قلق ما بعد اليونيفيل وتعقيدات المرحلة الانتقالية

الكاتب: روزانا بو منصف | المصدر: النهار
8 شباط 2026

فكرة الاستغناء عن اليونيفيل جنوباً طرحت تحديات جدية لبلد اطمأن على مدى العقود الماضية إلى وجود مظلة دولية وإن لم تكن حامية أو رادعة…

على وجاهة المبررات التي تدفع لبنان للبحث عن قوات بديلة من القوة الدولية العاملة في الجنوب (اليونيفيل) لكي تكون مقام هذه الاخيرة في الجنوب بعد انتهاء مهماتها بعد ما يقارب على 48 سنة، فان هذا المسعى يؤشر من بين مؤشرات اخرى كثيرة الى ان الزخم المتصل باعادة بناء الدولة في لبنان منذ ما يقرب السنة لم يكن بالقوة المتوخاة. فحين مدد مجلس الأمن الدولي ولاية اليونيفيل للمرة الأخيرة في نهاية آب الماضي حتى نهاية عام 2026 بضغط أساسي من الولايات المتحدة، عد كثر ذلك خطوة ايجابية على خلفية الاحتمال المرجح لعدم الحاجة بعد الان للاستثمار في هذه القوات، علماً أن الدوافع الاميركية مختلفة ومتعددة، على ضوء خطة الدولة اللبنانية لاستعادة سيطرتها على كل الاراضي اللبنانية انطلاقاً من الجنوب اللبناني وعلى ضوء رعاية اميركية لوضع اتفاق وقف النار موضع التنفيذ تمهيداً لانهاء الواقع المتوتر في الجنوب مع الدفع في اتجاه العودة الى اتفاق الهدنة بين لبنان واسرائيل معدلا نتيجة تغير الظروف.

 

فكرة الاستغناء عن اليونيفيل جنوباً طرحت تحديات جدية لبلد اطمأن على مدى العقود الماضية إلى وجود مظلة دولية وإن لم تكن حامية أو رادعة إنما عازلة بين لبنان وإسرائيل ومراقبة شاهدة على اعتداءات هذه الاخيرة. وهي بدت بمثابة وضع لبنان امام امر واقع قسري يفترض به سريعا التأهل لتحمله. ولكن الفكرة او الخطوة بدت مغرية من جوانب اخرى لعل ابرزها ما يعنيه ذلك من امتلاك الجيش اللبناني القدرة على بسط سيادة الدولة على حدودها وما يعنيه ذلك من حتمية من شراكات للبنان مع دول اقليمية وغربية من اجل دعم الجيش لتمكينه على القيام بذلك. ويعطف على ذلك ثقة المجتمع الدولي بان لبنان بات يسير في اتجاه الخروج من ازماته المديدة وثقة اللبنانيين بان لبنان عاد ليكون دولة مكتملة المواصفات تتولى حماية حدودها وهي قادرة على ذلك ولو انه يستمر في الحاجة الى دعم من اصدقائه في هذا الاطار.

 

السعي عبر مؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني لتوفير هذه القدرات في المرحلة المقبلة يترابط مع السعي اللبناني الى قوى اوروبية تحل مكان اليونيفيل في الجنوب بعد نهاية السنة من ضمن صيغة يتم البحث فيها بين صيغ متعددة تعمل عليها الامانة العامة للامم المتحدة، حيث من المقرر ان يقدم الأمين العام للأمم المتحدة تقريرا في موعد أقصاه حزيران 2026 حول سبل المضي قدماً في تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1701، وتأمين ومراقبة الخط الأزرق، ودعم انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني. وهو أمر قد يحصل عبر تعزيز لجنة مراقبة الهدنة المشتركة التابعة للامم المتحدة ما يبقي للأمم المتحدة دورا هامٌا في تعزيز السلام والأمن في الجنوب. ولكن يخشى ان كل هذا السياق للامور يترجم واقعا يفيد بان المرحلة الانتقالية ستطول اكثر من المتوقع . فمن جهة لم تنفذ إسرائيل الجانب المتعلق بها من اتفاق وقف النار فلم تنسحب من النقاط التي احتلتها في الجنوب فيما تواصل استهدافاتها لمواقع واشخاص في لبنان من دون اي رادع. ومن جهة اخرى وفيما كان متوقعا ان يسلك التفاوض عبر لجنة الميكانيزم الى تسهيل حل هذه الاشكالات الامنية على الاقل في موازاة الانتقال الى ملفات سياسية تعيد الاعتبار لكل النقاط العالقة على الحدود بين لبنان واسرائيل وتمهد للانتقال الى اتفاق الهدنة او شيء مماثل يتم الاتفاق عليه، فان هذا المسار تعثر اقله راهنا في انتظار البحث عن اطار جديد لا يبدو واضحا حتى الآن.

 

ومن جهة اخرى أيضاً، بدت جهود الجيش اللبناني متعثرة جدا في السير قدما في مهمته بسط سلطته على كل الاراضي اللبنانية على خلفية امتناع اسرائيل عن الانسحاب من لبنان ما يعيق قدرته على الانتشار المباشر على الحدود حتى الان وعدم ممارسة الولايات المتحدة اي ضغوط على إسرائيل بما يمكن من تعزيز اوراق الدولة اللبنانية في هذا الاطار، وعلى خلفية مواجهة “حزب الله” الدولة في بسط سيطرتها منه ضمن مساعيه للابقاء على سلاحه على نحو ينقض قدرة الدولة ومن ضمن مساعيه للابقاء على سلاحه ونفوذه ورقة تستخدمها ايران في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة. وما يجري راهناً بين الولايات المتحدة وايران سواء اتفقا كليا او جزئياً أو راوحت المفاوضات طويلاً أو حصلت ضربة اميركية لطهران سيترك انعكاسات على لبنان قد لا تكون إيجابية ضرورة. فالوضع في لبنان تكشف اكثر فاكثر بعد سنة على بدء مسار التعافي السياسي عن هشاشة بالغة وتعقيدات لم تزل مع توقف الحرب وتحولها الى استنزاف ميداني.

قلق ما بعد اليونيفيل وتعقيدات المرحلة الانتقالية

الكاتب: روزانا بو منصف | المصدر: النهار
8 شباط 2026

فكرة الاستغناء عن اليونيفيل جنوباً طرحت تحديات جدية لبلد اطمأن على مدى العقود الماضية إلى وجود مظلة دولية وإن لم تكن حامية أو رادعة…

على وجاهة المبررات التي تدفع لبنان للبحث عن قوات بديلة من القوة الدولية العاملة في الجنوب (اليونيفيل) لكي تكون مقام هذه الاخيرة في الجنوب بعد انتهاء مهماتها بعد ما يقارب على 48 سنة، فان هذا المسعى يؤشر من بين مؤشرات اخرى كثيرة الى ان الزخم المتصل باعادة بناء الدولة في لبنان منذ ما يقرب السنة لم يكن بالقوة المتوخاة. فحين مدد مجلس الأمن الدولي ولاية اليونيفيل للمرة الأخيرة في نهاية آب الماضي حتى نهاية عام 2026 بضغط أساسي من الولايات المتحدة، عد كثر ذلك خطوة ايجابية على خلفية الاحتمال المرجح لعدم الحاجة بعد الان للاستثمار في هذه القوات، علماً أن الدوافع الاميركية مختلفة ومتعددة، على ضوء خطة الدولة اللبنانية لاستعادة سيطرتها على كل الاراضي اللبنانية انطلاقاً من الجنوب اللبناني وعلى ضوء رعاية اميركية لوضع اتفاق وقف النار موضع التنفيذ تمهيداً لانهاء الواقع المتوتر في الجنوب مع الدفع في اتجاه العودة الى اتفاق الهدنة بين لبنان واسرائيل معدلا نتيجة تغير الظروف.

 

فكرة الاستغناء عن اليونيفيل جنوباً طرحت تحديات جدية لبلد اطمأن على مدى العقود الماضية إلى وجود مظلة دولية وإن لم تكن حامية أو رادعة إنما عازلة بين لبنان وإسرائيل ومراقبة شاهدة على اعتداءات هذه الاخيرة. وهي بدت بمثابة وضع لبنان امام امر واقع قسري يفترض به سريعا التأهل لتحمله. ولكن الفكرة او الخطوة بدت مغرية من جوانب اخرى لعل ابرزها ما يعنيه ذلك من امتلاك الجيش اللبناني القدرة على بسط سيادة الدولة على حدودها وما يعنيه ذلك من حتمية من شراكات للبنان مع دول اقليمية وغربية من اجل دعم الجيش لتمكينه على القيام بذلك. ويعطف على ذلك ثقة المجتمع الدولي بان لبنان بات يسير في اتجاه الخروج من ازماته المديدة وثقة اللبنانيين بان لبنان عاد ليكون دولة مكتملة المواصفات تتولى حماية حدودها وهي قادرة على ذلك ولو انه يستمر في الحاجة الى دعم من اصدقائه في هذا الاطار.

 

السعي عبر مؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني لتوفير هذه القدرات في المرحلة المقبلة يترابط مع السعي اللبناني الى قوى اوروبية تحل مكان اليونيفيل في الجنوب بعد نهاية السنة من ضمن صيغة يتم البحث فيها بين صيغ متعددة تعمل عليها الامانة العامة للامم المتحدة، حيث من المقرر ان يقدم الأمين العام للأمم المتحدة تقريرا في موعد أقصاه حزيران 2026 حول سبل المضي قدماً في تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1701، وتأمين ومراقبة الخط الأزرق، ودعم انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني. وهو أمر قد يحصل عبر تعزيز لجنة مراقبة الهدنة المشتركة التابعة للامم المتحدة ما يبقي للأمم المتحدة دورا هامٌا في تعزيز السلام والأمن في الجنوب. ولكن يخشى ان كل هذا السياق للامور يترجم واقعا يفيد بان المرحلة الانتقالية ستطول اكثر من المتوقع . فمن جهة لم تنفذ إسرائيل الجانب المتعلق بها من اتفاق وقف النار فلم تنسحب من النقاط التي احتلتها في الجنوب فيما تواصل استهدافاتها لمواقع واشخاص في لبنان من دون اي رادع. ومن جهة اخرى وفيما كان متوقعا ان يسلك التفاوض عبر لجنة الميكانيزم الى تسهيل حل هذه الاشكالات الامنية على الاقل في موازاة الانتقال الى ملفات سياسية تعيد الاعتبار لكل النقاط العالقة على الحدود بين لبنان واسرائيل وتمهد للانتقال الى اتفاق الهدنة او شيء مماثل يتم الاتفاق عليه، فان هذا المسار تعثر اقله راهنا في انتظار البحث عن اطار جديد لا يبدو واضحا حتى الآن.

 

ومن جهة اخرى أيضاً، بدت جهود الجيش اللبناني متعثرة جدا في السير قدما في مهمته بسط سلطته على كل الاراضي اللبنانية على خلفية امتناع اسرائيل عن الانسحاب من لبنان ما يعيق قدرته على الانتشار المباشر على الحدود حتى الان وعدم ممارسة الولايات المتحدة اي ضغوط على إسرائيل بما يمكن من تعزيز اوراق الدولة اللبنانية في هذا الاطار، وعلى خلفية مواجهة “حزب الله” الدولة في بسط سيطرتها منه ضمن مساعيه للابقاء على سلاحه على نحو ينقض قدرة الدولة ومن ضمن مساعيه للابقاء على سلاحه ونفوذه ورقة تستخدمها ايران في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة. وما يجري راهناً بين الولايات المتحدة وايران سواء اتفقا كليا او جزئياً أو راوحت المفاوضات طويلاً أو حصلت ضربة اميركية لطهران سيترك انعكاسات على لبنان قد لا تكون إيجابية ضرورة. فالوضع في لبنان تكشف اكثر فاكثر بعد سنة على بدء مسار التعافي السياسي عن هشاشة بالغة وتعقيدات لم تزل مع توقف الحرب وتحولها الى استنزاف ميداني.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار