ملفات “الحزب” في المحكمة العسكرية خلايا القتل: من الاغتيال إلى الهرب

خلال الأيام والأسابيع الماضية عاد إلى العلن الحديث عما عرف بوحدة الاغتيال في “حزب الله” الوحدة 121. لا شك أن الحديث عن “حزب الله” والاغتيالات يعيدنا إلى ذاكرة مليئة بالشخصيات المغتالة، إن من الشخصيات والمفكرين الشيعة اللبنانيين من موسى شعب إلى حسين مروة، مهدي عامل، وصولًا إلى لقمان سليم، أو من خلال الاغتيالات التي طالت العسكريين اللبنانيين وليس آخرها الطيار سامر حنا، إضافة إلى الشخصيات اللبنانية السياسية من رفيق الحريري وصولًا إلى الياس الحصروني وغيرهم ممن كانوا ضحية هذا الجهاز المنظم الذي أنشئ مع انطلاقة ما يعرف بـ “حزب الله” في لبنان، وحاضنه نظام الملالي في إيران وحرسه الثوري.
ورغم معرفة الجميع الجاني، لم تصل معظم هذه القضايا إلى معرفة الجناة والوصول إلى العدالة، وبقي الفاعل مبهمًا قانونيًا. وإذا كانت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان قد أدانت عناصر في “حزب الله” باغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري دون القدرة على جلب القتلة وتنفيذ حكم العدالة، فإن القضاء اللبناني قد حكم في التسعينات على خلية لـ “حزب الله” في قضية اغتيال الملحق العسكري الفرنسي كريستيان غوتيير، فقد حكمت المحكمة العسكرية اللبنانية بإدانة عريف في الجيش اللبناني يعمل ضمن خلية اغتيال لـ “حزب الله” في قضية اغتيال الملحق العسكري الفرنسي بالمؤبد، ولعل هذه القضية تثبت بشكل واضح انخراط “الحزب” في عمليات الاغتيال والتفجير ومحاولات الاغتيال في لبنان خلال الحرب الأهلية ولا سيما في ما عرف آنذاك بـ “المنطقة الشرقية”.
من الاغتيال إلى الهرب
استنادًا إلى الوثائق والمعلومات الأرشيفية المتوفرة في قاعدة بيانات “ديوان الذاكرة اللبنانية” التي قامت بتأسيسها “أمم للتوثيق والأبحاث” عام 2008، تبدأ السردية بتاريخ 20 أيلول 1986 حيث ورد في صحيفة العهد الناطقة باسم “حزب الله” خبر اغتيال الملحق العسكري الفرنسي كريستيان غوتيير أمام السفارة الفرنسية في محلة الحازمية مار تقلا، وبعد عرض طريقة الاغتيال بشكل تفصيلي، تمت الإشارة إلى أن “المنطقة التي اغتيل فيها الملحق العسكري الفرنسي تقع تحت سلطة القوى العسكرية التابعة لأمين الجميل، والتي تخوض صراع نفوذ مع القوى التابعة لسمير جعجع، وتتخلل هذا الصراع أعمال عنف تتراوح بين اغتيالات ودس عبوات ناسفة وسيارات مفخخة”.
لم تكن هذه الإشارة التي توجه الاتهام إلى القوات اللبنانية إلا إشعارًا بما ستقوم به جماعة هذه الصحيفة خلال تلك الفترة من تفجيرات ومحاولات اغتيال واغتيالات تظهّرت بعد 6 شباط 1987 بعد إلقاء جهاز المكافحة في الجيش اللبناني القبض على العريف حسين مصطفى طليس في الحازمية بعد تفتيش سيارته التي كان فيها متفجرات، وتبين من التحقيق أن طليس وشركاءه قاموا باغتيال الملحق العسكري الفرنسي بالإضافة إلى العديد من العمليات التفجيرية في ما كان يعرف بـ “بيروت الشرقية” منها تفجير سيارات مفخخة ومحاولة اغتيال الرئيس كميل شمعون، وورد في محاضر التحقيق كما نشرتها إحدى الدوريات المحلية في عام 1989 تفاصيل تلك التفجيرات والعمليات، وورد في التحقيق أن طليس ينتمي إلى جماعة “حزب الله” منذ أواخر 1982، وأنه بعد صقله على الصعيدين الديني والسياسي في البقاع، تم إرساله إلى الحاج مهدي شحادة الذي عرّفه إلى الحاج حسين رمال الذي بدأ مع حسين بأولى عملياته في المنطقة الشرقية، وكانت المتفجرات التي وضعت أمام مدخل “بيت الكتائب” في محلة فرن الشباك.
وفي 15 نيسان 1987 مثل طليس جريمة اغتيال الملحق العسكري الفرنسي، وفي 16 تشرين الأول 1990 بعد سقوط حكومة الرئيس ميشال عون هرب من السجن ليعاد القبض عليه عام 1993، وفي 13 نيسان 1994، أصدرت المحكمة العسكرية برئاسة العميد عبد الحميد خربطلي حكمها بإعدام طليس وخفضت العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤبدة عملاً بقانون العفو العام، كما أصدرت حكمًا غيابيًا بالأشغال الشاقة المؤبدة بحق المفتش الثالث بالأمن العام منذر حسن رمال، وأعلن المحكوم عليه بحضور محاميه النائب السابق في كتلة “الوفاء للمقاومة” نزيه منصور أنه “عسكري” يعمل مع المقاومة الإسلامية ضد العدو الإسرائيلي، وكلّف بالقيام بهذه المهمة ونفذ ما كلّف به، وقال: “لقد أعطاني الحاج حسين هذه المهمة التي تقضي بأن أقتل أي شخص فرنسي”. وفي 24 تشرين الأول 1996 ثبتت محكمة التمييز العسكرية برئاسة الرئيس أمين نصار عقوبة السجن مدى الحياة في الأشغال الشاقة للعريف طليس واعتبارها مستثناة من قانون العفو العام باعتبار أن المغدور دبلوماسي.
وفي 24 شباط 1998، وعلى سجية أفلام الحركة السينمائية، وبخطة مدروسة بدقة، قام ثلاثة مسلحين بتسهيل فرار طليس من مستشفى بحنس بعد قيامهم بتخدير رجل الأمن المولج حراسته برش مادة “سبراي” مخدرة على وجهه بعدما انتحلوا صفة عناصر جهاز أمن دولة، وأثبت التحقيق الذي تولاه القاضي نصري لحود، أن ثمة توصيات كثيرة من مسؤولين كانت تطالب بالاهتمام بطليس، وأنه كان يستقبل عددًا كبيرًا من أقاربه وأصحابه في المستشفى، دون الحصول على إذن من النيابة العامة وخارج دوام المقابلات، وشاءت الصدف أن يهرب طليس في نفس اليوم الذي كان فيه المحقق العدلي جورج غنطوس سيقوم باستجوابه في قضية تفخيخ سيارة وتفجيرها في محلة “الفيات” في كورنيش النهر بقصد اغتيال الرئيس كميل شمعون.
انتهت رحلة طليس بالهروب والإفلات من العقاب شأنها شأن معظم قضايا الاغتيال في لبنان، التي تنتهي، إما بحكم قضائي واختفاء للفاعل، وإما قضايا تنام في أدرج العدالة دون أوراق أو في سبات عميق… على أمل أن تأتي أيام تظهر فيها العدالة وتطبق وتنفذ.
ملفات “الحزب” في المحكمة العسكرية خلايا القتل: من الاغتيال إلى الهرب

خلال الأيام والأسابيع الماضية عاد إلى العلن الحديث عما عرف بوحدة الاغتيال في “حزب الله” الوحدة 121. لا شك أن الحديث عن “حزب الله” والاغتيالات يعيدنا إلى ذاكرة مليئة بالشخصيات المغتالة، إن من الشخصيات والمفكرين الشيعة اللبنانيين من موسى شعب إلى حسين مروة، مهدي عامل، وصولًا إلى لقمان سليم، أو من خلال الاغتيالات التي طالت العسكريين اللبنانيين وليس آخرها الطيار سامر حنا، إضافة إلى الشخصيات اللبنانية السياسية من رفيق الحريري وصولًا إلى الياس الحصروني وغيرهم ممن كانوا ضحية هذا الجهاز المنظم الذي أنشئ مع انطلاقة ما يعرف بـ “حزب الله” في لبنان، وحاضنه نظام الملالي في إيران وحرسه الثوري.
ورغم معرفة الجميع الجاني، لم تصل معظم هذه القضايا إلى معرفة الجناة والوصول إلى العدالة، وبقي الفاعل مبهمًا قانونيًا. وإذا كانت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان قد أدانت عناصر في “حزب الله” باغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري دون القدرة على جلب القتلة وتنفيذ حكم العدالة، فإن القضاء اللبناني قد حكم في التسعينات على خلية لـ “حزب الله” في قضية اغتيال الملحق العسكري الفرنسي كريستيان غوتيير، فقد حكمت المحكمة العسكرية اللبنانية بإدانة عريف في الجيش اللبناني يعمل ضمن خلية اغتيال لـ “حزب الله” في قضية اغتيال الملحق العسكري الفرنسي بالمؤبد، ولعل هذه القضية تثبت بشكل واضح انخراط “الحزب” في عمليات الاغتيال والتفجير ومحاولات الاغتيال في لبنان خلال الحرب الأهلية ولا سيما في ما عرف آنذاك بـ “المنطقة الشرقية”.
من الاغتيال إلى الهرب
استنادًا إلى الوثائق والمعلومات الأرشيفية المتوفرة في قاعدة بيانات “ديوان الذاكرة اللبنانية” التي قامت بتأسيسها “أمم للتوثيق والأبحاث” عام 2008، تبدأ السردية بتاريخ 20 أيلول 1986 حيث ورد في صحيفة العهد الناطقة باسم “حزب الله” خبر اغتيال الملحق العسكري الفرنسي كريستيان غوتيير أمام السفارة الفرنسية في محلة الحازمية مار تقلا، وبعد عرض طريقة الاغتيال بشكل تفصيلي، تمت الإشارة إلى أن “المنطقة التي اغتيل فيها الملحق العسكري الفرنسي تقع تحت سلطة القوى العسكرية التابعة لأمين الجميل، والتي تخوض صراع نفوذ مع القوى التابعة لسمير جعجع، وتتخلل هذا الصراع أعمال عنف تتراوح بين اغتيالات ودس عبوات ناسفة وسيارات مفخخة”.
لم تكن هذه الإشارة التي توجه الاتهام إلى القوات اللبنانية إلا إشعارًا بما ستقوم به جماعة هذه الصحيفة خلال تلك الفترة من تفجيرات ومحاولات اغتيال واغتيالات تظهّرت بعد 6 شباط 1987 بعد إلقاء جهاز المكافحة في الجيش اللبناني القبض على العريف حسين مصطفى طليس في الحازمية بعد تفتيش سيارته التي كان فيها متفجرات، وتبين من التحقيق أن طليس وشركاءه قاموا باغتيال الملحق العسكري الفرنسي بالإضافة إلى العديد من العمليات التفجيرية في ما كان يعرف بـ “بيروت الشرقية” منها تفجير سيارات مفخخة ومحاولة اغتيال الرئيس كميل شمعون، وورد في محاضر التحقيق كما نشرتها إحدى الدوريات المحلية في عام 1989 تفاصيل تلك التفجيرات والعمليات، وورد في التحقيق أن طليس ينتمي إلى جماعة “حزب الله” منذ أواخر 1982، وأنه بعد صقله على الصعيدين الديني والسياسي في البقاع، تم إرساله إلى الحاج مهدي شحادة الذي عرّفه إلى الحاج حسين رمال الذي بدأ مع حسين بأولى عملياته في المنطقة الشرقية، وكانت المتفجرات التي وضعت أمام مدخل “بيت الكتائب” في محلة فرن الشباك.
وفي 15 نيسان 1987 مثل طليس جريمة اغتيال الملحق العسكري الفرنسي، وفي 16 تشرين الأول 1990 بعد سقوط حكومة الرئيس ميشال عون هرب من السجن ليعاد القبض عليه عام 1993، وفي 13 نيسان 1994، أصدرت المحكمة العسكرية برئاسة العميد عبد الحميد خربطلي حكمها بإعدام طليس وخفضت العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤبدة عملاً بقانون العفو العام، كما أصدرت حكمًا غيابيًا بالأشغال الشاقة المؤبدة بحق المفتش الثالث بالأمن العام منذر حسن رمال، وأعلن المحكوم عليه بحضور محاميه النائب السابق في كتلة “الوفاء للمقاومة” نزيه منصور أنه “عسكري” يعمل مع المقاومة الإسلامية ضد العدو الإسرائيلي، وكلّف بالقيام بهذه المهمة ونفذ ما كلّف به، وقال: “لقد أعطاني الحاج حسين هذه المهمة التي تقضي بأن أقتل أي شخص فرنسي”. وفي 24 تشرين الأول 1996 ثبتت محكمة التمييز العسكرية برئاسة الرئيس أمين نصار عقوبة السجن مدى الحياة في الأشغال الشاقة للعريف طليس واعتبارها مستثناة من قانون العفو العام باعتبار أن المغدور دبلوماسي.
وفي 24 شباط 1998، وعلى سجية أفلام الحركة السينمائية، وبخطة مدروسة بدقة، قام ثلاثة مسلحين بتسهيل فرار طليس من مستشفى بحنس بعد قيامهم بتخدير رجل الأمن المولج حراسته برش مادة “سبراي” مخدرة على وجهه بعدما انتحلوا صفة عناصر جهاز أمن دولة، وأثبت التحقيق الذي تولاه القاضي نصري لحود، أن ثمة توصيات كثيرة من مسؤولين كانت تطالب بالاهتمام بطليس، وأنه كان يستقبل عددًا كبيرًا من أقاربه وأصحابه في المستشفى، دون الحصول على إذن من النيابة العامة وخارج دوام المقابلات، وشاءت الصدف أن يهرب طليس في نفس اليوم الذي كان فيه المحقق العدلي جورج غنطوس سيقوم باستجوابه في قضية تفخيخ سيارة وتفجيرها في محلة “الفيات” في كورنيش النهر بقصد اغتيال الرئيس كميل شمعون.
انتهت رحلة طليس بالهروب والإفلات من العقاب شأنها شأن معظم قضايا الاغتيال في لبنان، التي تنتهي، إما بحكم قضائي واختفاء للفاعل، وإما قضايا تنام في أدرج العدالة دون أوراق أو في سبات عميق… على أمل أن تأتي أيام تظهر فيها العدالة وتطبق وتنفذ.











