وقت مستقطع بين الحزب والمستقبل

الكاتب: محمود وهبة | المصدر: المدن
8 شباط 2026

كل ما في الأمر أنّ كلاماً يتردّد، همساً وبلا إعلان، عن قنوات مفتوحة بين حزب الله وتيار المستقبل، وعن رغبة متبادلة في “تنعيم” المرحلة المقبلة. ليس مؤكّداً أنَّ لقاءات قد عُقدت، ولا أن تفاهمات قد أُبرمت. لكنّ ليس غريباً على كلا الطرفين اللجوء إلى هكذا ممرات لتسيير أمور المرحلة المقبلة. انتخابات أقلّ توتراً، جمهور أقلّ عصبيّة، وملفات كبرى تُترك جانباً، أو تُؤجَّل إلى أجل غير مسمّى. لماذا يبدو من السّهل اليوم تصديق مثل هذا السيناريو؟ ولماذا يبدو منطقياً إلى هذا الحد؟

لطالما قامت العلاقة بين الطرفين على الصدام العلني. خطابٌ يقابلهُ خطاب، شارع يقابله شارع، وسياسة تُدار بلغة المواجهة العالية. كان الخلاف يُقال ويُكرَّس ويُستخدم في التعبئة. لربما اليوم تغيّر المشهد وطريقة إدارته تبدّلت، هذا طبعاً لا يعني أنّ الخلاف انتهى. ما يُتداول لا يشير إلى تفاهم سياسي بالمعنى الكامل، إنما يؤشر لما هو أكثر تواضعاً وخطورة في آن: تنظيم الخلاف، ضبطه، وتحييده عن الاستحقاق الانتخابي القادم.

التهدئة أداة سياسيّة

في بلد تتآكل فيه السياسة أضحت الانتخابات نقطة التقاطع الوحيدة المتبقّية. كل طرف يحتاج إلى تثبيت حجمه، والتفكير لم يعُد محصوراً في توسيع رقعة الجمهور، إنما في حماية هذا الجمهور من استقطابات مختلفة. هكذا أصبحت التهدئة قيمة بحدّ ذاتها، وأصبح معها الصمت أداة سياسية. ربما ليس لأنّ الملفات الكبرى حُلّت، إنما لأن فتحها مكلف وغير مضمون النتائج.

يحضر ملف السلاح في مثل هذه الأوقات ولا يمكن تجاهله. وفي الوقت نفسه لا يمكن الاقتراب منه في الفعل. يُستدعى الملف المتفجّر عند الحاجة، ولا يلبث المتناحرون أن يُعيدوه إلى الأدراج عند أول استحقاق جدّي. لم يتوصّل الطرفان إلى قناعة مشتركة حيال السّلاح، ولكنهم أدركوا حدود اللعبة. بات من باب المعلوم أنّ ما لا يُمكنُ حسمهُ يُدار وما لا يمكن إدارته يُؤجَّل والحبل عالجرار. 

بهذا المعنى لا تبدو التفاهمات غير المعلنة استثناءً في الحياة السياسية اللبنانية، هي عبارة عن استمرار للمنطق القديم. رحلة مستمرة للنظام نفسه القائم على تسويات غير معلنة، وعلى خطوط حمراء مفخّخة، وعلى توازنات تُفهم بالإشارة.

واقعيّة جديدة

الجديد اليوم هو أنّ هذا المنطق لم يعد يُخجل أحداًصار يُقدَّم كأنّه واقعية، أو ربما حكمة سياسية، أو ضرورة لتفادي الأسوأ وهل هناك أسوء؟! الواقعية السياسيّة هنا التي يقولها هذا التقارب، لو حصل، يمكن القول عنها إنّها خيارٌ سياسيٌ ولكنها في العمق ليست كذلك، هي اعتراف ضمني بالعجز. عجز من قبل الطرفين عن الحسم والقرار، وعجز عن تحويل الخلاف إلى سياسة واضحة تندّد وتترجم خياراتها على الأرض وفي الخطاب السياسي. 

ما الذي نجده في المقابل؟ ما نجده هو أنّ المشهد يُدار بلغة مزدوجة. خطاب عالي النبرة يقدِّمه المتناحرون للاستهلاك العام، وممارسة هادئة في الكواليس وربما لقاءات وترتيبات وتأجيل ملفات. يسمعُ الجمهور شيئاً في الوقت الذي تُدار فيه السياسة بشيء آخر. ليس الخطأ في الجمهور هنا، إنما في الاتجاهات المختلفة التي قلّصت دوره إلى وظيفة انتخابية بحتة.

