“الحزب” قبل السويداء

الكاتب: سامر زريق | المصدر: نداء الوطن
12 شباط 2026

المعلومات التي ذكرتها منذ أسبوع حول إمكانية دخول الجيش السوري إلى مناطق “حزب الله” القريبة من الحدود، والمتداخلة مع نظيرتها السورية، أثارت بعض الاعتراضات على ما عُدّ تسويقًا للرئيس السوري أحمد الشرع، وإعادة استدراج تدخلات سورية في الشأن اللبناني الداخلي، ولا سيما السني منه.

في الواقع، إن تأثير العصبية السياسية السنية التي تجسدها دمشق بعرشها الجديد سيطال لبنان بحكم الجغرافيا، قبلنا بذلك أم لم نقبل. كما إن حالة الفراغ العصبوي السني في المنطقة من ناحية غياب القضية الصلبة التي يمكن التحلق حولها، أو أن تشكل عامل استقطاب، تفسح المجال أمام عبور التأثير إياه من الباب وليس من النوافذ.

والحالة العراقية تعد المثال الأبرز على هذا الصعيد، بعد الانزياح السياسي – الجغرافي لـ “قسد”، حيث ثمة ارتباط ناشئ بين سنة العراق والشرع قلب المعادلات، وأجبر نوري المالكي على خطب ودّ الرئيس السوري، بعدما كان يشن حملات عليه، ويصف نظامه بالإرهابي والتكفيري.

ومع ذلك، فإن احتمالية دخول الجيش السوري تندرج ضمن سياق آخر منفصل تمامًا عن العصبيات كما التجارب السالفة. تكمن  الإشكالية الأساسية في اختلاف المقاربة، وتاليًا الموقع الذي ينظر إلى الحدث منه، والربط بين ما سبق وبين التداخل التاريخي اللبناني السوري، أو بمعنى أدق تأثير سوريا على الساحة اللبنانية.

في حين أن جذور المسألة التي بني عليها سياق الدخول ذاته تعود إلى أيام حافظ الأسد، الذي أقدم بمكر ودهاء على نشر صواريخ بعيدة المدى في مناطق مركبة الهوية، لحساب “حزب الله”، وبإشراف غير مباشر من ضباط جيشه، كي تشكل تهديدًا لإسرائيل يمكن استثماره في السياسة، مع تصعيب إمكانية استهدافها في ظل الهوية التائهة كي لا تنزلق إسرائيل نحو صراع مع سوريا لم تكن تريده. واستمر الأمر طيلة حكم ابنه.

غداة سقوط نظام بشار الأسد، سارع “حزب الله” إلى نقل هذه الصواريخ إلى مخابئ ضمن بلدات تقع في نطاق محافظة بعلبك – الهرمل. ورفض إعادتها إلى صاحبها الأصلي، وهي الدولة السورية، رغم كل المحاولات التي بذلتها دمشق عبر وسطاء مختلفين لحل المسألة. مشكلة هذه الصواريخ لا تقف عند حدود ملكيتها، بل لما تشكله من تهديد جدي وخطير على الأمن الوطني السوري، لكونها تطال العاصمة السورية وما بعدها.

إزاء تعنت “حزب الله”، وسعيه لاستغلال ورقة هذه الصواريخ من أجل فرض شروط معينة على الإدارة السورية الجديدة، فإن الأخيرة أبلغت واشنطن وفاعلين إقليميين بأنها ستحسم المسألة بنفسها، وأنه لا يسعها القبول لأمنها واستقرارها ونظامها. لذلك منحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب الضوء الأخضر ضمن معايير محددة، أبرزها عدم البقاء في الجغرافيا اللبنانية. لكن دمشق لا تزال تواجه رفضًا إسرائيليًا عبّرت عنه بشنّ هجمات على بعض الأهداف في بعلبك – الهرمل، في رسالة إلى الرئيس السوري بأن هذه المناطق تقع ضمن النطاق الحيوي لأمنها الاستراتيجي.

إلا أن الموقف الأميركي هو إلى جانب سوريا، التي يعد رئيسها العدة لهذه الحملة بهدوء، وينتظر اللحظة المناسبة، حسب المعلومات المستقاة من مصادر مقربة من دوائر الحكم. والحال أن هذه العدة تشتمل على الزيارة المفاجئة التي أجراها إلى موسكو، حيث أبرم تسوية منح فيها الأخيرة استمرارية تواجدها في “حميميم” و “طرطوس”، مقابل تحييد روسيا عن مسألة متداخلة وهي “الفلول”، والتي تندرج أيضًا ضمن أهداف الحملة إياها، لما تجسده من تهديد لوحدة سوريا واستقرارها.

لذا، يعتزم الشرع توجيه ضربة ساحقة لـ “الفلول” على تخوم الحدود السورية، بعد تفكيك الشبكة الحمائية المتنوعة التي كانت تتوسدها. بدأ الأمر بحل قضية “قسد” بمزيج عسكري – سياسي. وهي التي كانت تشكل واحدة من أبرز حواضن “الفلول”، وتداعياتها المتصلة بالعتبة الحمائية الفرنسية التي تعرضت لشرخ قاسٍ. أتبعه برفض استقبال وزير الخارجية، جان نويل بارو، ورفض طلبات باريس من قبل مخاطبيه السوريين وإفشال كل أهداف زيارته، حيث  تشير المعلومات إلى أن الشرع يجسد رأس حربة في عملية إخراج النفوذ الفرنسي من المنطقة للمرة الأولى منذ قرنين وأكثر ضمن إطار الترتيبات الجديدة.

سيزيد حصول هذه الضربة المزدوجة  من توهين “حزب الله”، وسيضاعف من حجم الفراغ السياسي والاستراتيجي على الساحة اللبنانية، بما يدفع التأثير السوري إلى مستويات مرتفعة، ولا سيما عند السنة، وسيكون ذلك على حساب تدفق “النوستالجيا” الحريرية.

“الحزب” قبل السويداء

الكاتب: سامر زريق | المصدر: نداء الوطن
12 شباط 2026

المعلومات التي ذكرتها منذ أسبوع حول إمكانية دخول الجيش السوري إلى مناطق “حزب الله” القريبة من الحدود، والمتداخلة مع نظيرتها السورية، أثارت بعض الاعتراضات على ما عُدّ تسويقًا للرئيس السوري أحمد الشرع، وإعادة استدراج تدخلات سورية في الشأن اللبناني الداخلي، ولا سيما السني منه.

في الواقع، إن تأثير العصبية السياسية السنية التي تجسدها دمشق بعرشها الجديد سيطال لبنان بحكم الجغرافيا، قبلنا بذلك أم لم نقبل. كما إن حالة الفراغ العصبوي السني في المنطقة من ناحية غياب القضية الصلبة التي يمكن التحلق حولها، أو أن تشكل عامل استقطاب، تفسح المجال أمام عبور التأثير إياه من الباب وليس من النوافذ.

والحالة العراقية تعد المثال الأبرز على هذا الصعيد، بعد الانزياح السياسي – الجغرافي لـ “قسد”، حيث ثمة ارتباط ناشئ بين سنة العراق والشرع قلب المعادلات، وأجبر نوري المالكي على خطب ودّ الرئيس السوري، بعدما كان يشن حملات عليه، ويصف نظامه بالإرهابي والتكفيري.

ومع ذلك، فإن احتمالية دخول الجيش السوري تندرج ضمن سياق آخر منفصل تمامًا عن العصبيات كما التجارب السالفة. تكمن  الإشكالية الأساسية في اختلاف المقاربة، وتاليًا الموقع الذي ينظر إلى الحدث منه، والربط بين ما سبق وبين التداخل التاريخي اللبناني السوري، أو بمعنى أدق تأثير سوريا على الساحة اللبنانية.

في حين أن جذور المسألة التي بني عليها سياق الدخول ذاته تعود إلى أيام حافظ الأسد، الذي أقدم بمكر ودهاء على نشر صواريخ بعيدة المدى في مناطق مركبة الهوية، لحساب “حزب الله”، وبإشراف غير مباشر من ضباط جيشه، كي تشكل تهديدًا لإسرائيل يمكن استثماره في السياسة، مع تصعيب إمكانية استهدافها في ظل الهوية التائهة كي لا تنزلق إسرائيل نحو صراع مع سوريا لم تكن تريده. واستمر الأمر طيلة حكم ابنه.

غداة سقوط نظام بشار الأسد، سارع “حزب الله” إلى نقل هذه الصواريخ إلى مخابئ ضمن بلدات تقع في نطاق محافظة بعلبك – الهرمل. ورفض إعادتها إلى صاحبها الأصلي، وهي الدولة السورية، رغم كل المحاولات التي بذلتها دمشق عبر وسطاء مختلفين لحل المسألة. مشكلة هذه الصواريخ لا تقف عند حدود ملكيتها، بل لما تشكله من تهديد جدي وخطير على الأمن الوطني السوري، لكونها تطال العاصمة السورية وما بعدها.

إزاء تعنت “حزب الله”، وسعيه لاستغلال ورقة هذه الصواريخ من أجل فرض شروط معينة على الإدارة السورية الجديدة، فإن الأخيرة أبلغت واشنطن وفاعلين إقليميين بأنها ستحسم المسألة بنفسها، وأنه لا يسعها القبول لأمنها واستقرارها ونظامها. لذلك منحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب الضوء الأخضر ضمن معايير محددة، أبرزها عدم البقاء في الجغرافيا اللبنانية. لكن دمشق لا تزال تواجه رفضًا إسرائيليًا عبّرت عنه بشنّ هجمات على بعض الأهداف في بعلبك – الهرمل، في رسالة إلى الرئيس السوري بأن هذه المناطق تقع ضمن النطاق الحيوي لأمنها الاستراتيجي.

إلا أن الموقف الأميركي هو إلى جانب سوريا، التي يعد رئيسها العدة لهذه الحملة بهدوء، وينتظر اللحظة المناسبة، حسب المعلومات المستقاة من مصادر مقربة من دوائر الحكم. والحال أن هذه العدة تشتمل على الزيارة المفاجئة التي أجراها إلى موسكو، حيث أبرم تسوية منح فيها الأخيرة استمرارية تواجدها في “حميميم” و “طرطوس”، مقابل تحييد روسيا عن مسألة متداخلة وهي “الفلول”، والتي تندرج أيضًا ضمن أهداف الحملة إياها، لما تجسده من تهديد لوحدة سوريا واستقرارها.

لذا، يعتزم الشرع توجيه ضربة ساحقة لـ “الفلول” على تخوم الحدود السورية، بعد تفكيك الشبكة الحمائية المتنوعة التي كانت تتوسدها. بدأ الأمر بحل قضية “قسد” بمزيج عسكري – سياسي. وهي التي كانت تشكل واحدة من أبرز حواضن “الفلول”، وتداعياتها المتصلة بالعتبة الحمائية الفرنسية التي تعرضت لشرخ قاسٍ. أتبعه برفض استقبال وزير الخارجية، جان نويل بارو، ورفض طلبات باريس من قبل مخاطبيه السوريين وإفشال كل أهداف زيارته، حيث  تشير المعلومات إلى أن الشرع يجسد رأس حربة في عملية إخراج النفوذ الفرنسي من المنطقة للمرة الأولى منذ قرنين وأكثر ضمن إطار الترتيبات الجديدة.

سيزيد حصول هذه الضربة المزدوجة  من توهين “حزب الله”، وسيضاعف من حجم الفراغ السياسي والاستراتيجي على الساحة اللبنانية، بما يدفع التأثير السوري إلى مستويات مرتفعة، ولا سيما عند السنة، وسيكون ذلك على حساب تدفق “النوستالجيا” الحريرية.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار