توثيقات إبستين و جرميّة إقتناء التاريخ!

11 شباط 2026
كتب الوزير السابق جورج كلاس:
قوة الممكن و المستحيل و فنية الإفراج عن المسموح نشره و المحجوب عن النشر  بما يتوافق و هدفيات الجهة التي تقف خلف توقيت النشر و الفضح و إستخدام التوثيقات اداة للتضليل و إساءة السمعة من خلال ملفات تثير الجدل ، و ما قد تسببه من تداعيات سياسية على صعيد إستقالة مسؤولين إستهدفتهم التوثيق و اقدام بعضهم على الانتحار  هرباً من الفضيحة  .  فعملية استخدام  ملف الفضائح تتطلب معرفة بإدارة النفوذ و وضع مخطط عمل و تشغيل العملاء و تأليف شبكات اتصال تعمل خارج اطار قانون الشفافية و ما تستوجبه عملية  ايجاد أدلَّة موثوقة قادرة على تحريك الاهتمام،  والحرص على عدم الوقوع في فخ التورّط بمقاصد التجريم الجنسي و الإختلاسي و العنصري ، مما يجعل من منظم التوثيقات يقترف جرمين ، جرم النيل من سمعة الاشخاص و إستهدافهم و التسبب بأزمات تنعكس على مستقبلهم و حياتهم ، و جرم تحويل  مستهلك الوثيقة إلى ضحية ، فضلاً عن  إفتعال التضليلات المراففة للملفات الخام  غير المثبتة.
واخطر ما يمكن ان ينتج عن عملية توقيت  نشر التوثيقات  هو إرفاقها بحملة دعائية تزيد من قوة الجذب و  الحشرية،  و تمهد لطرح اسئلة مركزية حول قيمتها المعرفية و قوتها التأثيرية خصوصاً إذا ما تم الإفراج عن مضمون بعضها بعد موت الشخص الذي وثقها ، كحالة جيفري إبستين ، الشاهد الوحيد على صدقية التوثيقات او عدمها، حيث قررت  الجهة السياسية الإفراج الجزئي عن اكثر من ثلاثة ملايين و نصف وثيقة و مئة و ثمانين الف صورة و مليوني  تسجيل ڤيديو  بعد  ست  سنوات من حادثة وفاته التي لا تزال حتى الان محل تجاذب بين  رواية  انتحاره او  مقتله في سجنه.
فالاعتراف بقدرة الإعلام كسلطة معنوية و تأثيرية ، يدفع إلى مقاربة إعلام الفضائح من منظور إستراتيجي و تحليلي ، و معرفة مدى فعاليته في إنتاج محتوى فضائحي و كيفية إستثمار الخبر الذي كان  مسكوتاً  عنه ، و اكتشاف  أسباب و دوافع  الرصد التصويري و التجميع و الاستخباري ، و إعتماد منطق اللحظة الأنسب للنشر و التوزيع و الاستهداف  و  الفصح ، من مثل ما تشكله وثائق إبستين  كنموذج للعمل الاستخباراتي الذي يولد ازمة ثقة بين المنتفعين و المتضررين من النشر و يخلق أزمة  شفافية ، قياساً على منسوب الصدقية التي تتقصد  إهتزاز النخب السياسية و الاجتماعية ، من خلال  التداعيات الامنية و السياسية و الاخلاقية التي تحدثها.
المشكلة المهنية التي تعترض المؤسسة الاعلامية عند تبنِّيها المحتوى الفضائحي للملفات و اكتشافها انها تورطت بعيداً ، هي كيفية إعتمادها  تقنية إعلام طائر الفينيق او إعلام الفرصة الثانية ، الذي يوفر للمؤسسة اعادة  تموضعها و إتزانها و الإمساك بناصية التقصي المعرفي من جديد.
فالإعلام الاستراتيجي من حيث هو علم و تخصص و شغف و  يحترم ناموس الكشف عن الحقائق و إنتاج معارف ، ينماز بأنه عملية معاينة للأحداث و تأريخ  للوقائع  و تقديم رؤية حولها ،  ما يوفر للمؤسسة و الإعلامي ميزة إقتناء التاريخ ، من دون أي علاقة تبعية بأي جهة.