لبنان اليوم أمام سياسة خالية من المشروع. سياسة بلا أفق وبلا أيّ رغبة حقيقية في الاشتباك. هذا التحوّل يقول الكثير عن المرحلة. الصدام لم يعد منتجاً، والاتفاق غير ممكن، فكان الحلّ الوسط هو الصّمت. لربما القوى المتنازعة فقدت قدرتها على المواجهة وقدرتها على الاتفاق. وتحوّل الصمت من أداة مؤقّتة إلى نمط حكم، ومن تكتيك مرحلي إلى سياسة دائمة، تُدار باسم الواقعية، فيما هي في جوهرها إدارة للفشل.

إلى متى يمكن لهذه المعادلة أن تصمد؟ إلى متى يمكن للصمت أن يحلّ مكان السياسة؟ وإلى متى يمكن للانتخابات أن تكون بديلاً عن النقاش العام؟ الأسئلة كثيرة، والإجابات مؤجَّلة. ربما هذا هو جوهر المسألة: نحن لا نعيش لحظة اتفاق، نحن في عين التعليق السياسي. لحظة معلّقة وكأنّها لا تمهّد لنهاية الصّراع إنما تعطينا فقط استراحة منه.

إنكار مستمر 

الأخطر من التفاهمات غير المعلنة ليس وجودها، إنما إصرار أطرافها على إنكارها أمام جمهور يُستدعى عند الحاجة ويُترك عند التسويات. الكذب هنا ليس استثناء، هو جزءٌ من آلية الحكم. آلية أساسها المشاركة الصريحة في تهميش الناس عن قرارات تُتّخذ باسمهم ومن دونهم.

في النهاية، سواء حصلت اللقاءات أم لم تحصل، فإن تداولها بحدّ ذاته إشارة. إشارة إلى أن السياسة اللبنانية لم تعد تُدار بما يُقال. وأن الخلافات الكبرى لم تُحلّ، إنما جرى إبعادها مؤقتاً عن الطاولة. وبين هذا الصمت وذلك الانتظار تستمر البلاد في العيش على الهامش، حيث تُدار السياسة كما تُدار الأزمات: لا للضجيج، لا للحلول.

وقت مستقطع بين الحزب والمستقبل

الكاتب: محمود وهبة | المصدر: المدن
8 شباط 2026

كل ما في الأمر أنّ كلاماً يتردّد، همساً وبلا إعلان، عن قنوات مفتوحة بين حزب الله وتيار المستقبل، وعن رغبة متبادلة في “تنعيم” المرحلة المقبلة. ليس مؤكّداً أنَّ لقاءات قد عُقدت، ولا أن تفاهمات قد أُبرمت. لكنّ ليس غريباً على كلا الطرفين اللجوء إلى هكذا ممرات لتسيير أمور المرحلة المقبلة. انتخابات أقلّ توتراً، جمهور أقلّ عصبيّة، وملفات كبرى تُترك جانباً، أو تُؤجَّل إلى أجل غير مسمّى. لماذا يبدو من السّهل اليوم تصديق مثل هذا السيناريو؟ ولماذا يبدو منطقياً إلى هذا الحد؟

لطالما قامت العلاقة بين الطرفين على الصدام العلني. خطابٌ يقابلهُ خطاب، شارع يقابله شارع، وسياسة تُدار بلغة المواجهة العالية. كان الخلاف يُقال ويُكرَّس ويُستخدم في التعبئة. لربما اليوم تغيّر المشهد وطريقة إدارته تبدّلت، هذا طبعاً لا يعني أنّ الخلاف انتهى. ما يُتداول لا يشير إلى تفاهم سياسي بالمعنى الكامل، إنما يؤشر لما هو أكثر تواضعاً وخطورة في آن: تنظيم الخلاف، ضبطه، وتحييده عن الاستحقاق الانتخابي القادم.

التهدئة أداة سياسيّة

في بلد تتآكل فيه السياسة أضحت الانتخابات نقطة التقاطع الوحيدة المتبقّية. كل طرف يحتاج إلى تثبيت حجمه، والتفكير لم يعُد محصوراً في توسيع رقعة الجمهور، إنما في حماية هذا الجمهور من استقطابات مختلفة. هكذا أصبحت التهدئة قيمة بحدّ ذاتها، وأصبح معها الصمت أداة سياسية. ربما ليس لأنّ الملفات الكبرى حُلّت، إنما لأن فتحها مكلف وغير مضمون النتائج.

