هل بدأت مرحلة التحولات الكبرى؟

استعجال رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو زيارته لواشنطن للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أظهر أنّ قنوات التفاوض الخلفية المفتوحة بين الإدارة الأميركية وطهران، شهدت تقدّماً حقيقياً، وأنّ احتمالات التوصل إلى تسوية شاملة أصبحت مرتفعة، وهو ما يعارضه نتنياهو واليمين الإسرائيلي بشدة. لذلك طار نتنياهو على وجه السرعة، على أمل التأثير على توجّهات ترامب وفريق عمله. مع التذكير هنا بالعلاقة الخاصة التي تربطه بترامب، حيث كان أول مسؤول أجنبي كبير يستقبله الرئيس الأميركي بعد أسبوعين من دخوله البيت الأبيض.
من المنطقي الإستنتاج أنّ نتنياهو سيعمل في واشنطن على إجهاض ما يتمّ صوغه من مشاريع وتفاهمات بين واشنطن وطهران. فقبل أسبوعين كانت وسائل الإعلام الإسرائيلية المحسوبة على اليمين الإسرائيلي تتحدث عن أنّ ترامب اتخذ قراره بضرب إيران، وأنّ تحديد التوقيت سيقرّره البيت الأبيض وفق ظروف واعتبارات مختلفة. لكن ومع بلوغ الحشد العسكري الأميركي ذروته، انطلقت الديبلوماسية الإيرانية في اتجاه تركيا وروسيا، وعادت الحركة الناشطة إلى قنوات التفاوض الخلفية عبر سلطنة عمان، ما أدّى وبنحو مفاجئ إلى فرملة المسار التصعيدي واستبداله بجولة تفاوضية أولى. ويبدو أنّ ثمة معلومات دقيقة حول المفاوضات وصلت إلى تل أبيب، ما دفع نتنياهو إلى طلب موعد لقاء سريع مع الرئيس الأميركي ومع وفده المفاوض، بهدف فرملة الإندفاعة التفاوضية الأميركية.
وقد يكون نتنياهو يراهن على قدرة تأثيره على ترامب الذي كان الأكثر «سخاء» في عطاءاته منذ دخوله لأول مرّة البيت الأبيض عام 2017. فخلال ولايته الأولى تمّ نقل السفارة الأميركية من تل ابيب إلى القدس، وهو الذي كان يمثل وعوداً إنتخابية لجميع أسلافه ولكن من دون أي تنفيذ. كذلك اعترف ترامب بضمّ إسرائيل للجولان، وكذلك البدء بصوغ إتفاقيات إبراهيم. أما في ولايته الثانية، فإنّ ترامب فتح أبواب الدعم العسكري الهائل للجيش الإسرائيلي في حربه على غزة ولبنان، وضغط بقوة لإنجاح حل في غزة يؤمّن إطلاق الرهائن الإسرائيليين، وينص على نزع سلاح حركة «حماس»، إضافة إلى منح إسرائيل الضوء الأخضر لضرب إيران، والذي لاقاه بقصف الطائرات الأميركية للمنشآت النووية الإيرانية في فوردو وأصفهان ونطنز.
ولكن، وعلى رغم من كل هذا التاريخ الحافل بالتعاون والتفاهم بينهما، إلّا أنّ تأثير نتنياهو على ترامب قد لا يكون مضموناً هذه المرّة. فمن جهة هنالك فرصة جدّية للتوصل إلى تفاهم مع النظام الإيراني الديني، يؤمّن لترامب مكتسبات إقتصادية ضخمة، إضافة إلى المطالب النووية المطروحة، ومن جهة ثانية هنالك أزمات ترامب ومشكلاته الداخلية التي تتفاقم أكثر فأكثر، ما يدفعه للذهاب إلى حلول ديبلوماسية منخفضة المخاطر، شرط أن تسمح له بالحصول على مكاسب كبيرة. ويعتقد أحد الديبلوماسيين الأميركيين، أنّه لو حصلت زيارة نتنياهو وفق الظروف الداخلية الأميركية وكانت قائمة قبل شهر، لكان تأثيرها أقوى على البيت الأبيض.