فهل يقدر الإعلام الذي غالى بإستثمار الفضيحة و حاد عن موضوعيته على الانبعاث من جديد  ليستعيد كيانيته و رصانته و يحتِرم و يحرص على رصيده ،و  ان يتغلب  على محنة الظروف الصعبة التي أثرت على مهنيته ،  فيتقن  استخدام تقنيات النهوض و عدم الاستسلام للخطأ الذي وقع به ، من خلال اعادة رسم  خارطة إستعادة الثقة و العودة لإكمال دورة  المعرفة ، بعيداً عن التلوث السمعي و التشويه اللفظي و عقديات توظيف  الصورة و إستغلال سطوة السلطة الرابعة. و هذا ما يفرض وجوبية التركيز على  السعي  الاحترافي الذي يولد السبق المعرفي ويكون قادراً على استثمار الاختلاف الحضاري و السياسي لإستعادة الدور و تأكيد نفعية العمل الإستقصائي و  الحقيقة التي يسهم بكشفها.
وتتجسد  مسؤولية الإعلام  بجرأة  إتباع   التوبة عند اكتشاف الحقيقة و عدم الاكتفاء بإعلان الندم ، لأن ذلك لا يكفي لاعادة ترميم الصورة التي خدشها التسرع بتبني مضامين وثائق الفضيحة المثارة. فثلاثية الاعتذار و التوبة و الندم تفضي إلى العدالة الواجب التحلّي بها ، حفاظاً على ناموس المهنة و  هيبة  السلطة و كرامة المهنة. فلحظة الاندفاع القصوى ( المومنتوم ) في إعلام الأزمات تمهد لإعلان الإنذار النهائي (اولتيماتوم)، لأن خطاب التوتر العالي يحمل  بطياته معالم الخطر الدائم الذي من الصعب تصحيحه و التراجع عنه من دون ترك ندوب في رصيد المؤسسة و الإعلامي نفسه .و هذا ما يؤكد ان الحفاظ على رصانة الكلام في زمن الأزمات هو  قدرة  فنية  تقود  إلى الإمتياز الفكري الذي يجعل من الممكن  وضع رؤية و تحقيق الأهداف بما يتوافق و صوابية الرصد و التحليل و تقديم مشاريع أفكار حول الأمور الخلافية في حالة التعدديات الإعلامية التي تتسرع في عملية التنافس  . فالحرص على التأكد من صحة المعلومة، ما يجعل من النص الإعلامي المتقن الصناعة و الصياغة نصاً يُقرأ لذاته ، و بعيدا عن الاستغلال و الاستثمار و أساليب التفاهة و السفاهة و السخافة . و هذا ما يجعل من  إعلام الأزمات و  النزاعات يستوجب الحيادية الموضوعية بمعناها الايجابي ، لا الحيادية الهروبية بدلالتها السلبية ، إذ غالباً ما  تشكل الاستعانات اللفظية و الاستعارات الأسلوبية مدخلاً مساعداً للنصوص المفتاحية التي تجرأ على طرح القضايا و معالجتها بجرأة تفكيرية و عمق تحليلي، و هذا ما يجعل من الاطار الطقسي لكل ازمة مدخلاً إلى الكتابة التدبرِيَّة، بمعناها التوفيقي الحريص على إنتاج مواد نظيفة  تتصف بفضيلة التوازن و قوة الاتزان للانتهاء من اشكالية التأكد من  صحة محتوى الوثائق، و نفعيتها قبل نشرها.
فأي مسؤولية تقع على مروجي إعلام الفضائح من الاستهداف و التضليل و قصدية تشويه السمعة ، إلى  تلويث الصورة و هدم الثقة و إسقاط الهالة، و مواءمة ذلك مع الدور الاستخباراتي و الاستعلامي المرافق لعملية الرصد و التركيب و التلفيق و تقنيات الاختراق واستراتيجيات التوقيت و الإفراج  عن الوثائق و معرفة قيمتها و مدى صحتها . و هنا يتحدد سؤال المرحلة حول مَنْ يمكن ان يستفيد من النشر  ؟ قبل السؤال من هو المتضرر من الفضح؟

توثيقات إبستين و جرميّة إقتناء التاريخ!

11 شباط 2026
كتب الوزير السابق جورج كلاس:
قوة الممكن و المستحيل و فنية الإفراج عن المسموح نشره و المحجوب عن النشر  بما يتوافق و هدفيات الجهة التي تقف خلف توقيت النشر و الفضح و إستخدام التوثيقات اداة للتضليل و إساءة السمعة من خلال ملفات تثير الجدل ، و ما قد تسببه من تداعيات سياسية على صعيد إستقالة مسؤولين إستهدفتهم التوثيق و اقدام بعضهم على الانتحار  هرباً من الفضيحة  .  فعملية استخدام  ملف الفضائح تتطلب معرفة بإدارة النفوذ و وضع مخطط عمل و تشغيل العملاء و تأليف شبكات اتصال تعمل خارج اطار قانون الشفافية و ما تستوجبه عملية  ايجاد أدلَّة موثوقة قادرة على تحريك الاهتمام،  والحرص على عدم الوقوع في فخ التورّط بمقاصد التجريم الجنسي و الإختلاسي و العنصري ، مما يجعل من منظم التوثيقات يقترف جرمين ، جرم النيل من سمعة الاشخاص و إستهدافهم و التسبب بأزمات تنعكس على مستقبلهم و حياتهم ، و جرم تحويل  مستهلك الوثيقة إلى ضحية ، فضلاً عن  إفتعال التضليلات المراففة للملفات الخام  غير المثبتة.
واخطر ما يمكن ان ينتج عن عملية توقيت  نشر التوثيقات  هو إرفاقها بحملة دعائية تزيد من قوة الجذب و  الحشرية،  و تمهد لطرح اسئلة مركزية حول قيمتها المعرفية و قوتها التأثيرية خصوصاً إذا ما تم الإفراج عن مضمون بعضها بعد موت الشخص الذي وثقها ، كحالة جيفري إبستين ، الشاهد الوحيد على صدقية التوثيقات او عدمها، حيث قررت  الجهة السياسية الإفراج الجزئي عن اكثر من ثلاثة ملايين و نصف وثيقة و مئة و ثمانين الف صورة و مليوني  تسجيل ڤيديو  بعد  ست  سنوات من حادثة وفاته التي لا تزال حتى الان محل تجاذب بين  رواية  انتحاره او  مقتله في سجنه.
فالاعتراف بقدرة الإعلام كسلطة معنوية و تأثيرية ، يدفع إلى مقاربة إعلام الفضائح من منظور إستراتيجي و تحليلي ، و معرفة مدى فعاليته في إنتاج محتوى فضائحي و كيفية إستثمار الخبر الذي كان  مسكوتاً  عنه ، و اكتشاف  أسباب و دوافع  الرصد التصويري و التجميع و الاستخباري ، و إعتماد منطق اللحظة الأنسب للنشر و التوزيع و الاستهداف  و  الفصح ، من مثل ما تشكله وثائق إبستين  كنموذج للعمل الاستخباراتي الذي يولد ازمة ثقة بين المنتفعين و المتضررين من النشر و يخلق أزمة  شفافية ، قياساً على منسوب الصدقية التي تتقصد  إهتزاز النخب السياسية و الاجتماعية ، من خلال  التداعيات الامنية و السياسية و الاخلاقية التي تحدثها.
المشكلة المهنية التي تعترض المؤسسة الاعلامية عند تبنِّيها المحتوى الفضائحي للملفات و اكتشافها انها تورطت بعيداً ، هي كيفية إعتمادها  تقنية إعلام طائر الفينيق او إعلام الفرصة الثانية ، الذي يوفر للمؤسسة اعادة  تموضعها و إتزانها و الإمساك بناصية التقصي المعرفي من جديد.
فالإعلام الاستراتيجي من حيث هو علم و تخصص و شغف و  يحترم ناموس الكشف عن الحقائق و إنتاج معارف ، ينماز بأنه عملية معاينة للأحداث و تأريخ  للوقائع  و تقديم رؤية حولها ،  ما يوفر للمؤسسة و الإعلامي ميزة إقتناء التاريخ ، من دون أي علاقة تبعية بأي جهة.
فهل يقدر الإعلام الذي غالى بإستثمار الفضيحة و حاد عن موضوعيته على الانبعاث من جديد  ليستعيد كيانيته و رصانته و يحتِرم و يحرص على رصيده ،و  ان يتغلب  على محنة الظروف الصعبة التي أثرت على مهنيته ،  فيتقن  استخدام تقنيات النهوض و عدم الاستسلام للخطأ الذي وقع به ، من خلال اعادة رسم  خارطة إستعادة الثقة و العودة لإكمال دورة  المعرفة ، بعيداً عن التلوث السمعي و التشويه اللفظي و عقديات توظيف  الصورة و إستغلال سطوة السلطة الرابعة. و هذا ما يفرض وجوبية التركيز على  السعي  الاحترافي الذي يولد السبق المعرفي ويكون قادراً على استثمار الاختلاف الحضاري و السياسي لإستعادة الدور و تأكيد نفعية العمل الإستقصائي و  الحقيقة التي يسهم بكشفها.
وتتجسد  مسؤولية الإعلام  بجرأة  إتباع   التوبة عند اكتشاف الحقيقة و عدم الاكتفاء بإعلان الندم ، لأن ذلك لا يكفي لاعادة ترميم الصورة التي خدشها التسرع بتبني مضامين وثائق الفضيحة المثارة. فثلاثية الاعتذار و التوبة و الندم تفضي إلى العدالة الواجب التحلّي بها ، حفاظاً على ناموس المهنة و  هيبة  السلطة و كرامة المهنة. فلحظة الاندفاع القصوى ( المومنتوم ) في إعلام الأزمات تمهد لإعلان الإنذار النهائي (اولتيماتوم)، لأن خطاب التوتر العالي يحمل  بطياته معالم الخطر الدائم الذي من الصعب تصحيحه و التراجع عنه من دون ترك ندوب في رصيد المؤسسة و الإعلامي نفسه .و هذا ما يؤكد ان الحفاظ على رصانة الكلام في زمن الأزمات هو  قدرة  فنية  تقود  إلى الإمتياز الفكري الذي يجعل من الممكن  وضع رؤية و تحقيق الأهداف بما يتوافق و صوابية الرصد و التحليل و تقديم مشاريع أفكار حول الأمور الخلافية في حالة التعدديات الإعلامية التي تتسرع في عملية التنافس  . فالحرص على التأكد من صحة المعلومة، ما يجعل من النص الإعلامي المتقن الصناعة و الصياغة نصاً يُقرأ لذاته ، و بعيدا عن الاستغلال و الاستثمار و أساليب التفاهة و السفاهة و السخافة . و هذا ما يجعل من  إعلام الأزمات و  النزاعات يستوجب الحيادية الموضوعية بمعناها الايجابي ، لا الحيادية الهروبية بدلالتها السلبية ، إذ غالباً ما  تشكل الاستعانات اللفظية و الاستعارات الأسلوبية مدخلاً مساعداً للنصوص المفتاحية التي تجرأ على طرح القضايا و معالجتها بجرأة تفكيرية و عمق تحليلي، و هذا ما يجعل من الاطار الطقسي لكل ازمة مدخلاً إلى الكتابة التدبرِيَّة، بمعناها التوفيقي الحريص على إنتاج مواد نظيفة  تتصف بفضيلة التوازن و قوة الاتزان للانتهاء من اشكالية التأكد من  صحة محتوى الوثائق، و نفعيتها قبل نشرها.
فأي مسؤولية تقع على مروجي إعلام الفضائح من الاستهداف و التضليل و قصدية تشويه السمعة ، إلى  تلويث الصورة و هدم الثقة و إسقاط الهالة، و مواءمة ذلك مع الدور الاستخباراتي و الاستعلامي المرافق لعملية الرصد و التركيب و التلفيق و تقنيات الاختراق واستراتيجيات التوقيت و الإفراج  عن الوثائق و معرفة قيمتها و مدى صحتها . و هنا يتحدد سؤال المرحلة حول مَنْ يمكن ان يستفيد من النشر  ؟ قبل السؤال من هو المتضرر من الفضح؟

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار