إنها الفرصة الأخيرة لإنقاذ الشرق الأوسط

الكاتب: شارل جبور | المصدر: نداء الوطن
11 شباط 2026

تتركّز أنظار العالم اليوم على المفاوضات الأميركية – الإيرانية، لا لأنها ستحدّد مصير النظام الإيراني فحسب، بل لأن مآلاتها سترسم مستقبل الشرق الأوسط برمّته. فالجمهورية الإسلامية الإيرانية، منذ نشأتها، لم تكن مجرّد دولة ذات مشروع داخليّ، بل شكّلت عامل عدم استقرار بنيوي على مستوى المنطقة، وأدّت إلى تحوّلات عميقة في خرائط الصراع والحروب والاصطفافات. واليوم تأتي هذه المفاوضات في لحظة مفصليّة، وعلى وقع استعراض عسكري أميركي غير مسبوق منذ الحرب على نظام صدام حسين عام 2003، في رسالة واضحة: إمّا القبول بالشروط الأميركية، وإمّا الضربة جاهزة.

تبدي إيران حتى الآن مرونة في ملف واحد فقط، هو الملف النوويّ. لكنها، في المقابل، تتجاهل عن قصد ملفين لا يقلّان خطورة، بل يشكّلان جوهر المشكلة الحقيقية: الصواريخ الباليستية، وشبكة الأذرع العسكرية والأمنية المنتشرة في المنطقة. تحاول طهران التهرّب من مسؤوليتها عبر الادّعاء بأن هذه الأذرع “مكوّنات محليّة” نابعة من خصوصيات الدول التي تنشط فيها، فتقول إن “حماس” جزء من الواقع الفلسطيني، و “حزب اللّه” جزء من التركيبة اللبنانية، و “الحشد الشعبي” جزء من الدولة العراقية، و “الحوثيين” جزء من المشهد اليمني. غير أن هذا الادّعاء ينهار عند أيّ تحليل جدّي لمسار الدور الإقليمي الإيراني وطبيعة كل ذراع ووظيفتها، فـ “حزب اللّه” مثلًا صناعة إيرانية كاملة، قرارًا وتمويلًا وعقيدة وسلاحًا.

لم تتحوّل إيران إلى لاعب إقليميّ عبر الملف النووي، إذ لم تنجح يومًا في امتلاك القنبلة، ولم يكن برنامجها النووي سوى أداة ضغط ومساومة ومقايضة، وحرف أنظار عن مشروعها الأساسي القائم على تصدير الثورة التخريبية. كما أن الصواريخ، على خطورتها، لم تكن وحدها سبب تمدّد النفوذ الإيراني. العامل الحاسم كان دائمًا هذه الأذرع. من خلالها، دخلت طهران إلى القضية الفلسطينية، ووصلت إلى حدود إسرائيل عبر “حزب اللّه” في لبنان، وأمسكت بالقرار اللبناني، كما فعلت عبر النظام الأسدي قبل سقوطه. ومن خلالها، سيطرت على الورقة العراقية، وحوّلت اليمن إلى ساحة استنزاف إقليمي ودولي. هذه الأذرع هي التي مكّنت إيران من فرض نفسها لاعبًا إقليميًا أساسيًا، ومن دونها يعود النظام إلى حجمه الطبيعي.

من هنا، فإن اختزال المفاوضات بالملف النووي يشكّل خطأً استراتيجيًا قاتلًا. نعم، إنهاء النووي ضرورة قصوى، وهو أمر سيتحقق حتمًا، لكن الأخطر هو ترك الصواريخ الباليستية خارج إطار الحسم، وترك الأذرع حيّة أو قابلة لإعادة الإحياء. فإذا كانت الولايات المتحدة جادّة، وهي كذلك بطبيعة الحال، في بناء بيئة إقليمية مستقرّة، وفي توسيع مسار “السلام الإبراهيمي”، وفي نقل الشرق الأوسط من منطق الحروب إلى منطق التنمية، فلا يمكن تحقيق ذلك عبر التعايش مع العقل الإيراني القائم على التخريب والتوسّع الأيديولوجي.

الفرصة اليوم تاريخية وربما أخيرة. فهذه الإدارة الأميركية تختلف جذريًا عن سابقاتها وتشكّل فرصة تاريخيّة لشعوب هذه المنطقة. وإذا جرى تفويت هذه اللحظة، وهو ما تراهن عليه طهران، فإن إيران ستتنازل شكليًّا عن النووي، وتطمئن واشنطن مرحليًا، ثمّ تعود لالتقاط أنفاسها، محتفظة بصواريخها وبشبكة أذرعها، أي بأدوات التخريب الحقيقية. وحتى لو بدا أن بعض هذه الأذرع منهك أو معزول، كما في حالة “حزب اللّه” بعد سقوط النظام الأسدي وهزيمته العسكرية، فإن بقاء النظام الإيراني يعني قدرة دائمة على ضخ “الأوكسجين” الأيديولوجي والمالي والعسكري، أو حتى ابتكار أذرع جديدة.

المشكلة ليست تفصيلية ولا تقنية ولا حصرًا نووية، بل وجوديّة. فهذا النظام قام على ثورة توسّعية تخريبية إرهابية، ولا يستطيع أن يتحوّل إلى دولة طبيعيّة تهتمّ فقط بشعبها وحدودها. لا يمكنه تغيير نهجه أو “تبديل ثيابه”. وإسقاط مفهوم “الجمهورية الإسلامية” شرط أساسي لتحرير إيران نفسها، قبل تحرير المنطقة من مشروعها التخريبيّ.

لا يمكن للشرق الأوسط أن ينتقل من الدمار والحروب والموت إلى الاستقرار والازدهار إلّا بإسقاط هذا النظام. وإلّا ستبقى المنطقة رهينة إعادة إنتاج الأزمات الوجودية. وكما لم يكن مقبولًا بقاء “داعش” كتنظيم إرهابي عابر للحدود، لا يجوز القبول بدولة ترعى “داعش” بنسخة إيرانية رسمية. إيران دولة مولّدة للإرهاب، والفارق بينها وبين “داعش” أنها إرهاب بربطة عنق. وما لم يسقط هذا النظام، ستبقى أذرعه، مهما تضرّرت، قادرة على إعادة تفعيل دورها.

إنها فعلًا الفرصة الأخيرة لإنقاذ الشرق الأوسط في ظلّ قيادة ترامبية تاريخية في الولايات المتحدة. إمّا الحسم الآن بإسقاط الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وإمّا بقاء المنطقة بأكملها في أزمة مفتوحة بلا أفق.

إنها الفرصة الأخيرة لإنقاذ الشرق الأوسط

الكاتب: شارل جبور | المصدر: نداء الوطن
11 شباط 2026

تتركّز أنظار العالم اليوم على المفاوضات الأميركية – الإيرانية، لا لأنها ستحدّد مصير النظام الإيراني فحسب، بل لأن مآلاتها سترسم مستقبل الشرق الأوسط برمّته. فالجمهورية الإسلامية الإيرانية، منذ نشأتها، لم تكن مجرّد دولة ذات مشروع داخليّ، بل شكّلت عامل عدم استقرار بنيوي على مستوى المنطقة، وأدّت إلى تحوّلات عميقة في خرائط الصراع والحروب والاصطفافات. واليوم تأتي هذه المفاوضات في لحظة مفصليّة، وعلى وقع استعراض عسكري أميركي غير مسبوق منذ الحرب على نظام صدام حسين عام 2003، في رسالة واضحة: إمّا القبول بالشروط الأميركية، وإمّا الضربة جاهزة.

تبدي إيران حتى الآن مرونة في ملف واحد فقط، هو الملف النوويّ. لكنها، في المقابل، تتجاهل عن قصد ملفين لا يقلّان خطورة، بل يشكّلان جوهر المشكلة الحقيقية: الصواريخ الباليستية، وشبكة الأذرع العسكرية والأمنية المنتشرة في المنطقة. تحاول طهران التهرّب من مسؤوليتها عبر الادّعاء بأن هذه الأذرع “مكوّنات محليّة” نابعة من خصوصيات الدول التي تنشط فيها، فتقول إن “حماس” جزء من الواقع الفلسطيني، و “حزب اللّه” جزء من التركيبة اللبنانية، و “الحشد الشعبي” جزء من الدولة العراقية، و “الحوثيين” جزء من المشهد اليمني. غير أن هذا الادّعاء ينهار عند أيّ تحليل جدّي لمسار الدور الإقليمي الإيراني وطبيعة كل ذراع ووظيفتها، فـ “حزب اللّه” مثلًا صناعة إيرانية كاملة، قرارًا وتمويلًا وعقيدة وسلاحًا.

لم تتحوّل إيران إلى لاعب إقليميّ عبر الملف النووي، إذ لم تنجح يومًا في امتلاك القنبلة، ولم يكن برنامجها النووي سوى أداة ضغط ومساومة ومقايضة، وحرف أنظار عن مشروعها الأساسي القائم على تصدير الثورة التخريبية. كما أن الصواريخ، على خطورتها، لم تكن وحدها سبب تمدّد النفوذ الإيراني. العامل الحاسم كان دائمًا هذه الأذرع. من خلالها، دخلت طهران إلى القضية الفلسطينية، ووصلت إلى حدود إسرائيل عبر “حزب اللّه” في لبنان، وأمسكت بالقرار اللبناني، كما فعلت عبر النظام الأسدي قبل سقوطه. ومن خلالها، سيطرت على الورقة العراقية، وحوّلت اليمن إلى ساحة استنزاف إقليمي ودولي. هذه الأذرع هي التي مكّنت إيران من فرض نفسها لاعبًا إقليميًا أساسيًا، ومن دونها يعود النظام إلى حجمه الطبيعي.

من هنا، فإن اختزال المفاوضات بالملف النووي يشكّل خطأً استراتيجيًا قاتلًا. نعم، إنهاء النووي ضرورة قصوى، وهو أمر سيتحقق حتمًا، لكن الأخطر هو ترك الصواريخ الباليستية خارج إطار الحسم، وترك الأذرع حيّة أو قابلة لإعادة الإحياء. فإذا كانت الولايات المتحدة جادّة، وهي كذلك بطبيعة الحال، في بناء بيئة إقليمية مستقرّة، وفي توسيع مسار “السلام الإبراهيمي”، وفي نقل الشرق الأوسط من منطق الحروب إلى منطق التنمية، فلا يمكن تحقيق ذلك عبر التعايش مع العقل الإيراني القائم على التخريب والتوسّع الأيديولوجي.

الفرصة اليوم تاريخية وربما أخيرة. فهذه الإدارة الأميركية تختلف جذريًا عن سابقاتها وتشكّل فرصة تاريخيّة لشعوب هذه المنطقة. وإذا جرى تفويت هذه اللحظة، وهو ما تراهن عليه طهران، فإن إيران ستتنازل شكليًّا عن النووي، وتطمئن واشنطن مرحليًا، ثمّ تعود لالتقاط أنفاسها، محتفظة بصواريخها وبشبكة أذرعها، أي بأدوات التخريب الحقيقية. وحتى لو بدا أن بعض هذه الأذرع منهك أو معزول، كما في حالة “حزب اللّه” بعد سقوط النظام الأسدي وهزيمته العسكرية، فإن بقاء النظام الإيراني يعني قدرة دائمة على ضخ “الأوكسجين” الأيديولوجي والمالي والعسكري، أو حتى ابتكار أذرع جديدة.

المشكلة ليست تفصيلية ولا تقنية ولا حصرًا نووية، بل وجوديّة. فهذا النظام قام على ثورة توسّعية تخريبية إرهابية، ولا يستطيع أن يتحوّل إلى دولة طبيعيّة تهتمّ فقط بشعبها وحدودها. لا يمكنه تغيير نهجه أو “تبديل ثيابه”. وإسقاط مفهوم “الجمهورية الإسلامية” شرط أساسي لتحرير إيران نفسها، قبل تحرير المنطقة من مشروعها التخريبيّ.

لا يمكن للشرق الأوسط أن ينتقل من الدمار والحروب والموت إلى الاستقرار والازدهار إلّا بإسقاط هذا النظام. وإلّا ستبقى المنطقة رهينة إعادة إنتاج الأزمات الوجودية. وكما لم يكن مقبولًا بقاء “داعش” كتنظيم إرهابي عابر للحدود، لا يجوز القبول بدولة ترعى “داعش” بنسخة إيرانية رسمية. إيران دولة مولّدة للإرهاب، والفارق بينها وبين “داعش” أنها إرهاب بربطة عنق. وما لم يسقط هذا النظام، ستبقى أذرعه، مهما تضرّرت، قادرة على إعادة تفعيل دورها.

إنها فعلًا الفرصة الأخيرة لإنقاذ الشرق الأوسط في ظلّ قيادة ترامبية تاريخية في الولايات المتحدة. إمّا الحسم الآن بإسقاط الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وإمّا بقاء المنطقة بأكملها في أزمة مفتوحة بلا أفق.

مزيد من الأخبار