يحضر ملف السلاح في مثل هذه الأوقات ولا يمكن تجاهله. وفي الوقت نفسه لا يمكن الاقتراب منه في الفعل. يُستدعى الملف المتفجّر عند الحاجة، ولا يلبث المتناحرون أن يُعيدوه إلى الأدراج عند أول استحقاق جدّي. لم يتوصّل الطرفان إلى قناعة مشتركة حيال السّلاح، ولكنهم أدركوا حدود اللعبة. بات من باب المعلوم أنّ ما لا يُمكنُ حسمهُ يُدار وما لا يمكن إدارته يُؤجَّل والحبل عالجرار. 

بهذا المعنى لا تبدو التفاهمات غير المعلنة استثناءً في الحياة السياسية اللبنانية، هي عبارة عن استمرار للمنطق القديم. رحلة مستمرة للنظام نفسه القائم على تسويات غير معلنة، وعلى خطوط حمراء مفخّخة، وعلى توازنات تُفهم بالإشارة.

واقعيّة جديدة

الجديد اليوم هو أنّ هذا المنطق لم يعد يُخجل أحداًصار يُقدَّم كأنّه واقعية، أو ربما حكمة سياسية، أو ضرورة لتفادي الأسوأ وهل هناك أسوء؟! الواقعية السياسيّة هنا التي يقولها هذا التقارب، لو حصل، يمكن القول عنها إنّها خيارٌ سياسيٌ ولكنها في العمق ليست كذلك، هي اعتراف ضمني بالعجز. عجز من قبل الطرفين عن الحسم والقرار، وعجز عن تحويل الخلاف إلى سياسة واضحة تندّد وتترجم خياراتها على الأرض وفي الخطاب السياسي. 

ما الذي نجده في المقابل؟ ما نجده هو أنّ المشهد يُدار بلغة مزدوجة. خطاب عالي النبرة يقدِّمه المتناحرون للاستهلاك العام، وممارسة هادئة في الكواليس وربما لقاءات وترتيبات وتأجيل ملفات. يسمعُ الجمهور شيئاً في الوقت الذي تُدار فيه السياسة بشيء آخر. ليس الخطأ في الجمهور هنا، إنما في الاتجاهات المختلفة التي قلّصت دوره إلى وظيفة انتخابية بحتة.

لبنان اليوم أمام سياسة خالية من المشروع. سياسة بلا أفق وبلا أيّ رغبة حقيقية في الاشتباك. هذا التحوّل يقول الكثير عن المرحلة. الصدام لم يعد منتجاً، والاتفاق غير ممكن، فكان الحلّ الوسط هو الصّمت. لربما القوى المتنازعة فقدت قدرتها على المواجهة وقدرتها على الاتفاق. وتحوّل الصمت من أداة مؤقّتة إلى نمط حكم، ومن تكتيك مرحلي إلى سياسة دائمة، تُدار باسم الواقعية، فيما هي في جوهرها إدارة للفشل.

إلى متى يمكن لهذه المعادلة أن تصمد؟ إلى متى يمكن للصمت أن يحلّ مكان السياسة؟ وإلى متى يمكن للانتخابات أن تكون بديلاً عن النقاش العام؟ الأسئلة كثيرة، والإجابات مؤجَّلة. ربما هذا هو جوهر المسألة: نحن لا نعيش لحظة اتفاق، نحن في عين التعليق السياسي. لحظة معلّقة وكأنّها لا تمهّد لنهاية الصّراع إنما تعطينا فقط استراحة منه.

إنكار مستمر 

الأخطر من التفاهمات غير المعلنة ليس وجودها، إنما إصرار أطرافها على إنكارها أمام جمهور يُستدعى عند الحاجة ويُترك عند التسويات. الكذب هنا ليس استثناء، هو جزءٌ من آلية الحكم. آلية أساسها المشاركة الصريحة في تهميش الناس عن قرارات تُتّخذ باسمهم ومن دونهم.

في النهاية، سواء حصلت اللقاءات أم لم تحصل، فإن تداولها بحدّ ذاته إشارة. إشارة إلى أن السياسة اللبنانية لم تعد تُدار بما يُقال. وأن الخلافات الكبرى لم تُحلّ، إنما جرى إبعادها مؤقتاً عن الطاولة. وبين هذا الصمت وذلك الانتظار تستمر البلاد في العيش على الهامش، حيث تُدار السياسة كما تُدار الأزمات: لا للضجيج، لا للحلول.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار