومات حول تحويلات ووسطاء وشركات واجهة، قد يقود إلى تفكيك تدريجي لشبكات تمتد من أميركا اللاتينية إلى لبنان.
مصادر سياسية لبنانية تعتبر أن قضية صعب ليست ملفاً فنزويلياً داخلياً، بل مرآة لمرحلة دولية جديدة يعاد فيها النظر في شبكات المال التي مولت النفوذ والسلاح والسياسة خارج الدول، ولبنان، بكل تناقضاته، يقف في قلب هذا الاختبار. وبرأي هذه المصادر، فإن السؤال الذي سيواجه لبنان لن يكون تقنياً أو قانونياً فحسب، بل وجودياً: هل يريد أن يبقى جزءاً من اقتصاد الظل الإقليمي؟ أم يجبر أخيراً على الخروج إلى دولة طبيعية بعدما تقفل عليه كل المنافذ؟ فالملفات التي فتحت لا تغلق بسهولة، والمال عندما يلاحق، يقود دائماً إلى ما هو أخطر منه.
في المقابل، قدم الصحافي اللبناني قاسم قصير، المعروف بقربه من أوساط “حزب الله”، قراءة مختلفة جذرياً، معتبراً “أن ما يثار حول أليكس صعب وربطه بالحزب يدخل في إطار حرب سياسية واقتصادية تقودها الولايات المتحدة ضد محور المقاومة”، ولفت إلى أن واشنطن توسع، منذ سنوات، مفهوم “تمويل الإرهاب” لربط أي علاقة اقتصادية بين دول خاضعة للعقوبات بالحزب، حتى في غياب أحكام قضائية نهائية. من هذا المنطلق، اعتبر قصير “أن صعب كان وسيطاً اقتصادياً ساعد فنزويلا على الصمود، تماماً كما فعلت إيران مع حلفائها، مما جعله هدفاً مباشراً للعقوبات”، وشدد قصير على أن هذه الاتهامات لم تترجم حتى اليوم بأحكام قضائية دامغة، معتبراً أن الهدف الأساس هو تجفيف أي اقتصاد خارج السيطرة الأميركية، ومحاصرة لبنان مالياً.
منصة تشغيل
في المقابل رأى الباحث الأميركي جوزيف همير المتخصص في شبكات النفوذ الإيراني في نصف الكرة الغربي أن قضية أليكس صعب لا يمكن اختزالها بملف فساد أو تهرب من العقوبات، “بل يجب قراءتها ضمن بنية متكاملة أنشأتها إيران في أميركا اللاتينية بالتعاون مع نظام مادورو”، وأكد أن فنزويلا تحولت، خلال العقد الأخير، إلى منصة تشغيل لـ”الحرس الثوري الإيراني” و”حزب الله”، إذ بُني اقتصاد مُواز قائم على الذهب، التهريب، الشركات الوهمية، وخطوط نقل غير خاضعة للرقابة.
وبحسب همير، فإن “(حزب الله) لا يظهر في هذه البيئة كتنظيم عسكري، بل كفاعل مالي ولوجيستي يستفيد من شبكات يقودها رجال أعمال ووسطاء، بعضهم من أصول لبنانية، يعملون عند تقاطع المصالح بين طهران وكاراكاس”، وفي هذا الإطار، وضع همير اسم صعب في خانة “المسهل الاقتصادي” الذي وفر القنوات اللازمة للالتفاف على العقوبات. وحذر من أن أي تطور قضائي في ملف صعب قد يفتح الباب أمام تفكيك شبكات أوسع تمتد من أميركا اللاتينية إلى لبنان، معتبراً أن إدراج أسماء لبنانية على لوائح العقوبات، خلال السنوات الأخيرة، هو مؤشر واضح إلى أن هذا المسار بدأ فعلياً، “وقد ينتقل من الضغط المالي إلى الملاحقة والتنفيذ متى توافرت الظروف السياسية”.
ب” لربط أي علاقة اقتصادية بين دول خاضعة للعقوبات بالحزب، حتى في غياب أحكام قضائية نهائية. من هذا المنطلق، اعتبر قصير “أن صعب كان وسيطاً اقتصادياً ساعد فنزويلا على الصمود، تماماً كما فعلت إيران مع حلفائها، مما جعله هدفاً مباشراً للعقوبات”، وشدد قصير على أن هذه الاتهامات لم تترجم حتى اليوم بأحكام قضائية دامغة، معتبراً أن الهدف الأساس هو تجفيف أي اقتصاد خارج السيطرة الأميركية، ومحاصرة لبنان مالياً.
منصة تشغيل
في المقابل رأى الباحث الأميركي جوزيف همير المتخصص في شبكات النفوذ الإيراني في نصف الكرة الغربي أن قضية أليكس صعب لا يمكن اختزالها بملف فساد أو تهرب من العقوبات، “بل يجب قراءتها ضمن بنية متكاملة أنشأتها إيران في أميركا اللاتينية بالتعاون مع نظام مادورو”، وأكد أن فنزويلا تحولت، خلال العقد الأخير، إلى منصة تشغيل لـ”الحرس الثوري الإيراني” و”حزب الله”، إذ بُني اقتصاد مُواز قائم على الذهب، التهريب، الشركات الوهمية، وخطوط نقل غير خاضعة للرقابة.
وبحسب همير، فإن “(حزب الله) لا يظهر في هذه البيئة كتنظيم عسكري، بل كفاعل مالي ولوجيستي يستفيد من شبكات يقودها رجال أعمال ووسطاء، بعضهم من أصول لبنانية، يعملون عند تقاطع المصالح بين طهران وكاراكاس”، وفي هذا الإطار، وضع همير اسم صعب في خانة “المسهل الاقتصادي” الذي وفر القنوات اللازمة للالتفاف على العقوبات. وحذر من أن أي تطور قضائي في ملف صعب قد يفتح الباب أمام تفكيك شبكات أوسع تمتد من أميركا اللاتينية إلى لبنان، معتبراً أن إدراج أسماء لبنانية على لوائح العقوبات، خلال السنوات الأخيرة، هو مؤشر واضح إلى أن هذا المسار بدأ فعلياً، “وقد ينتقل من الضغط المالي إلى الملاحقة والتنفيذ متى توافرت الظروف السياسية”.