وبعيداً من المواقف المعلنة والتي تهدف إلى مخاطبة الشارع أكثر منه لرسم خطوط السياسة الفعلية، فإنّ التقديرات لدى الأوساط الديبلوماسية الأميركية ترجح أنّ طهران ربما تريد التعاون مع واشنطن، ولكن بصيغ وطرق لا يبدو معها التوافق إستسلاماً. ففي الذكرى السابعة والأربعين لقيام الجمهورية الإسلامية في إيران، تمّ تنظيم إحتفالات ردّد خلالها المشاركون شعارات مناهضة وحرق أعلام لإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية على حدّ سواء. كما تمّ استعراض صواريخ مجنحة وأخرى بالستية. لكن كلمة مرشد الثورة خامنئي حملت جملة ملتبسة و»حمّالة وجوه». فهو قال: «مصدر القوة لا يقتصر على القدرات الصاروخية، بل يقوم أساساً على إرادة الشعب وصموده ووحدته».
ولكن ثمة أجواء مختلفة بدأت بالظهور في المنطقة، وهو ما يمكن ملاحظته بكل وضوح في الجلسات الجانبية على هامش انعقاد منتدى الدوحة السنوي والذي تنظمه قناة «الجزيرة». فهذه اللقاءات تشهد عادة نقاشات مفتوحة وصريحة بين توجّهات سياسية مختلفة، ما يكسب المرء نظرة أكثر شمولية. وما لفتني، أنّ في المنتدى الحالي بدا الحضور أقل تعبئة مما كان عليه في العام الماضي، تحديداً لناحية الحساسية المفرطة التي كانت لدى هذا الحضور من مختلف نخب العالم العربي تجاه إيران والقوى المحسوبة عليها. ففي العام السابق كان انتصار أحمد الشرع في سوريا لا يزال «طازجاً»، إضافة إلى الحرب على «حزب الله». أما منتدى هذه السنة فهو جاء بعد الحرب الجوية التي طاولت إيران، وبعد تسوية غزة، وبعد الغارة الإسرائيلية على قيادات «حماس» في الدوحة. وعدا أنّه كانت كلمة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في جلسة الإفتتاح، إلّا أنّ الأجواء اختلفت بعض الشيء عن العام الماضي، وكانت لي ملاحظات ثلاث:
الملاحظة الأولى، دعوة أحد الباحثين، وهو عراقي، إلى عدم الربط بين تسليم سلاح «حماس» وانتهاء عمل المقاومة، بما يمكن تفسيره أنّ العمل المقاوم ليس فقط عسكرياً ومحصوراً بالعمل المسلح. وفي العام الماضي كان للباحث نفسه موقف أكثر تعبئة، مع الحرص على الفصل بين الحماسة لـ«الملحمة التي تخطّها فصائل حركة «حماس» في غزة»، وبين الإنتقاد لدور إيران في المنطقة. وهذا الإنتقاد يصبح أكثر حدّة في الجلسات الجانبية. أما في المنتدى الحالي فإنّ المناخ بدا أقل تعبئة مما كان عليه في العام الماضي.
أما الملاحظة الثانية، فتتعلق بالنقاش الذي حصل مع أستاذ جامعي إيراني متعاقد مع جامعة عريقة في إحدى العواصم الأوروبية الغربية واختصاصه يتركّز على إيران والشرق الأوسط. وهذا الأكاديمي يزور طهران دورياً حيث يعيش أهله، والذين شهدوا الحرب الجوية التي حصلت في حزيران الماضي. وفي ملخص لما قاله، إنّ السلطة الإيرانية أجرت مراجعة شاملة لاستراتيجيتها السياسية، وأنّها اتخذت قراراً بصوغ سلوك جديد قد يتضمن التزاماً بعدم تهديد إسرائيل. وإذ يعترف بأنّ القرار أولاً وأخيراً هو بيد خامنئي، فهو أضاف أنّ رسم سياسة جديدة يعود للنظرة الواقعية التي يتمتع بها. والباحث الإيراني يفصل بين البراغماتية والواقعية (réaliste). ويشرح أنّ الظروف باتت تقتضي الذهاب في مسار جديد، ولكن مع التمسك بحفظ الشكل والصورة، وهذه مسألة أساسية. وخلافاً للإنطباع السائد، فهو يعتبر أنّ الحرس الثوري الإيراني بالإجمال هو واقعي في تعاطيه مع الأمور. ولذلك فهو يتحدث عن وجود مرونة إيرانية في موضوع التفاوض مع واشنطن، مع نية لإنجاح هذه المفاوضات، ولكن مع الإصرار على احترام الشكل، وأيضاً حفظ بعض المصالح الإيرانية الأساسية. ويضع ذلك في إطار الحسابات الواقعية. «يمكن إيجاد حلول معقولة للنووي والصواريخ، وهذه تخضع للشطارة في التفاوض، لكن الخلفية هي لحصول الإتفاق». أما بالنسبة إلى ملف «تصدير الثورة»، فإنّ الأكاديمي الإيراني ينقل وجود إقرار داخلي في طهران حول فشل الأهداف التي كانت مرجوة منه. وبالتالي، فإنّ الاقتناع بات أكبر بالتخلّي عن هذا المشروع، ولكن من دون التخلّي أخلاقياً أو معنوياً عن المجموعات التي شكّلت ركائز له. أي بمنع حصول أي «تصفية حساب» معهم لاحقاً. لا بل فهو يذهب أبعد من ذلك، حين يعتقد أنّ هذا التحول البطيء الحاصل لإيران سيواكبه في مرحلة ما خروج خامنئي من موقعه، ولكن بعد أن يشرف بنفسه على وصول من سيخلفه في هذا الموقع. فهو يفضّل وسط هذه الظروف الصعبة، إنتقالاً هادئاً ومضموناً على حياته، وليس الإندفاع في اتجاه المجهول في حال غيابه، خصوصاً أنّ إيران ذاهبة في اتجاه جديد، ولكن من ضمن أطر النظام الديني القائم. لكن احتمالات نجاح المفاوضات لا تتجاوز الـ 50% وفق تقديراته. فهنالك «جشع» ترامب الذي يمكن أن ينسف المهمّة بكاملها، وهنالك أيضاً المصاعب الداخلية الأميركية، وهنالك خصوصاً نتنياهو وسعيه إلى نسف أي اتفاق تفاوضي كونه يريد ضربة عسكرية، وهي النقطة المتعلقة بالملاحظة الثالثة.
أما الملاحظة الثالثة والأخيرة، فتحدث عنها أحد الباحثين المتخصصين بالشأن الإسرائيلي، وهو في المناسبة من فلسطينيي 1948، وهو يحمل جواز سفر إسرائيلياً. فهو يعتقد أنّه عندما سيحدّد نتنياهو موعد انتخاباته فإنّ الخطر سيلوح بقوة، وتحديداً قبل نحو ثلاثة أشهر من موعد حصول الإنتخابات، والمرجحة بين موعدي حزيران أو تشرين الأول. وينقل هذا الأكاديمي الفلسطيني عن مصادره، بأنّ العقل الإسرائيلي يعتقد أنّ الظروف تبتسم لإسرائيل، وهو ما لا يمكن حصوله إلّا مرّة كل مئة عام. فإيران التي باتت ضعيفة ومنهكة بدليل استخدامها العنف المفرط لقمعها الإحتجاجات، بات يمكن إسقاط تركيبتها الحاكمة بعملية عسكرية مترافقة مع تشديد الخناق حول اقتصادها المتهالك. وفي حال حصول ذلك، فإنّ ضربة واحدة يمكن أن تدفع كل المنطقة المحيطة بإيران إلى حروب ووحول وتفتيت واسع. فسقوط الرأس سيؤدي إلى تفكّك الأطراف، مثل البلوش في الجنوب الشرقي، حيث حصل القمع الدموي للسلطات. وتفكّك البلوش سيؤدي إلى نزاع ليس فقط مع طهران ولكن مع باكستان وربما أفغانستان. كذلك سيؤدي تفكّك الأكراد إلى بركة نزاع دموية مع تركيا، ما سيجعلها منشغلة لوقت طويل، ويحدّ من طموح توسعها جنوباً. وفي الشمال سيتفكّك الأذريون، وفي الأهواز سيتّجه أصحاب القومية العربية للإنفصال أسوة بغيرهم، وهو ما سيفتح أبواب النزوح في اتجاه الخليج، وبالتالي فتح أبواب إضطرابات، ما يجعل الحاجة لإسرائيل ملحّة.
وليس بعيداً من هذه الملاحظات، خصوصاً الثانية، بدت التطورات في لبنان أكثر مرونة خلال الأيام الماضية. فزيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الجنوب ما كانت لتتمّ لولا وجود مناخ خارجي مؤاتٍ ومشجع، خصوصاً أنّها حملت إلتزاماً بإعادة الإعمار، وهو ما ترفضه إسرائيل في المطلق. وهذه الزيارة حصلت بالتنسيق الكامل مع رئيس مجلس النواب نبيه بري وقيادة «حزب الله». أضف إلى ذلك، الإبلاغ الأميركي حول المخزن الضخم لـ«حزب الله» جنوب الليطاني. والسؤال هو حول طريقة اكتشافه. فلو كانت إسرائيل تعرف به من خلال وسائلها التقنية أو الأمنية، لكانت قصفته فوراً، وعملت على إثارة إعلامية واسعة. كذلك، لو كان الجانب الأميركي يعرف به قبل الآن لكان فعل ذلك سابقاً. إذاً، فالسؤال الأساسي هو كيف تمّ اكتشاف هذا النفق الضخم، وهل للتوقيت معناه؟
في الشرق الأوسط عادة ما يتمّ رسم الحلول الجدّية في الكواليس البعيدة، وهو ما قد يكون يحصل في هذه المرحلة بالذات.
هل بدأت مرحلة التحولات الكبرى؟

استعجال رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو زيارته لواشنطن للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أظهر أنّ قنوات التفاوض الخلفية المفتوحة بين الإدارة الأميركية وطهران، شهدت تقدّماً حقيقياً، وأنّ احتمالات التوصل إلى تسوية شاملة أصبحت مرتفعة، وهو ما يعارضه نتنياهو واليمين الإسرائيلي بشدة. لذلك طار نتنياهو على وجه السرعة، على أمل التأثير على توجّهات ترامب وفريق عمله. مع التذكير هنا بالعلاقة الخاصة التي تربطه بترامب، حيث كان أول مسؤول أجنبي كبير يستقبله الرئيس الأميركي بعد أسبوعين من دخوله البيت الأبيض.
من المنطقي الإستنتاج أنّ نتنياهو سيعمل في واشنطن على إجهاض ما يتمّ صوغه من مشاريع وتفاهمات بين واشنطن وطهران. فقبل أسبوعين كانت وسائل الإعلام الإسرائيلية المحسوبة على اليمين الإسرائيلي تتحدث عن أنّ ترامب اتخذ قراره بضرب إيران، وأنّ تحديد التوقيت سيقرّره البيت الأبيض وفق ظروف واعتبارات مختلفة. لكن ومع بلوغ الحشد العسكري الأميركي ذروته، انطلقت الديبلوماسية الإيرانية في اتجاه تركيا وروسيا، وعادت الحركة الناشطة إلى قنوات التفاوض الخلفية عبر سلطنة عمان، ما أدّى وبنحو مفاجئ إلى فرملة المسار التصعيدي واستبداله بجولة تفاوضية أولى. ويبدو أنّ ثمة معلومات دقيقة حول المفاوضات وصلت إلى تل أبيب، ما دفع نتنياهو إلى طلب موعد لقاء سريع مع الرئيس الأميركي ومع وفده المفاوض، بهدف فرملة الإندفاعة التفاوضية الأميركية.
وقد يكون نتنياهو يراهن على قدرة تأثيره على ترامب الذي كان الأكثر «سخاء» في عطاءاته منذ دخوله لأول مرّة البيت الأبيض عام 2017. فخلال ولايته الأولى تمّ نقل السفارة الأميركية من تل ابيب إلى القدس، وهو الذي كان يمثل وعوداً إنتخابية لجميع أسلافه ولكن من دون أي تنفيذ. كذلك اعترف ترامب بضمّ إسرائيل للجولان، وكذلك البدء بصوغ إتفاقيات إبراهيم. أما في ولايته الثانية، فإنّ ترامب فتح أبواب الدعم العسكري الهائل للجيش الإسرائيلي في حربه على غزة ولبنان، وضغط بقوة لإنجاح حل في غزة يؤمّن إطلاق الرهائن الإسرائيليين، وينص على نزع سلاح حركة «حماس»، إضافة إلى منح إسرائيل الضوء الأخضر لضرب إيران، والذي لاقاه بقصف الطائرات الأميركية للمنشآت النووية الإيرانية في فوردو وأصفهان ونطنز.
ولكن، وعلى رغم من كل هذا التاريخ الحافل بالتعاون والتفاهم بينهما، إلّا أنّ تأثير نتنياهو على ترامب قد لا يكون مضموناً هذه المرّة. فمن جهة هنالك فرصة جدّية للتوصل إلى تفاهم مع النظام الإيراني الديني، يؤمّن لترامب مكتسبات إقتصادية ضخمة، إضافة إلى المطالب النووية المطروحة، ومن جهة ثانية هنالك أزمات ترامب ومشكلاته الداخلية التي تتفاقم أكثر فأكثر، ما يدفعه للذهاب إلى حلول ديبلوماسية منخفضة المخاطر، شرط أن تسمح له بالحصول على مكاسب كبيرة. ويعتقد أحد الديبلوماسيين الأميركيين، أنّه لو حصلت زيارة نتنياهو وفق الظروف الداخلية الأميركية وكانت قائمة قبل شهر، لكان تأثيرها أقوى على البيت الأبيض.
وبعيداً من المواقف المعلنة والتي تهدف إلى مخاطبة الشارع أكثر منه لرسم خطوط السياسة الفعلية، فإنّ التقديرات لدى الأوساط الديبلوماسية الأميركية ترجح أنّ طهران ربما تريد التعاون مع واشنطن، ولكن بصيغ وطرق لا يبدو معها التوافق إستسلاماً. ففي الذكرى السابعة والأربعين لقيام الجمهورية الإسلامية في إيران، تمّ تنظيم إحتفالات ردّد خلالها المشاركون شعارات مناهضة وحرق أعلام لإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية على حدّ سواء. كما تمّ استعراض صواريخ مجنحة وأخرى بالستية. لكن كلمة مرشد الثورة خامنئي حملت جملة ملتبسة و»حمّالة وجوه». فهو قال: «مصدر القوة لا يقتصر على القدرات الصاروخية، بل يقوم أساساً على إرادة الشعب وصموده ووحدته».
