تفاصيل سلسلة اغتيالات شهدتها بيروت وطالت رينيه معوض وداني شمعون وإيلي حبيقة

الكاتب: طوني بولس | المصدر: اندبندنت عربية
15 شباط 2026

في الجزء الثاني من هذه السلسلة ندخل في عمق وتفاصيل سلسلة اغتيالات جديدة شهدتها بيروت وطالت رينيه معوض وداني شمعون وإيلي حبيقة

بعد أعوام طويلة ودموية من الحرب التي خلفت عشرات آلاف القتلى والجرحى، أتى اتفاق الطائف الذي عقد في مدينة الطائف في السعودية عام 1989 بين الفرقاء اللبنانيين، لينهي فصول هذه المرحلة السوداء من تاريخ لبنان، وقد رسخ هذا الاتفاق تعديلات دستورية وتفاهمات أنهت الحرب، ونص على إصلاحات بينها إعادة انتشار ثم انسحاب القوات السورية من لبنان خلال عامين، لكن على الأرض، بقي للجيش السوري وجود كثيف (نحو 40 ألف جندي) منذ تدخله عام 1976، وسط واقع “وصاية” فرض فيه نفوذه العسكري والسياسي.

في الجزء الأول من سلسلة “عدالة مؤجلة بين سوريا الأسد ولبنان”، استعرضنا في مقال مطول الاغتيالات التي شهدها لبنان خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) والتي اتهم النظام السوري السابق برئاسة حافظ الأسد بالوقوف وراءها، على رغم عدم وجود أي تحقيق قضائي يؤكد هذا الاتهام، وهنا الحديث عن اغتيال زعيم الدروز في لبنان كمال جنبلاط عام 1977، والرئيس المنتخب حديثاً في حينها بشير الجميل عام 1982 ومفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ خالد عام 1989.

في الجزء الثاني من هذه السلسلة ندخل في عمق وتفاصيل سلسلة اغتيالات جديدة شهدها لبنان بعد تلك المرحلة، وتحديداً مرحلة إنهاء الحرب والأعوام التي تلت، وهنا مرة جديدة وجهت أصابع الاتهام لدمشق، التي بقيت حاضرة عسكرياً على الأراضي اللبنانية على رغم انتهاء الاقتتال الداخلي بين الفرقاء اللبنانيين.

بعد أعوام طويلة ودموية من الحرب التي خلفت عشرات آلاف القتلى والجرحى، أتى اتفاق الطائف الذي عقد في مدينة الطائف في السعودية عام 1989 بين الفرقاء اللبنانيين، لينهي فصول هذه المرحلة السوداء من تاريخ لبنان، وقد رسخ هذا الاتفاق تعديلات دستورية وتفاهمات أنهت الحرب، ونص على إصلاحات بينها إعادة انتشار ثم انسحاب القوات السورية من لبنان خلال عامين، لكن على الأرض، بقي للجيش السوري وجود كثيف (نحو 40 ألف جندي) منذ تدخله عام 1976، وسط واقع “وصاية” فرض فيه نفوذه العسكري والسياسي.

اغتيال الرئيس رينيه معوض: انقلاب على الطائف؟

في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) 1989 عقد النواب جلسة انتخاب رئيس الجمهورية في مطار القليعات العسكري شمال البلاد، جاء اختيار رينيه معوض كحل توافقي مدعوم عربياً ودولياً، فنال 52 صوتاً بعد انسحاب المنافسين، رفض قائد الجيش ورئيس الحكومة العسكرية العماد ميشال عون الاعتراف بشرعية انتخاب معوض، بدورها رحبت دمشق بانتخاب معوض واعتبرته حليفاً معتدلاً، إلا أن بين الطرفين سرعان ما شاب التوتر.

معوض كان أحد أركان اتفاق الطائف ويتمتع بعلاقات جيدة مع مختلف الأطراف، لكن تمسكه بالثوابت السيادية أثار حفيظة دمشق. فور انتخابه بدأت مشاورات تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة سليم الحص. وخلال وجوده في مسقط رأسه إهدن لتقبل التهاني، زاره وفد سوري رفيع برئاسة نائب الرئيس السوري عبدالحليم خدام لتهنئته وبحث تشكيل الحكومة، وهنا يكشف من عايشوا تلك المرحلة، وبعضهم كان حاضراً في إهدن، أن خدام أصر على تضمين شخصيات موالية لسوريا في الحكومة الجديدة، لكن معوض رفض تشكيل حكومة بـ”إملاءات”، مكتفياً بالتعهد بعدم تعيين وزراء معادين لسوريا. وتكشف تقارير صحافية نشرت في حينها أن أكثر ما استفز دمشق هو مطالبة معوض الوفد السوري بالبدء في تنفيذ البند السيادي من اتفاق الطائف عبر إعادة انتشار الجيش السوري إلى البقاع كخطوة أولى تمهيداً لانسحابه، لكن دمشق رفضت مطلب الانسحاب المحدود هذا بصورة قاطعة.

وبحسب رواية نجله النائب ميشال معوض، فإن تلك الجلسة العاصفة في بلدة إهدن، التي استمرت ساعات وخرج منها خدام ووجهه “مسود” (دلالة غضب كبير)، كانت السبب المباشر الذي عجل باغتيال والده.

انتقل معوض إلى بيروت بعد أيام من انتخابه، واتخذ مقراً موقتاً للرئاسة داخل مبنى يقع في منطقة الرملة البيضاء، وهو مبنى ملاصق لفندق البوريفاج الذي كان مقراً للاستخبارات السورية. وعلى رغم اتخاذ تدابير أمنية عاجلة، شعر الجميع بأن حياة الرئيس مهددة. زاره في مقره الموقت قائد جهاز الاستخبارات السورية في لبنان، العميد غازي كنعان، عارضاً مشاركة الاستخبارات السورية في أمن مواكبه وحمايته. هذه الخطوة وإن قدمت تحت عنوان التنسيق الأمني، إلا أنها أثارت الريبة في نفوس المقربين من معوض، بخاصة أن جهاز كنعان كان يهيمن فعلياً على مفاصل الأمن في بيروت الغربية.

الاغتيال يوم الاستقلال

صباح عيد الاستقلال، الذي ناله لبنان في الـ22 من نوفمبر 1943 أصر الرئيس الجديد على المشاركة في الاحتفال الرسمي على رغم تحذيرات أمنية. توجه إلى السراي الحكومي الصغير في محلة الصنائع ببيروت لحضور حفل الاستقبال التقليدي للمناسبة، حيث كان إلى جانبه رئيس مجلس النواب حسين الحسيني ورئيس الحكومة المكلف سليم الحص. انتهى الاحتفال قرابة الظهر، واستقل معوض سيارة كاديلاك مصفحة ضمن موكبه للعودة إلى مقر الرئاسة الموقت.

على الطريق في منطقة الصنائع، دوى انفجار هائل عند الساعة 12:55 ظهراً، كانت عبوة ناسفة شديدة الانفجار زرعت خلف سور مدرسة قريبة تم تفجيرها لحظة مرور الموكب. قوة الانفجار قذفت سيارة الرئيس المصفحة أمتاراً عدة في الهواء، فهوت كتلة من الركام المعدني لتحيل من بداخلها أشلاء، قتل معوض على الفور مع سبعة من مرافقيه في الأقل، إضافة إلى عدد من المدنيين.

التحقيقات الميدانية الأولية التي أجرتها الأجهزة الأمنية اللبنانية لم تعلن نتائج قاطعة، إذ لم تلبث التحقيقات أن توقفت سريعاً، وحفظت القضية ضد مجهول. يؤكد مقربون وعائلة الرئيس أنه لم يدون أي محضر فعلي في سجلات القضاء في شأن اغتياله طوال فترة الوصاية السورية.

حتى نجله النائب ميشال معوض صرح بأن ملف الاغتيال في القضاء لا يحوي سوى شهادة الوفاة، في إشارة واضحة إلى طمس متعمد للحقيقة.

اغتيال “الطائف”

منذ اللحظات الأولى لاغتيال معوض انطلقت موجة تكهنات حول الجهة المنفذة ومن يقف وراءها، وسريعاً ظهر احتمال تورط دمشق في أذهان كثيرين، فمعوض اغتيل بعد خلافه العلني مع دمشق حول تشكيل الحكومة ووجود الجيش السوري، مما جعل بعض اللبنانيين يعتبره “اغتيالاً لاتفاق الطائف نفسه”.

أيضاً، تشير مراسلات بريطانية سرية (نشرت تفاصيلها “اندبندنت عربية” عام 2023) إلى أن العماد ميشال عون نفسه كان مقتنعاً بأن السوريين هم المسؤولون عن قتل معوض، واعتبر البريطانيون أنه بالنظر إلى طبيعة العملية الاحترافية يصعب دحض الادعاء بأن منظمة تمتلك إمكانات جهاز استخبارات دولة هي وحدها القادرة على تنفيذ عملية بهذه الدرجة من الدقة.

وما يعزز من هذا الرأي، أن الاستخبارات السورية كانت عملياً تشرف على أمن المنطقة التي وقع فيها التفجير، مما دفع كثيرين إلى التساؤل “كيف أمكن لشحنة متفجرات هائلة كهذه أن تزرع وتنفجر في قلب بيروت من دون علم ورقابة الاستخبارات السورية التي كانت تسيطر على المنطقة؟”

شهادات وتقارير موثقة

الأدلة المباشرة على تورط دمشق ظهرت تدريجاً عبر شهادات وتقارير موثقة، من أبرزها رواية الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي، الذي كشف في مقابلة صحافية عام 1996 أنه التقى الرئيس معوض بعد انتخابه وحذره من محاولة اغتيال وشيكة. وذكر (حاوي) أن صديقاً للحزب الشيوعي داخل الجيش اللبناني أبلغه بأنه كلف من جهات عسكرية باغتيال معوض، وقد قام حاوي بإطلاع الرئيس معوض فوراً، بحضور كريم مروة (قيادي شيوعي) والعقيد طنوس معوض (رئيس فريق حرس الرئيس)، وبالفعل تم تعديل بعض الترتيبات الأمنية حينها لإحباط تلك المحاولة.

