حين يصبح “التحالف الانتخابي” كذبة سياسية: سقوط القيم قبل سقوط الشعارات

يحاول اليوم طلاب جامعة رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، قبيل الانتخابات النيابية في أيار، تسويق مقولة خطيرة ومضلِّلة: “التحالف الانتخابي ليس تحالفًا سياسيًا”. مقولة تُستخدم كغطاء مسبق لتبرير أي صفقة انتخابية قد تُعقد، ولو كانت مع حزب الله، بعد إعلان “عميد الجامعة” فكّ “التفاهم السياسي”.
حزب الله نفسه الحزب الذي قرّرت الحكومة اللبنانية في 5 آب حصرية سلاحه الذي ما زال حتى اليوم يكابر ويعاند في تسليمه بانتظار تعليمات وأوامر جديدة من إيران وربّما حاجتها إلى دعمه عسكريًّا في حال لم تصل الجولة الجديدة من المفاوضات بين واشنطن وطهران إلى ما يريده “ترامب الملك” .
وكأنّ السياسة تُفصَل فجأة عن صناديق الاقتراع، وكأنّ الوصول إلى المجلس النيابي يمكن أن يتم بلا مشروع، وبلا مسؤولية، وبلا محاسبة.
المفارقة أنّ من يروّج لهذه الذريعة هو جبران باسيل نفسه. الرجل الذي احتاج قرابة عقدين منذ شباط 2006 ليكتشف “متأخرًا” ما كان واضحًا لكثيرين منذ البداية: أن حزب الله ليس حركة مقاومة لبنانية خالصة تدافع عن الدولة، بل تنظيم عابر للحدود يحمل مشروعًا إقليميًا. اكتشف باسيل ذلك اليوم، لا في لحظة قوّة الحزب، بل في لحظة ضعفه، بعد حرب الإسناد لغزة. وهذا ليس ذكاءً سياسيًا، بل “خارقية في التذاكي”.
لم يكتشف باسيل الحقيقة يوم كان الحزب يقاتل في اليمن، ولا حين نشر خلاياه الإرهابية في الكويت، ولا عندما هاجم السعودية وسائر الدول الصديقة للبنان. بل على العكس، من موقعه في وزارة الخارجية، وفّر له الغطاء السياسي والشرعي لتصريحات وأعمال لا شرعية، فكان الثمن عزل لبنان عن محيطه العربي والدولي، وتبديد ما تبقى من ثقة العالم بدولتنا.
ولم يرَ باسيل “الدويلة داخل الدولة” حين كان الحزب يساند المجرم بشار الأسد “مجرم صيدنايا” إبن مجرم أشدّ وحشيًّةً أغرق مدنًا وقرىً لبنانية مثل زحلة والأشرفية وطرابلس وشكا في دوامة العنف والموت والدمار. لم يرها حين كانت إيران توسّع نفوذها في المنطقة، ولا حين كان الحزب يصادم السعودية، ولا عندما كانت مصالح لبنان تُحرق تباعًا باسم “محور الممانعة”.
واليوم، بعدما أعلن فكّ التفاهم السياسي، يُحضِّر الأرضية لتحالف انتخابي! وهنا السؤال الجوهري: إذا كان المشروعان متناقضين “مشروع دولة وسيادة مقابل مشروع دويلة تخدم مصالح إيران” فكيف يُشرِّع حزب لنفسه التحالف للوصول إلى المجلس التشريعي، ويُدخل معه “حليفًا انتخابيًا” إلى المجلس نفسه يتعارض معه بالمشروع الكبير؟ فهل يوصله حزب الله ليعارض مشرعه؟ أم يوصل التيار “حزب الله” حتى “ما يخلّيه” من جديد تنفيذ مشروعه، لو كان فعلًا مشروع بناء دولة لا بناء مستقبل سياسي!
أي منطق هذا؟ وأي أخلاق سياسية تبيح جمع النقيضين تحت شعار “ضرورات المعركة”؟
هذا هو سقوط التيار في امتحان القيم. لأن من يدّعي بناء دولة لا يمكنه أن يساوم على أسسها. ومن يرفع شعار السيادة لا يوقّع اتفاقات انتخابية مع من صادر السلاح والقرار. ومن يتغنّى بالإصلاح لا يتحالف مع منظومة عطّلت القضاء، وغطّت الفساد، وشرّعت الانهيار وهو جزءًا أساسيًّا منها وعلى ما يبدو وبحسب تصريحات النائب في التيار الوطني الحر، و “نائبة” كسروان، كسروان القيم والمبادئ والأخلاق والوطنية الثائرة، أعلنت ندى البستاني بأنه يحقّ للتيار التحالف مع من شاء، مردّدة مقولة “مصلحة التيار فوق كل اعتبار”.