ولكن ثمة أجواء مختلفة بدأت بالظهور في المنطقة، وهو ما يمكن ملاحظته بكل وضوح في الجلسات الجانبية على هامش انعقاد منتدى الدوحة السنوي والذي تنظمه قناة «الجزيرة». فهذه اللقاءات تشهد عادة نقاشات مفتوحة وصريحة بين توجّهات سياسية مختلفة، ما يكسب المرء نظرة أكثر شمولية. وما لفتني، أنّ في المنتدى الحالي بدا الحضور أقل تعبئة مما كان عليه في العام الماضي، تحديداً لناحية الحساسية المفرطة التي كانت لدى هذا الحضور من مختلف نخب العالم العربي تجاه إيران والقوى المحسوبة عليها. ففي العام السابق كان انتصار أحمد الشرع في سوريا لا يزال «طازجاً»، إضافة إلى الحرب على «حزب الله». أما منتدى هذه السنة فهو جاء بعد الحرب الجوية التي طاولت إيران، وبعد تسوية غزة، وبعد الغارة الإسرائيلية على قيادات «حماس» في الدوحة. وعدا أنّه كانت كلمة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في جلسة الإفتتاح، إلّا أنّ الأجواء اختلفت بعض الشيء عن العام الماضي، وكانت لي ملاحظات ثلاث:
الملاحظة الأولى، دعوة أحد الباحثين، وهو عراقي، إلى عدم الربط بين تسليم سلاح «حماس» وانتهاء عمل المقاومة، بما يمكن تفسيره أنّ العمل المقاوم ليس فقط عسكرياً ومحصوراً بالعمل المسلح. وفي العام الماضي كان للباحث نفسه موقف أكثر تعبئة، مع الحرص على الفصل بين الحماسة لـ«الملحمة التي تخطّها فصائل حركة «حماس» في غزة»، وبين الإنتقاد لدور إيران في المنطقة. وهذا الإنتقاد يصبح أكثر حدّة في الجلسات الجانبية. أما في المنتدى الحالي فإنّ المناخ بدا أقل تعبئة مما كان عليه في العام الماضي.
أما الملاحظة الثانية، فتتعلق بالنقاش الذي حصل مع أستاذ جامعي إيراني متعاقد مع جامعة عريقة في إحدى العواصم الأوروبية الغربية واختصاصه يتركّز على إيران والشرق الأوسط. وهذا الأكاديمي يزور طهران دورياً حيث يعيش أهله، والذين شهدوا الحرب الجوية التي حصلت في حزيران الماضي. وفي ملخص لما قاله، إنّ السلطة الإيرانية أجرت مراجعة شاملة لاستراتيجيتها السياسية، وأنّها اتخذت قراراً بصوغ سلوك جديد قد يتضمن التزاماً بعدم تهديد إسرائيل. وإذ يعترف بأنّ القرار أولاً وأخيراً هو بيد خامنئي، فهو أضاف أنّ رسم سياسة جديدة يعود للنظرة الواقعية التي يتمتع بها. والباحث الإيراني يفصل بين البراغماتية والواقعية (réaliste). ويشرح أنّ الظروف باتت تقتضي الذهاب في مسار جديد، ولكن مع التمسك بحفظ الشكل والصورة، وهذه مسألة أساسية. وخلافاً للإنطباع السائد، فهو يعتبر أنّ الحرس الثوري الإيراني بالإجمال هو واقعي في تعاطيه مع الأمور. ولذلك فهو يتحدث عن وجود مرونة إيرانية في موضوع التفاوض مع واشنطن، مع نية لإنجاح هذه المفاوضات، ولكن مع الإصرار على احترام الشكل، وأيضاً حفظ بعض المصالح الإيرانية الأساسية. ويضع ذلك في إطار الحسابات الواقعية. «يمكن إيجاد حلول معقولة للنووي والصواريخ، وهذه تخضع للشطارة في التفاوض، لكن الخلفية هي لحصول الإتفاق». أما بالنسبة إلى ملف «تصدير الثورة»، فإنّ الأكاديمي الإيراني ينقل وجود إقرار داخلي في طهران حول فشل الأهداف التي كانت مرجوة منه. وبالتالي، فإنّ الاقتناع بات أكبر بالتخلّي عن هذا المشروع، ولكن من دون التخلّي أخلاقياً أو معنوياً عن المجموعات التي شكّلت ركائز له. أي بمنع حصول أي «تصفية حساب» معهم لاحقاً. لا بل فهو يذهب أبعد من ذلك، حين يعتقد أنّ هذا التحول البطيء الحاصل لإيران سيواكبه في مرحلة ما خروج خامنئي من موقعه، ولكن بعد أن يشرف بنفسه على وصول من سيخلفه في هذا الموقع. فهو يفضّل وسط هذه الظروف الصعبة، إنتقالاً هادئاً ومضموناً على حياته، وليس الإندفاع في اتجاه المجهول في حال غيابه، خصوصاً أنّ إيران ذاهبة في اتجاه جديد، ولكن من ضمن أطر النظام الديني القائم. لكن احتمالات نجاح المفاوضات لا تتجاوز الـ 50% وفق تقديراته. فهنالك «جشع» ترامب الذي يمكن أن ينسف المهمّة بكاملها، وهنالك أيضاً المصاعب الداخلية الأميركية، وهنالك خصوصاً نتنياهو وسعيه إلى نسف أي اتفاق تفاوضي كونه يريد ضربة عسكرية، وهي النقطة المتعلقة بالملاحظة الثالثة.
أما الملاحظة الثالثة والأخيرة، فتحدث عنها أحد الباحثين المتخصصين بالشأن الإسرائيلي، وهو في المناسبة من فلسطينيي 1948، وهو يحمل جواز سفر إسرائيلياً. فهو يعتقد أنّه عندما سيحدّد نتنياهو موعد انتخاباته فإنّ الخطر سيلوح بقوة، وتحديداً قبل نحو ثلاثة أشهر من موعد حصول الإنتخابات، والمرجحة بين موعدي حزيران أو تشرين الأول. وينقل هذا الأكاديمي الفلسطيني عن مصادره، بأنّ العقل الإسرائيلي يعتقد أنّ الظروف تبتسم لإسرائيل، وهو ما لا يمكن حصوله إلّا مرّة كل مئة عام. فإيران التي باتت ضعيفة ومنهكة بدليل استخدامها العنف المفرط لقمعها الإحتجاجات، بات يمكن إسقاط تركيبتها الحاكمة بعملية عسكرية مترافقة مع تشديد الخناق حول اقتصادها المتهالك. وفي حال حصول ذلك، فإنّ ضربة واحدة يمكن أن تدفع كل المنطقة المحيطة بإيران إلى حروب ووحول وتفتيت واسع. فسقوط الرأس سيؤدي إلى تفكّك الأطراف، مثل البلوش في الجنوب الشرقي، حيث حصل القمع الدموي للسلطات. وتفكّك البلوش سيؤدي إلى نزاع ليس فقط مع طهران ولكن مع باكستان وربما أفغانستان. كذلك سيؤدي تفكّك الأكراد إلى بركة نزاع دموية مع تركيا، ما سيجعلها منشغلة لوقت طويل، ويحدّ من طموح توسعها جنوباً. وفي الشمال سيتفكّك الأذريون، وفي الأهواز سيتّجه أصحاب القومية العربية للإنفصال أسوة بغيرهم، وهو ما سيفتح أبواب النزوح في اتجاه الخليج، وبالتالي فتح أبواب إضطرابات، ما يجعل الحاجة لإسرائيل ملحّة.
وليس بعيداً من هذه الملاحظات، خصوصاً الثانية، بدت التطورات في لبنان أكثر مرونة خلال الأيام الماضية. فزيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الجنوب ما كانت لتتمّ لولا وجود مناخ خارجي مؤاتٍ ومشجع، خصوصاً أنّها حملت إلتزاماً بإعادة الإعمار، وهو ما ترفضه إسرائيل في المطلق. وهذه الزيارة حصلت بالتنسيق الكامل مع رئيس مجلس النواب نبيه بري وقيادة «حزب الله». أضف إلى ذلك، الإبلاغ الأميركي حول المخزن الضخم لـ«حزب الله» جنوب الليطاني. والسؤال هو حول طريقة اكتشافه. فلو كانت إسرائيل تعرف به من خلال وسائلها التقنية أو الأمنية، لكانت قصفته فوراً، وعملت على إثارة إعلامية واسعة. كذلك، لو كان الجانب الأميركي يعرف به قبل الآن لكان فعل ذلك سابقاً. إذاً، فالسؤال الأساسي هو كيف تمّ اكتشاف هذا النفق الضخم، وهل للتوقيت معناه؟
في الشرق الأوسط عادة ما يتمّ رسم الحلول الجدّية في الكواليس البعيدة، وهو ما قد يكون يحصل في هذه المرحلة بالذات.










