لا تضيعوا البوصلة السلاح أولًا وأخيرًا

في خضم الانهيار المالي غير المسبوق، وضعف مؤسسات الدولة، ومحاولات زعزعة الثقة الداخلية والخارجية بلبنان، تتعدد العناوين التي تبدو ملحّة: الإصلاح الاقتصادي، إعادة هيكلة القطاع المصرفي، مكافحة الفساد، واستعادة العلاقات العربية والدولية.
غير أن كل هذه الملفات، على أهميتها، تبقى تدور في حلقة مفرغة ما لم يُحسم السؤال الجوهري: من يملك قرار السلم والحرب؟ ومن يحتكر استخدام القوة على الأراضي اللبنانية؟ لذلك، لا تضيعوا البوصلة: السلاح أولًا.
قيام الدولة الحديثة يرتكز على مبدأ بديهي في علم السياسة، وهو احتكار الدولة للسلاح الشرعي. هذا الاحتكار ليس تفصيلًا إداريًا، بل هو جوهر السيادة ومعيار وجود الدولة نفسها. عندما تتعدد مراكز القوة العسكرية، يصبح القرار الوطني موزعًا، وتتحول المؤسسات إلى هياكل شكلية عاجزة عن فرض القوانين أو حماية الحدود أو حتى تنفيذ سياسات عامة مستقلة. في هذه الحالة، لا يعود الحديث عن إصلاح أو استقرار ممكنًا، لأن الأساس الدستوري والأمني للدولة مهتز.
في لبنان، أدت عقود من التسويات المرحلية إلى ترسيخ واقع السلاح خارج إطار الدولة تحت عناوين مختلفة. فالبلد الذي لا يحتكر قراره الأمني لا يستطيع أن يطمئن المستثمرين، ولا أن يضمن الاستقرار النقدي، ولا أن يبني سياسة خارجية متوازنة. كل ذلك يبقى رهينة حسابات إقليمية تتجاوز المصلحة الوطنية المباشرة.
الربط بين السلاح والاقتصاد ليس طرحًا نظريًا. أي خطة نهوض اقتصادي تحتاج إلى بيئة مستقرة سياسيًا وأمنيًا، وإلى وضوح في القرار السيادي. المجتمع الدولي، كما الدول العربية ، ينظر إلى مسألة السلاح باعتبارها اختبارًا لجدية الدولة اللبنانية في استعادة دورها. فلا مساعدات مستدامة، ولا استثمارات كبرى، في ظل احتمال انزلاق البلاد إلى مواجهة عسكرية بقرار لا يمر عبر المؤسسات الدستورية. الثقة، وهي العملة النادرة في لبنان اليوم، تبدأ من وضوح السلطة ومرجعيتها الواحدة.
إن حصر السلاح بيد الدولة لا يعني استهداف فئة أو مكوّن لبناني، بل العكس تمامًا. إنه مدخل لإعادة الاعتبار لفكرة الشراكة الوطنية المتساوية. حين تكون القوة العسكرية خاضعة لمؤسسات منتخبة وخاضعة للمساءلة، يشعر المواطنون بأنهم متساوون أمام القانون، وأن لا امتياز لفريق على حساب آخر. أما بقاء السلاح خارج إطار الدولة، فيكرّس شعورًا بالاختلال في موازين القوة، ويعمّق الهواجس الطائفية، ويضعف الانتماء إلى الكيان الجامع.
القول بأن الأولوية يجب أن تكون للإصلاحات المعيشية قبل معالجة مسألة السلاح يتجاهل العلاقة العضوية بين الأمرين. كيف يمكن تطبيق إصلاحات مؤلمة، تتطلب قرارات جريئة وتضحيات واسعة، في ظل انقسام عميق حول هوية الدولة ودورها؟ وكيف يمكن ضبط الحدود ومنع التهريب، أو فرض الجباية العادلة، أو مكافحة الاقتصاد الموازي، من دون مرجعية أمنية واحدة واضحة؟ إن أي إصلاح اقتصادي حقيقي يفترض دولة قادرة على فرض سياساتها على كامل أراضيها.
لا شك أن مسألة السلاح في لبنان معقدة، ومرتبطة بتوازنات داخلية وإقليمية دقيقة. لكن تعقيدها لا يبرر تأجيلها إلى ما لا نهاية.
لبنان اليوم أمام مفترق طرق. إما أن يستمر في إدارة أزماته عبر تسويات موقتة تُبقي أصل المشكلة قائمًا، وإما أن يواجه الحقيقة بشجاعة: لا نهوض من دون سيادة كاملة، ولا سيادة من دون احتكار السلاح.
لا تضيعوا البوصلة. قبل الخطط والوعود، قبل المؤتمرات والدعم الخارجي، هناك شرط تأسيسي واحد: السلاح أولًا. عندما تستعيد الدولة قرارها الكامل، يصبح كل إصلاح ممكنًا، وكل أمل قابلًا للتحقق.
لا تضيعوا البوصلة السلاح أولًا وأخيرًا

في خضم الانهيار المالي غير المسبوق، وضعف مؤسسات الدولة، ومحاولات زعزعة الثقة الداخلية والخارجية بلبنان، تتعدد العناوين التي تبدو ملحّة: الإصلاح الاقتصادي، إعادة هيكلة القطاع المصرفي، مكافحة الفساد، واستعادة العلاقات العربية والدولية.
غير أن كل هذه الملفات، على أهميتها، تبقى تدور في حلقة مفرغة ما لم يُحسم السؤال الجوهري: من يملك قرار السلم والحرب؟ ومن يحتكر استخدام القوة على الأراضي اللبنانية؟ لذلك، لا تضيعوا البوصلة: السلاح أولًا.
قيام الدولة الحديثة يرتكز على مبدأ بديهي في علم السياسة، وهو احتكار الدولة للسلاح الشرعي. هذا الاحتكار ليس تفصيلًا إداريًا، بل هو جوهر السيادة ومعيار وجود الدولة نفسها. عندما تتعدد مراكز القوة العسكرية، يصبح القرار الوطني موزعًا، وتتحول المؤسسات إلى هياكل شكلية عاجزة عن فرض القوانين أو حماية الحدود أو حتى تنفيذ سياسات عامة مستقلة. في هذه الحالة، لا يعود الحديث عن إصلاح أو استقرار ممكنًا، لأن الأساس الدستوري والأمني للدولة مهتز.
في لبنان، أدت عقود من التسويات المرحلية إلى ترسيخ واقع السلاح خارج إطار الدولة تحت عناوين مختلفة. فالبلد الذي لا يحتكر قراره الأمني لا يستطيع أن يطمئن المستثمرين، ولا أن يضمن الاستقرار النقدي، ولا أن يبني سياسة خارجية متوازنة. كل ذلك يبقى رهينة حسابات إقليمية تتجاوز المصلحة الوطنية المباشرة.
الربط بين السلاح والاقتصاد ليس طرحًا نظريًا. أي خطة نهوض اقتصادي تحتاج إلى بيئة مستقرة سياسيًا وأمنيًا، وإلى وضوح في القرار السيادي. المجتمع الدولي، كما الدول العربية ، ينظر إلى مسألة السلاح باعتبارها اختبارًا لجدية الدولة اللبنانية في استعادة دورها. فلا مساعدات مستدامة، ولا استثمارات كبرى، في ظل احتمال انزلاق البلاد إلى مواجهة عسكرية بقرار لا يمر عبر المؤسسات الدستورية. الثقة، وهي العملة النادرة في لبنان اليوم، تبدأ من وضوح السلطة ومرجعيتها الواحدة.
إن حصر السلاح بيد الدولة لا يعني استهداف فئة أو مكوّن لبناني، بل العكس تمامًا. إنه مدخل لإعادة الاعتبار لفكرة الشراكة الوطنية المتساوية. حين تكون القوة العسكرية خاضعة لمؤسسات منتخبة وخاضعة للمساءلة، يشعر المواطنون بأنهم متساوون أمام القانون، وأن لا امتياز لفريق على حساب آخر. أما بقاء السلاح خارج إطار الدولة، فيكرّس شعورًا بالاختلال في موازين القوة، ويعمّق الهواجس الطائفية، ويضعف الانتماء إلى الكيان الجامع.
القول بأن الأولوية يجب أن تكون للإصلاحات المعيشية قبل معالجة مسألة السلاح يتجاهل العلاقة العضوية بين الأمرين. كيف يمكن تطبيق إصلاحات مؤلمة، تتطلب قرارات جريئة وتضحيات واسعة، في ظل انقسام عميق حول هوية الدولة ودورها؟ وكيف يمكن ضبط الحدود ومنع التهريب، أو فرض الجباية العادلة، أو مكافحة الاقتصاد الموازي، من دون مرجعية أمنية واحدة واضحة؟ إن أي إصلاح اقتصادي حقيقي يفترض دولة قادرة على فرض سياساتها على كامل أراضيها.
لا شك أن مسألة السلاح في لبنان معقدة، ومرتبطة بتوازنات داخلية وإقليمية دقيقة. لكن تعقيدها لا يبرر تأجيلها إلى ما لا نهاية.
لبنان اليوم أمام مفترق طرق. إما أن يستمر في إدارة أزماته عبر تسويات موقتة تُبقي أصل المشكلة قائمًا، وإما أن يواجه الحقيقة بشجاعة: لا نهوض من دون سيادة كاملة، ولا سيادة من دون احتكار السلاح.
لا تضيعوا البوصلة. قبل الخطط والوعود، قبل المؤتمرات والدعم الخارجي، هناك شرط تأسيسي واحد: السلاح أولًا. عندما تستعيد الدولة قرارها الكامل، يصبح كل إصلاح ممكنًا، وكل أمل قابلًا للتحقق.













