العميد جورج نادر يروي … أنا والعماد ابراهيم طنوس في الجبهة مشينا وراء عون ولكنه طلع ضد مبادئه

كان ضابطًا مقاتلًا تعرفه جبهات كثيرة. العميد جورج نادر، خرج من الحروب التي خاضها بجروح كثيرة في الجسد ولكن الجروح الأقسى كانت في الروح. جروح رفاقه الذين استشهدوا وهم يقاتلون معه وجروح التجربة في العلاقة مع العماد ميشال عون الذي اعتبر أنه القدوة والمثال قبل أن تداهمه الخيبة. في هذا الحوار معه يلبي “نداء السنين” ويفتح ذاكرته لـ “نداء الوطن” والـ “أم تي في” ويروي محطات من معارك خاضها في بيروت والضاحية الجنوبية، وفي سوق الغرب. في حرب التحرير وحرب الإلغاء ومخيم نهرالبارد وعرسال.
لماذا انتسبت إلى المدرسة الحربية عام 1980 في الحرب بعدما كان الجيش منقسمًا؟
أنا ابن بيت عسكري والدي كان جنديًا قاتل في معركة المالكية عام 1948. أخي الكبير كان في قوى الأمن الداخلي وصار ضابطًا. أخي الثاني كان جنديًا والثالث أيضًا. أكثر ما تأثرت به كان عندما كنت في الصفوف التكميلية وشاهدنا عرضًا للمغاوير في مدرسة القبيات. كان العميد مخول حاكمة نقيبًا وهو ابن الضيعة. شاهدته يأكل الحية. ويطلق النار على رفيقه بالرصاص الخلَّبي ولكن رفيقه لا يموت. شو هيدا المغوار اللي ما بيموت؟ قرّرت أن أدخل إلى الجيش وأكون مغوارًا لأن المغوار لا يموت. في النهاية تبيّن لي أن المغوار أوّل واحد بيموت. لماذا دخلت في هذا الوقت؟ صحيح كان أصعب وقت. لم تكن للجيش سلطة خارج الثكنات. ميليشيات على الأرض. فلسطينيون وسوريون وإسرائيليون. كانوا يقولون لنا في المدرسة الحربية أحيانًا لا تتجولوا باللباس العسكري. كان يعز عليّ هذا الكلام. كنت أرتدي البدلة العسكرية في المأذونية لأُرضي غروري وانتمائي. إذا لم أكن أستطيع أن أرتدي بدلتي العسكرية لماذا دخلت إلى الجيش إذًا؟
دخلت كان العماد فكتور خوري قائد الجيش وتخرّجت صار العماد ابراهيم طنوس. ما الجديد الذي أدخله طنوس على صعيد إعادة تنظيم الجيش؟
الحقيقة كنا لم نمتلك خبرة بعد على صعيد تنظيم الجيش. ولكن شخصية القائد تطبع المؤسسة كلّها. العماد خوري رأيناه مرّة واحدة عندما زار المدرسة الحربية. لم نكن على تماس معه. عندما صار العماد طنوس قائد الجيش تخرّجنا بعد ذلك بأشهر، في 6 أيار بدل أول آب تاريخ التخرّج التقليدي، لأنهم كانوا بحاجة لضباط جدد في المعارك التي كانت بدأت. لماذا تأثرت بالعماد طنوس؟ لأنه ساواني بنفسه. لم أكن أعرفه. أنا ملازم وهو عماد. من غير الممكن أن تحكي معه. كنت في جبهة الأسواق التجارية. اتصل بي العقيد عصام أبو جمرا الذي كان قائد الجبهة. قال لي: جايي قائد الجيش لعندك يعمل زيارة. استنفرت العسكر، جايي قائد الجيش. خمس دقائق وإذ وصل جيب ويلِّس مثل الجيب اللي معي. أنا ملازم أصغر رتبة وهو أعلى رتبة. رأيت الجيب ولم أعرف من فيه. لم يخطر ببالي أن يكون قائد الجيش.
كان هو يقود؟
كان هناك سائق وهو إلى جانبه ومعه مرافق آخر. قائد الجيش معه مرافقان. ساوى نفسه بي وساواني به أنا الملازم الصغير. كيف ما بدّي احترمو وأمشي وراه وحبّو؟ غير الشعور الخاص وإنو إبن الضيعة. العماد طنوس ما عطيوه حقو، عزلوه. وكان يحق له البقاء في قيادة الجيش أربعة أعوام قبل التقاعد. بقي عمادًا بتصرف وزير الدفاع ولكنه لم يكن قائد جيش. خدم سنة ونصف في القيادة. جاب دبابات أم 48 التي لا تزال في الجيش حتى اليوم. تنظيم الألوية والأفواج عمله ابراهيم طنوس. خلق روح القتال في الجيش. قبله لم تكن موجودة. كانوا يقولون لنا ما تلبسوا عسكري. كيف؟ ابراهيم طنّوس لم يكن من هذا النوع. بالعكس. كنا نخرج من الثكنات بكل فخر. أول ما صار قائدًا للجيش أعطى راتبًا إضافيًا لكل الجيش. قانون الدفاع المرسوم الإشتراعي 102 عام 1983 عملو ابراهيم طنوس وكتب نصّه النائب مخايل الضاهر. كيف ما بدّي احترمو واعتبرو مثال. ابراهيم طنّوس علامة فارقة بتاريخ الجيش. قبل ابراهيم طنوس الجيش ما كان يقوّص. بعدو صار يقوّص.
عندما تخرجت فُصِلت مباشرة إلى الجبهة؟
أخذونا على معسكر خدمة العلم. أوّل مرّة كانوا يعتمدونها. بقيت ستة أشهر وشكّلوني بعدها إلى اللواء التاسع ونُقِلت إلى مار مخايل ثم إلى الأسواق وبقيت حتى عام 1985 عندما شكّلوني إلى فوج المغاوير.
على الجبهة من كنتم تقاتلون؟
على جبهة مار مخايل كنت لوحدي من الكتيبة. كان في مواجهتنا مسلّحون من “أمل” ومن غيرها ممّن يدورون في فلكها. كان الجيش عام 1984 شهد التطورات العسكرية في الشحّار الغربي وفي بيروت والضاحية. ميليشيات قدّ ما بدّك. موزاييك مسلّح. في الأسواق التجارية كان معظمهم من حركة “أمل”، حتى السوديكو ومار مخايل وكان هناك من الحزب الإشتراكي.
كيف تشكّلت إلى المغاوير؟ وكم بقيت؟
تشكّلت. تفاجأت بتشكيلي.
أنت طلبت؟
لا لم أطلب. كملازم لا يحق لي. تشكّلت كان الرائد فيليب رحّال قائد الفوج. خدمت سبعة أعوام ونصف ملازم أوّل ونقيب وفي أصعب الأوقات بما فيها حرب التحرير وحرب الإلغاء حتى تشكيلي منه عام 1992.
أوّل معركة شاركت فيها كانت في 15 كانون الثاني 1986؟
قبلها شاركت في مار مخايل والأسواق.
في المغاوير
خدمت على جبهة سوق الغرب. كان يتمّ أخذ فصيلة أو سرية احتياط للجبهة من المغاوير. معارك ثابتة لم يكن فيها كرّ وفرّ. في 16 كانون الثاني 1986 هجم المسلحون من الحزب “القومي” مدعومين من الجيش السوري واحتلّوا بعض مراكز الجيش في العيرون والدوار. وكان من المفترض أن نقوم بهجوم معاكس ونستعيدها.
كان ذلك على أثر انتفاضة 15 كانون وإسقاط التفاق الثلاثي
صحيح. حصل الهجوم بعد إسقاط الاتفاق الثلاثي. كان قائد الفوج المقدّم حاتم منصور وكان صار العماد ميشال عون قائدًا للجيش في حزيران 1984. في المعركة سقط لنا ضابطان شهيدين جورج نغيوي وابراهيم بطرس و8 عسكريين كانوا متخرّجين حديثًا من دورة مغاوير واندفاعهم غير المحدود من دون التروّي أدّى إلى ذلك. وصلوا إلى العيرون وكان لا يزال هناك مسلحون خلفهم أطلقوا عليهم النار من الخلف. لم أكن مسؤولًا مباشرًا. كنت فصيلة دعم لهذه المجموعة التي كانت بقيادة النقيب نغيوي. أكثر ما يذكّرني بهذه المعركة أن جنديًا معنا اسمه محمود الغريب استشهد وهو من عكار العتيقة ولم تكن توجد وسائل اتصال لإبلاغ أهله بالخبر ولا يمكن الانتقال بين المناطق التي يسيطر عليها الجيش السوري. كان معنا جندي من بلدته قلنا له خذ الجثمان وأوصله إلى أهله. وصل إلى أول الضيعة وطلب من الأهالي أن يبلغوا أهله أن ابنهم معه في سيارة الإسعاف. كأنه استشهد مرتين. مرة عند استشهاده في المعركة ومرّة عندما جرى إبلاغ أهله بخبر استشهاده. معظم الشهداء كانوا كذلك. ابراهيم بطرس من عبرا مثلًا لم يأخذوه إلى عبرا.
على الجبهات كان هناك تنسيق مع “القوات اللبنانية”؟ كنتم تقاتلون ضد هدف مشترك؟
للحفاظ على هذه المنطقة الموجود فيها الجيش. لم تكن هناك جبهات مختلطة. كانت هناك جبهات تنتشر عليها “القوات” كجبهة الشمال. حيث كان الجيش لم تكن هناك “قوات”. في الداخل كانوا موجودين. في موقعي كآمر فصيلة أو سرية وقتها لم أكن أعرف إذا كان هناك تنسيق بالرمايات. ربّما يكون.
قلت إنّ العماد ابراهيم طنوس ظُلِم عندما أُبعِد من قيادة الجيش وعُيِّن محله العماد ميشال عون. ما هي النقلة التي أحدثها عون في الجيش وكيف بدأتم كضباط تتأثرون بالجو الذي بدأ يخلقه في داخل الجيش؟
لم يعمل نقلة عسكرية.
قلت إن القائد يضع لمساته على المؤسسة.
صحيح. الشعارات التي اطلقها العماد عون عام 1988 مع اقتراب انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل وتعيينه رئيسًا للحكومة العسكرية، كانت ترضي غروري كضابط وحتى كمواطن عادي. كان يقول أنا ضد الاحتلال والميليشيات والفساد والإقطاع السياسي. طبعًا كلّنا ضدّ. عندما يقول لك قائد جيشك هذا الكلام لا يمكنك إلّا أن تؤيّده وتمشي معه. في النهاية طلع ضد هذه المبادئ كلّها التي أعلنها وأقنَعَنا بها.
عندما صار رئيسًا للحكومة العسكرية شعرتم كضبّاط أن الجيش وصل إلى السلطة وأن المشروع الذي يحكي عنه عون سيتحقق؟
نعم.
كان عندكم اندفاع شخصي أكثر مما هو كجنود في الجيش؟
طبعًا طبعًا. قناعة شخصية غير كوني عسكري ملتزم بأمر قيادتي وملزم بتنفيذه سواء أعجبني أم لا. كان عندنا اقتناع شخصي أنه من خلال وصوله إلى السلطة نحقق الأهداف التي أطلقها وأقنعنا بها.
بدأتم تعيشون جو الاحتقان على الأرض بين “القوات” والجيش وصولًا إلى معركة 14 شباط 1989؟ كيف عشت أجواء ما قبل هذه المعركة وأجواء هذه المعركة؟
قبل هذه المعركة كنا شاعرين بالتشنّج بين الطرفين نتيجة الإشكالات التي كانت تحصل على الأرض. كعسكريين نشعر أن كرامتنا منقوصة عند رؤية طرف يحمل السلاح. هذا الشعور العسكري لا أساوم عليه أيًّا كان حامل هذا السلاح ولو كان أخي. ستسألني كيف تحمّلت “حزب الله”؟
قبل “حزب الله”. كنت تقاتل ضد طرف آخر و”القوات” كانت تقاتل ضدّه أيضًا. كنتم على جانب واحد من الجبهة على أرض واحدة حصل التنافس عليها؟
التنافس بين قوتين سيؤدّي في النهاية إلى التصادم. ظهر لنا في النهاية أنه تنافس على السلطة وليس على حماية الوطن. شفنا شو صار باتفاق معراب. كل هذا الاتفاق كان تقاسمًا سلطويًا ليس لحقن الدماء ونسيان الماضي. وأكبر دليل على ذلك لم يقل أي من الطرفين الله يرحم الذين ماتوا وتسبّبنا بقتلهم. راح 870 عسكريًا بين جيش وقوّات هودي ولاد عالم مثلنا مثلهم. هناك عائلة استشهد ابنها في “القوات” وابنها في الجيش في اليوم نفسه. أيّ منهما شهيد وأيّ منهما ليس شهيدًا؟ ماذا أقول لهذه الأم؟ ضابط “القوات” ماذا سيقول لها؟ ابنك العسكري ليس شهيدًا؟ اليوم تبيّن بعد الاتفاق والتفاهمات السياسية المصلحية كان تنافسًا سلطويًا وليس للخدمة العامة والدفاع عن المنطقة للأسف ومن الطرفين.
