خاص – قطار الانتخابات يسير على حافة الهاوية بين السياسة والدستور

مبدئيًا، تلتزم الحكومة اللبنانية بما يترتّب عليها من واجبات دستورية وقانونية في ما يتعلّق بالانتخابات النيابية. فقد أدار وزير الداخلية والبلديات محرّكات “قطار الانتخابات”، ودعا الهيئات الناخبة، وأعلن رسميًا فتح باب الترشيحات ضمن المهل المحدّدة، في خطوة تعكس، شكليًا على الأقل، احترام السلطة التنفيذية لموجباتها الدستورية.
غير أنّ هذا المسار الإجرائي يصطدم بـإشكاليات قانونية ودستورية عميقة. وزارة الداخلية، وبحسب المعطيات المتداولة، ستطلب رأي هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل حول إمكان تطبيق أو عدم تطبيق أو الطريقة الأنسب قانونيًا لتطبيق بعض المواد الواردة في قانون الانتخاب رقم 44/2017، ولا سيما تلك التي يتعذّر تنفيذها عمليًا، في ظل تعذّر انعقاد مجلس النواب للبتّ بها أو تعديلها.
ومن أبرز هذه الإشكاليات:
الدائرة الانتخابية السادسة عشرة المخصّصة لاقتراع اللبنانيين غير المقيمين، والتي نصّ عليها القانون من دون أن تتوافر حتى الآن الشروط التنفيذية واللوجستية الكفيلة بتطبيقها ولا تقسيمها مذهبيًا على عدد النواب الستة فيها.
الميغاسنتر، الذي يفترض أن يشكّل عنصرًا أساسيًا في تسهيل اقتراع الناخبين خارج أماكن قيدهم، لكنه لا يزال معطّلًا لغياب البنية التقنية والتنظيمية اللازمة.
هذه الثغرات تفتح الباب أمام احتمالات متناقضة: إمّا تأجيل الانتخابات بحجّة ضرورة معالجة المخالفات القانونية والدستورية، وإمّا المضي بها تحت عنوان “ضيق الوقت”، بما يحمله ذلك من مخاطر جسيمة على سلامة العملية الانتخابية.
في المقابل، يواصل كل من رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس النواب، ورئيس الحكومة، التأكيد في مواقف شبه يومية على أنّ الانتخابات ستُجرى في موعدها الدستوري، انسجامًا مع المادة 42 من الدستور اللبناني التي تنصّ على إجراء الانتخابات العامة كل أربع سنوات، من دون أي تمديد إلا في ظروف استثنائية محدّدة.
إلا أنّ التجربة اللبنانية تجعل من هذه التأكيدات موضع تشكيك مشروع. ففي لبنان، لا شيء محسومًا حتى اللحظة الأخيرة. الجميع يترقّب تطورات قد تطيح بالاستحقاق، سواء كانت أمنية أو عسكرية، أو تعديلات قانونية مفاجئة تُستخدم ذريعة للتأجيل والأرضية أصبحت جاهزة مع اقتراح قانون تقدّم به النائب أديب عبد المسيح لتأجيل الانتخابات لمدة سنة، ما أعاد فتح النقاش حول النيّات الفعلية للطبقة السياسية.
حتى الآن، تبدو الصورة مزدوجة. فمن جهة، يوحي نشاط وزير الداخلية بأنّ الانتخابات حاصلة لا محالة وفي موعدها. ومن جهة أخرى، تكشف الوقائع على الأرض حجم الفجوات القانونية والدستورية، ما يطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي انتخابات نتحدّث، فيما بعض ركائز القانون الانتخابي الأساسية معطّلة أو غير قابلة للتطبيق؟
الأخطر من ذلك أنّ إجراء الانتخابات من دون معالجة هذه الثغرات قد يجعل نتائجها عرضة للطعن أمام المجلس الدستوري، ليس فقط من حيث النتائج، بل من حيث شرعية العملية الانتخابية برمّتها، استنادًا إلى مبدأ احترام القانون وتكافؤ الفرص بين الناخبين والمرشّحين.
والسؤال المشروع هنا: هل ثمّة جهة ما تعمل في الخفاء على إبقاء قانون الانتخاب على حاله، رغم علمها باستحالة تطبيق بعض مواده، تمهيدًا لاستخدام هذه الثغرات لاحقًا؟ وهل يُراد ترك القانون معلّقًا عمدًا، بحيث يُفتح الباب بعد صدور النتائج في حال لم تأتِ على قياس مصالح تلك الجهة للطعن بالانتخابات وإبطالها، وتحويل الاستحقاق من ممارسة ديمقراطية إلى أداة نزاع وأزمة سياسية وقضائي ودستورية؟
نعم، إنّه اللعب على حافة الدستور والسياسة في لبنان مجددًا. فهل تطيح السياسة بالدستور والقانون، ويُفرض أمر واقع انتخابي؟ أم أنّ القوى والأحزاب السياسية ستتحمّل مسؤولياتها وتخوض الاستحقاق ضمن قواعد واضحة وقابلة للتطبيق؟
حتى اللحظة، يبقى المشهد معلّقًا بين النصوص والوقائع، بانتظار ما ستقرّره السياسة… لا الدستور والقانون فقط.
خاص – قطار الانتخابات يسير على حافة الهاوية بين السياسة والدستور

مبدئيًا، تلتزم الحكومة اللبنانية بما يترتّب عليها من واجبات دستورية وقانونية في ما يتعلّق بالانتخابات النيابية. فقد أدار وزير الداخلية والبلديات محرّكات “قطار الانتخابات”، ودعا الهيئات الناخبة، وأعلن رسميًا فتح باب الترشيحات ضمن المهل المحدّدة، في خطوة تعكس، شكليًا على الأقل، احترام السلطة التنفيذية لموجباتها الدستورية.
غير أنّ هذا المسار الإجرائي يصطدم بـإشكاليات قانونية ودستورية عميقة. وزارة الداخلية، وبحسب المعطيات المتداولة، ستطلب رأي هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل حول إمكان تطبيق أو عدم تطبيق أو الطريقة الأنسب قانونيًا لتطبيق بعض المواد الواردة في قانون الانتخاب رقم 44/2017، ولا سيما تلك التي يتعذّر تنفيذها عمليًا، في ظل تعذّر انعقاد مجلس النواب للبتّ بها أو تعديلها.
ومن أبرز هذه الإشكاليات:
الدائرة الانتخابية السادسة عشرة المخصّصة لاقتراع اللبنانيين غير المقيمين، والتي نصّ عليها القانون من دون أن تتوافر حتى الآن الشروط التنفيذية واللوجستية الكفيلة بتطبيقها ولا تقسيمها مذهبيًا على عدد النواب الستة فيها.
الميغاسنتر، الذي يفترض أن يشكّل عنصرًا أساسيًا في تسهيل اقتراع الناخبين خارج أماكن قيدهم، لكنه لا يزال معطّلًا لغياب البنية التقنية والتنظيمية اللازمة.
هذه الثغرات تفتح الباب أمام احتمالات متناقضة: إمّا تأجيل الانتخابات بحجّة ضرورة معالجة المخالفات القانونية والدستورية، وإمّا المضي بها تحت عنوان “ضيق الوقت”، بما يحمله ذلك من مخاطر جسيمة على سلامة العملية الانتخابية.
في المقابل، يواصل كل من رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس النواب، ورئيس الحكومة، التأكيد في مواقف شبه يومية على أنّ الانتخابات ستُجرى في موعدها الدستوري، انسجامًا مع المادة 42 من الدستور اللبناني التي تنصّ على إجراء الانتخابات العامة كل أربع سنوات، من دون أي تمديد إلا في ظروف استثنائية محدّدة.
إلا أنّ التجربة اللبنانية تجعل من هذه التأكيدات موضع تشكيك مشروع. ففي لبنان، لا شيء محسومًا حتى اللحظة الأخيرة. الجميع يترقّب تطورات قد تطيح بالاستحقاق، سواء كانت أمنية أو عسكرية، أو تعديلات قانونية مفاجئة تُستخدم ذريعة للتأجيل والأرضية أصبحت جاهزة مع اقتراح قانون تقدّم به النائب أديب عبد المسيح لتأجيل الانتخابات لمدة سنة، ما أعاد فتح النقاش حول النيّات الفعلية للطبقة السياسية.
حتى الآن، تبدو الصورة مزدوجة. فمن جهة، يوحي نشاط وزير الداخلية بأنّ الانتخابات حاصلة لا محالة وفي موعدها. ومن جهة أخرى، تكشف الوقائع على الأرض حجم الفجوات القانونية والدستورية، ما يطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي انتخابات نتحدّث، فيما بعض ركائز القانون الانتخابي الأساسية معطّلة أو غير قابلة للتطبيق؟
الأخطر من ذلك أنّ إجراء الانتخابات من دون معالجة هذه الثغرات قد يجعل نتائجها عرضة للطعن أمام المجلس الدستوري، ليس فقط من حيث النتائج، بل من حيث شرعية العملية الانتخابية برمّتها، استنادًا إلى مبدأ احترام القانون وتكافؤ الفرص بين الناخبين والمرشّحين.
والسؤال المشروع هنا: هل ثمّة جهة ما تعمل في الخفاء على إبقاء قانون الانتخاب على حاله، رغم علمها باستحالة تطبيق بعض مواده، تمهيدًا لاستخدام هذه الثغرات لاحقًا؟ وهل يُراد ترك القانون معلّقًا عمدًا، بحيث يُفتح الباب بعد صدور النتائج في حال لم تأتِ على قياس مصالح تلك الجهة للطعن بالانتخابات وإبطالها، وتحويل الاستحقاق من ممارسة ديمقراطية إلى أداة نزاع وأزمة سياسية وقضائي ودستورية؟
نعم، إنّه اللعب على حافة الدستور والسياسة في لبنان مجددًا. فهل تطيح السياسة بالدستور والقانون، ويُفرض أمر واقع انتخابي؟ أم أنّ القوى والأحزاب السياسية ستتحمّل مسؤولياتها وتخوض الاستحقاق ضمن قواعد واضحة وقابلة للتطبيق؟
حتى اللحظة، يبقى المشهد معلّقًا بين النصوص والوقائع، بانتظار ما ستقرّره السياسة… لا الدستور والقانون فقط.