لا سعادتِك، سعادة تيّارك لن تُبنى هذه المرّة على تعاسة اللبنانيين، فالسياسة المسؤولة تلك التي تحدد مصير الشعوب تحتاج إلى منظومة قيم واضحة، منها:
الوضوح والصدق مع الناس: لا ازدواجية خطاب بين “نرفض سياسيًا” و”نتحالف انتخابيًا”.
ثبات الموقف: المبادئ لا تتبدّل حسب موازين القوى.
السيادة: لا دولة مع سلاح خارج الشرعية.
المحاسبة: لا حماية للفاسدين ولا تمييع للجرائم.
الشفافية: التحالفات تُعلن بأسبابها الحقيقية، لا تُلفّ بالشعارات.
احترام عقول الناخبين: لا استغباء ولا تلاعب بالمصطلحات.
والتيار، للأسف، لم ينجح في أيٍّ من هذه الاختبارات. بدّل مواقفه، غطّى السلاح، ساهم في عزل لبنان، ثم عاد ليطلب من الناس تصديق رواية جديدة: أن التحالف الانتخابي “تقني” ولا علاقة له بالمشروع السياسي!
إلى الشباب اللبناني الناخب: لا تنخدعوا. كل تحالف انتخابي هو تحالف سياسي، لأنه ينتج سلطة، ويمنح شرعية، ويرسم سياسات الغد. والصوت الذي يُعطى اليوم تحت ذريعة “الضرورة” قد يتحوّل غدًا إلى شريك في تكريس الدويلة، وتعميق الانهيار.
الدولة لا تُبنى بالمناورات، والسيادة لا تُستعاد بالصفقات، والكرامة الوطنية لا تُجزَّأ بين موسم انتخابي وخطاب إعلامي. من يريد دولة حقًا، يبدأ من القيم لا من الحسابات.
حين يصبح “التحالف الانتخابي” كذبة سياسية: سقوط القيم قبل سقوط الشعارات

يحاول اليوم طلاب جامعة رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، قبيل الانتخابات النيابية في أيار، تسويق مقولة خطيرة ومضلِّلة: “التحالف الانتخابي ليس تحالفًا سياسيًا”. مقولة تُستخدم كغطاء مسبق لتبرير أي صفقة انتخابية قد تُعقد، ولو كانت مع حزب الله، بعد إعلان “عميد الجامعة” فكّ “التفاهم السياسي”.
حزب الله نفسه الحزب الذي قرّرت الحكومة اللبنانية في 5 آب حصرية سلاحه الذي ما زال حتى اليوم يكابر ويعاند في تسليمه بانتظار تعليمات وأوامر جديدة من إيران وربّما حاجتها إلى دعمه عسكريًّا في حال لم تصل الجولة الجديدة من المفاوضات بين واشنطن وطهران إلى ما يريده “ترامب الملك” .
وكأنّ السياسة تُفصَل فجأة عن صناديق الاقتراع، وكأنّ الوصول إلى المجلس النيابي يمكن أن يتم بلا مشروع، وبلا مسؤولية، وبلا محاسبة.
المفارقة أنّ من يروّج لهذه الذريعة هو جبران باسيل نفسه. الرجل الذي احتاج قرابة عقدين منذ شباط 2006 ليكتشف “متأخرًا” ما كان واضحًا لكثيرين منذ البداية: أن حزب الله ليس حركة مقاومة لبنانية خالصة تدافع عن الدولة، بل تنظيم عابر للحدود يحمل مشروعًا إقليميًا. اكتشف باسيل ذلك اليوم، لا في لحظة قوّة الحزب، بل في لحظة ضعفه، بعد حرب الإسناد لغزة. وهذا ليس ذكاءً سياسيًا، بل “خارقية في التذاكي”.
لم يكتشف باسيل الحقيقة يوم كان الحزب يقاتل في اليمن، ولا حين نشر خلاياه الإرهابية في الكويت، ولا عندما هاجم السعودية وسائر الدول الصديقة للبنان. بل على العكس، من موقعه في وزارة الخارجية، وفّر له الغطاء السياسي والشرعي لتصريحات وأعمال لا شرعية، فكان الثمن عزل لبنان عن محيطه العربي والدولي، وتبديد ما تبقى من ثقة العالم بدولتنا.
ولم يرَ باسيل “الدويلة داخل الدولة” حين كان الحزب يساند المجرم بشار الأسد “مجرم صيدنايا” إبن مجرم أشدّ وحشيًّةً أغرق مدنًا وقرىً لبنانية مثل زحلة والأشرفية وطرابلس وشكا في دوامة العنف والموت والدمار. لم يرها حين كانت إيران توسّع نفوذها في المنطقة، ولا حين كان الحزب يصادم السعودية، ولا عندما كانت مصالح لبنان تُحرق تباعًا باسم “محور الممانعة”.
واليوم، بعدما أعلن فكّ التفاهم السياسي، يُحضِّر الأرضية لتحالف انتخابي! وهنا السؤال الجوهري: إذا كان المشروعان متناقضين “مشروع دولة وسيادة مقابل مشروع دويلة تخدم مصالح إيران” فكيف يُشرِّع حزب لنفسه التحالف للوصول إلى المجلس التشريعي، ويُدخل معه “حليفًا انتخابيًا” إلى المجلس نفسه يتعارض معه بالمشروع الكبير؟ فهل يوصله حزب الله ليعارض مشرعه؟ أم يوصل التيار “حزب الله” حتى “ما يخلّيه” من جديد تنفيذ مشروعه، لو كان فعلًا مشروع بناء دولة لا بناء مستقبل سياسي!
أي منطق هذا؟ وأي أخلاق سياسية تبيح جمع النقيضين تحت شعار “ضرورات المعركة”؟
هذا هو سقوط التيار في امتحان القيم. لأن من يدّعي بناء دولة لا يمكنه أن يساوم على أسسها. ومن يرفع شعار السيادة لا يوقّع اتفاقات انتخابية مع من صادر السلاح والقرار. ومن يتغنّى بالإصلاح لا يتحالف مع منظومة عطّلت القضاء، وغطّت الفساد، وشرّعت الانهيار وهو جزءًا أساسيًّا منها وعلى ما يبدو وبحسب تصريحات النائب في التيار الوطني الحر، و “نائبة” كسروان، كسروان القيم والمبادئ والأخلاق والوطنية الثائرة، أعلنت ندى البستاني بأنه يحقّ للتيار التحالف مع من شاء، مردّدة مقولة “مصلحة التيار فوق كل اعتبار”.
لا سعادتِك، سعادة تيّارك لن تُبنى هذه المرّة على تعاسة اللبنانيين، فالسياسة المسؤولة تلك التي تحدد مصير الشعوب تحتاج إلى منظومة قيم واضحة، منها:
الوضوح والصدق مع الناس: لا ازدواجية خطاب بين “نرفض سياسيًا” و”نتحالف انتخابيًا”.
ثبات الموقف: المبادئ لا تتبدّل حسب موازين القوى.
السيادة: لا دولة مع سلاح خارج الشرعية.
المحاسبة: لا حماية للفاسدين ولا تمييع للجرائم.
الشفافية: التحالفات تُعلن بأسبابها الحقيقية، لا تُلفّ بالشعارات.
احترام عقول الناخبين: لا استغباء ولا تلاعب بالمصطلحات.
والتيار، للأسف، لم ينجح في أيٍّ من هذه الاختبارات. بدّل مواقفه، غطّى السلاح، ساهم في عزل لبنان، ثم عاد ليطلب من الناس تصديق رواية جديدة: أن التحالف الانتخابي “تقني” ولا علاقة له بالمشروع السياسي!
إلى الشباب اللبناني الناخب: لا تنخدعوا. كل تحالف انتخابي هو تحالف سياسي، لأنه ينتج سلطة، ويمنح شرعية، ويرسم سياسات الغد. والصوت الذي يُعطى اليوم تحت ذريعة “الضرورة” قد يتحوّل غدًا إلى شريك في تكريس الدويلة، وتعميق الانهيار.
الدولة لا تُبنى بالمناورات، والسيادة لا تُستعاد بالصفقات، والكرامة الوطنية لا تُجزَّأ بين موسم انتخابي وخطاب إعلامي. من يريد دولة حقًا، يبدأ من القيم لا من الحسابات.