العميد جورج نادر يروي … أنا والعماد ابراهيم طنوس في الجبهة مشينا وراء عون ولكنه طلع ضد مبادئه

كان ضابطًا مقاتلًا تعرفه جبهات كثيرة. العميد جورج نادر، خرج من الحروب التي خاضها بجروح كثيرة في الجسد ولكن الجروح الأقسى كانت في الروح. جروح رفاقه الذين استشهدوا وهم يقاتلون معه وجروح التجربة في العلاقة مع العماد ميشال عون الذي اعتبر أنه القدوة والمثال قبل أن تداهمه الخيبة. في هذا الحوار معه يلبي “نداء السنين” ويفتح ذاكرته لـ “نداء الوطن” والـ “أم تي في” ويروي محطات من معارك خاضها في بيروت والضاحية الجنوبية، وفي سوق الغرب. في حرب التحرير وحرب الإلغاء ومخيم نهرالبارد وعرسال.
لماذا انتسبت إلى المدرسة الحربية عام 1980 في الحرب بعدما كان الجيش منقسمًا؟
أنا ابن بيت عسكري والدي كان جنديًا قاتل في معركة المالكية عام 1948. أخي الكبير كان في قوى الأمن الداخلي وصار ضابطًا. أخي الثاني كان جنديًا والثالث أيضًا. أكثر ما تأثرت به كان عندما كنت في الصفوف التكميلية وشاهدنا عرضًا للمغاوير في مدرسة القبيات. كان العميد مخول حاكمة نقيبًا وهو ابن الضيعة. شاهدته يأكل الحية. ويطلق النار على رفيقه بالرصاص الخلَّبي ولكن رفيقه لا يموت. شو هيدا المغوار اللي ما بيموت؟ قرّرت أن أدخل إلى الجيش وأكون مغوارًا لأن المغوار لا يموت. في النهاية تبيّن لي أن المغوار أوّل واحد بيموت. لماذا دخلت في هذا الوقت؟ صحيح كان أصعب وقت. لم تكن للجيش سلطة خارج الثكنات. ميليشيات على الأرض. فلسطينيون وسوريون وإسرائيليون. كانوا يقولون لنا في المدرسة الحربية أحيانًا لا تتجولوا باللباس العسكري. كان يعز عليّ هذا الكلام. كنت أرتدي البدلة العسكرية في المأذونية لأُرضي غروري وانتمائي. إذا لم أكن أستطيع أن أرتدي بدلتي العسكرية لماذا دخلت إلى الجيش إذًا؟
دخلت كان العماد فكتور خوري قائد الجيش وتخرّجت صار العماد ابراهيم طنوس. ما الجديد الذي أدخله طنوس على صعيد إعادة تنظيم الجيش؟
الحقيقة كنا لم نمتلك خبرة بعد على صعيد تنظيم الجيش. ولكن شخصية القائد تطبع المؤسسة كلّها. العماد خوري رأيناه مرّة واحدة عندما زار المدرسة الحربية. لم نكن على تماس معه. عندما صار العماد طنوس قائد الجيش تخرّجنا بعد ذلك بأشهر، في 6 أيار بدل أول آب تاريخ التخرّج التقليدي، لأنهم كانوا بحاجة لضباط جدد في المعارك التي كانت بدأت. لماذا تأثرت بالعماد طنوس؟ لأنه ساواني بنفسه. لم أكن أعرفه. أنا ملازم وهو عماد. من غير الممكن أن تحكي معه. كنت في جبهة الأسواق التجارية. اتصل بي العقيد عصام أبو جمرا الذي كان قائد الجبهة. قال لي: جايي قائد الجيش لعندك يعمل زيارة. استنفرت العسكر، جايي قائد الجيش. خمس دقائق وإذ وصل جيب ويلِّس مثل الجيب اللي معي. أنا ملازم أصغر رتبة وهو أعلى رتبة. رأيت الجيب ولم أعرف من فيه. لم يخطر ببالي أن يكون قائد الجيش.
كان هو يقود؟
كان هناك سائق وهو إلى جانبه ومعه مرافق آخر. قائد الجيش معه مرافقان. ساوى نفسه بي وساواني به أنا الملازم الصغير. كيف ما بدّي احترمو وأمشي وراه وحبّو؟ غير الشعور الخاص وإنو إبن الضيعة. العماد طنوس ما عطيوه حقو، عزلوه. وكان يحق له البقاء في قيادة الجيش أربعة أعوام قبل التقاعد. بقي عمادًا بتصرف وزير الدفاع ولكنه لم يكن قائد جيش. خدم سنة ونصف في القيادة. جاب دبابات أم 48 التي لا تزال في الجيش حتى اليوم. تنظيم الألوية والأفواج عمله ابراهيم طنوس. خلق روح القتال في الجيش. قبله لم تكن موجودة. كانوا يقولون لنا ما تلبسوا عسكري. كيف؟ ابراهيم طنّوس لم يكن من هذا النوع. بالعكس. كنا نخرج من الثكنات بكل فخر. أول ما صار قائدًا للجيش أعطى راتبًا إضافيًا لكل الجيش. قانون الدفاع المرسوم الإشتراعي 102 عام 1983 عملو ابراهيم طنوس وكتب نصّه النائب مخايل الضاهر. كيف ما بدّي احترمو واعتبرو مثال. ابراهيم طنّوس علامة فارقة بتاريخ الجيش. قبل ابراهيم طنوس الجيش ما كان يقوّص. بعدو صار يقوّص.
عندما تخرجت فُصِلت مباشرة إلى الجبهة؟
أخذونا على معسكر خدمة العلم. أوّل مرّة كانوا يعتمدونها. بقيت ستة أشهر وشكّلوني بعدها إلى اللواء التاسع ونُقِلت إلى مار مخايل ثم إلى الأسواق وبقيت حتى عام 1985 عندما شكّلوني إلى فوج المغاوير.
على الجبهة من كنتم تقاتلون؟
على جبهة مار مخايل كنت لوحدي من الكتيبة. كان في مواجهتنا مسلّحون من “أمل” ومن غيرها ممّن يدورون في فلكها. كان الجيش عام 1984 شهد التطورات العسكرية في الشحّار الغربي وفي بيروت والضاحية. ميليشيات قدّ ما بدّك. موزاييك مسلّح. في الأسواق التجارية كان معظمهم من حركة “أمل”، حتى السوديكو ومار مخايل وكان هناك من الحزب الإشتراكي.
كيف تشكّلت إلى المغاوير؟ وكم بقيت؟
تشكّلت. تفاجأت بتشكيلي.
أنت طلبت؟
لا لم أطلب. كملازم لا يحق لي. تشكّلت كان الرائد فيليب رحّال قائد الفوج. خدمت سبعة أعوام ونصف ملازم أوّل ونقيب وفي أصعب الأوقات بما فيها حرب التحرير وحرب الإلغاء حتى تشكيلي منه عام 1992.
أوّل معركة شاركت فيها كانت في 15 كانون الثاني 1986؟
قبلها شاركت في مار مخايل والأسواق.
في المغاوير
خدمت على جبهة سوق الغرب. كان يتمّ أخذ فصيلة أو سرية احتياط للجبهة من المغاوير. معارك ثابتة لم يكن فيها كرّ وفرّ. في 16 كانون الثاني 1986 هجم المسلحون من الحزب “القومي” مدعومين من الجيش السوري واحتلّوا بعض مراكز الجيش في العيرون والدوار. وكان من المفترض أن نقوم بهجوم معاكس ونستعيدها.
كان ذلك على أثر انتفاضة 15 كانون وإسقاط التفاق الثلاثي
صحيح. حصل الهجوم بعد إسقاط الاتفاق الثلاثي. كان قائد الفوج المقدّم حاتم منصور وكان صار العماد ميشال عون قائدًا للجيش في حزيران 1984. في المعركة سقط لنا ضابطان شهيدين جورج نغيوي وابراهيم بطرس و8 عسكريين كانوا متخرّجين حديثًا من دورة مغاوير واندفاعهم غير المحدود من دون التروّي أدّى إلى ذلك. وصلوا إلى العيرون وكان لا يزال هناك مسلحون خلفهم أطلقوا عليهم النار من الخلف. لم أكن مسؤولًا مباشرًا. كنت فصيلة دعم لهذه المجموعة التي كانت بقيادة النقيب نغيوي. أكثر ما يذكّرني بهذه المعركة أن جنديًا معنا اسمه محمود الغريب استشهد وهو من عكار العتيقة ولم تكن توجد وسائل اتصال لإبلاغ أهله بالخبر ولا يمكن الانتقال بين المناطق التي يسيطر عليها الجيش السوري. كان معنا جندي من بلدته قلنا له خذ الجثمان وأوصله إلى أهله. وصل إلى أول الضيعة وطلب من الأهالي أن يبلغوا أهله أن ابنهم معه في سيارة الإسعاف. كأنه استشهد مرتين. مرة عند استشهاده في المعركة ومرّة عندما جرى إبلاغ أهله بخبر استشهاده. معظم الشهداء كانوا كذلك. ابراهيم بطرس من عبرا مثلًا لم يأخذوه إلى عبرا.
على الجبهات كان هناك تنسيق مع “القوات اللبنانية”؟ كنتم تقاتلون ضد هدف مشترك؟
للحفاظ على هذه المنطقة الموجود فيها الجيش. لم تكن هناك جبهات مختلطة. كانت هناك جبهات تنتشر عليها “القوات” كجبهة الشمال. حيث كان الجيش لم تكن هناك “قوات”. في الداخل كانوا موجودين. في موقعي كآمر فصيلة أو سرية وقتها لم أكن أعرف إذا كان هناك تنسيق بالرمايات. ربّما يكون.
قلت إنّ العماد ابراهيم طنوس ظُلِم عندما أُبعِد من قيادة الجيش وعُيِّن محله العماد ميشال عون. ما هي النقلة التي أحدثها عون في الجيش وكيف بدأتم كضباط تتأثرون بالجو الذي بدأ يخلقه في داخل الجيش؟
لم يعمل نقلة عسكرية.
قلت إن القائد يضع لمساته على المؤسسة.
صحيح. الشعارات التي اطلقها العماد عون عام 1988 مع اقتراب انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل وتعيينه رئيسًا للحكومة العسكرية، كانت ترضي غروري كضابط وحتى كمواطن عادي. كان يقول أنا ضد الاحتلال والميليشيات والفساد والإقطاع السياسي. طبعًا كلّنا ضدّ. عندما يقول لك قائد جيشك هذا الكلام لا يمكنك إلّا أن تؤيّده وتمشي معه. في النهاية طلع ضد هذه المبادئ كلّها التي أعلنها وأقنَعَنا بها.
عندما صار رئيسًا للحكومة العسكرية شعرتم كضبّاط أن الجيش وصل إلى السلطة وأن المشروع الذي يحكي عنه عون سيتحقق؟
نعم.
كان عندكم اندفاع شخصي أكثر مما هو كجنود في الجيش؟
طبعًا طبعًا. قناعة شخصية غير كوني عسكري ملتزم بأمر قيادتي وملزم بتنفيذه سواء أعجبني أم لا. كان عندنا اقتناع شخصي أنه من خلال وصوله إلى السلطة نحقق الأهداف التي أطلقها وأقنعنا بها.
بدأتم تعيشون جو الاحتقان على الأرض بين “القوات” والجيش وصولًا إلى معركة 14 شباط 1989؟ كيف عشت أجواء ما قبل هذه المعركة وأجواء هذه المعركة؟
قبل هذه المعركة كنا شاعرين بالتشنّج بين الطرفين نتيجة الإشكالات التي كانت تحصل على الأرض. كعسكريين نشعر أن كرامتنا منقوصة عند رؤية طرف يحمل السلاح. هذا الشعور العسكري لا أساوم عليه أيًّا كان حامل هذا السلاح ولو كان أخي. ستسألني كيف تحمّلت “حزب الله”؟
قبل “حزب الله”. كنت تقاتل ضد طرف آخر و”القوات” كانت تقاتل ضدّه أيضًا. كنتم على جانب واحد من الجبهة على أرض واحدة حصل التنافس عليها؟
التنافس بين قوتين سيؤدّي في النهاية إلى التصادم. ظهر لنا في النهاية أنه تنافس على السلطة وليس على حماية الوطن. شفنا شو صار باتفاق معراب. كل هذا الاتفاق كان تقاسمًا سلطويًا ليس لحقن الدماء ونسيان الماضي. وأكبر دليل على ذلك لم يقل أي من الطرفين الله يرحم الذين ماتوا وتسبّبنا بقتلهم. راح 870 عسكريًا بين جيش وقوّات هودي ولاد عالم مثلنا مثلهم. هناك عائلة استشهد ابنها في “القوات” وابنها في الجيش في اليوم نفسه. أيّ منهما شهيد وأيّ منهما ليس شهيدًا؟ ماذا أقول لهذه الأم؟ ضابط “القوات” ماذا سيقول لها؟ ابنك العسكري ليس شهيدًا؟ اليوم تبيّن بعد الاتفاق والتفاهمات السياسية المصلحية كان تنافسًا سلطويًا وليس للخدمة العامة والدفاع عن المنطقة للأسف ومن الطرفين.