شهادة أخرى بالغة الأهمية قدمها القيادي اليساري إلياس عطاالله (عايش تلك الفترة من قرب)، وفيها يروي تفاصيل دور ضابط الاستخبارات السوري جامع جامع في عملية الاغتيال، نقلاً عن شهود عيان. ويقول إن جامع كان ضابطاً في الاستخبارات السورية يعمل تحت إمرة غازي كنعان، ونشط في بيروت خلال تلك الحقبة، مضيفاً “حاول السوريون بداية اغتيال معوض بأسلوب ماكر قبل تفجير الـ22 من نوفمبر، إذ طلبوا من مسؤول حزبي شمالي موال لهم ترشيح أحد الجنود اللبنانيين لإلحاقه بحرس الرئيس، وزودوه بمتفجرة صغيرة يلصقها بملابس معوض أثناء وجوده بقربه”، لكن أحد الشهود كشف تلك المحاولة فأبلغ عطاالله بدوره الرئيس معوض، مما أدى إلى إفشال المخطط الأول.

ينقل عطاالله عن شاهدين أنه صبيحة يوم الاغتيال، صعد الضابط جامع إلى سطح مبنى مطل على موقع مرور الموكب ومعه جهاز تحكم، وعندما اقتربت سيارة الرئيس ضغط زر التفجير لتنفيذ العملية، كذلك أشار إلى أن شخصين ألقيا قنبلتين يدويتين من تلك البناية لتشتيت المرافقين قبل لحظات من التفجير.

بعد اغتيال رينيه معوض، تم انتخاب إلياس الهراوي رئيساً، وكشف الأخير في مذكراته أن انتخابه رئيساً بعد يومين من الاغتيال جاء بطلب مباشر من حافظ الأسد.

تحقيقات مغيبة

لم يعرف لبنان حقيقة من قتل رينيه معوض حتى اليوم بصورة رسمية، والتحقيقات لم تتقدم قيد أنملة خلال عهد الهيمنة السورية (1990-2005). يقول رئيس مجلس النواب آنذاك حسين الحسيني إن السلطات اللبنانية “لم تعط أي إشارة أو ملف قضائي” في شأن القضية.

وتشير الوقائع إلى أن القضاء اللبناني لم يصدر أي قرار اتهامي، ولم يستدع أحداً للتحقيق، ولم يحل الملف إلى المجلس العدلي، وبذلك أضيفت قضية معوض إلى سلسلة طويلة من الاغتيالات السياسية التي قيدت ضد مجهول في زمن الوصاية السورية، ضمن ثقافة الإفلات من العقاب.

بعد الانسحاب السوري عام 2005، تنفس آل معوض ومعهم شريحة واسعة من اللبنانيين الصعداء أملاً بإحياء القضية. بالفعل، رفعت زوجته نائلة معوض الصوت واتهمت صراحة الاستخبارات السورية باغتيال زوجها بدافع انتقام سياسي، وقالت في أحد تصريحاتها إن رينيه قتل لأنه “رفض أن ينصاع للإرادة السورية ولانتهاك سيادة لبنان”.

اغتيال داني شمعون: جريمة أنهت زعامة وأشعلت جدلاً

في فجر الـ21 من أكتوبر (تشرين الأول) 1990 اهتز لبنان على وقع جريمة مروعة أنهت حياة نجل الرئيس السابق كميل شمعون، رئيس حزب الوطنيين الأحرار داني شمعون، عندما اقتحم مسلحون منزله وأردوه قتيلاً مع زوجته وطفليه الصغيرين، في نهاية الحرب الأهلية اللبنانية.

وفي ذلك الوقت، فض العماد ميشال عون، الذي عينه الرئيس أمين الجميل رئيساً لحكومة انتقالية عام 1988، اتفاق الطائف ورفع لواء “حرب التحرير” ضد الوجود السوري. التف حول عون عدد من القيادات الوطنية الرافضة للهيمنة السورية، من أبرزهم داني شمعون الذي تحالف معه في تلك الفترة الحرجة.

داني شمعون (56 سنة عند اغتياله) لم يكن سياسياً عادياً، بل سليل واحدة من أبرز العائلات السياسية اللبنانية، فهو الابن الأصغر للرئيس السابق كميل شمعون (رئيس الجمهورية 1952–1958) الذي اشتهر بمواقفه الرافضة للتدخلات الخارجية وبخاصة النفوذ الناصري والسوري. ترأس داني حزب الوطنيين الأحرار خلفاً لوالده وقاد ما عرف حينها بميليشيات “النمور” التابعة للحزب في بداية الحرب. أدى دوراً أساساً ضمن تحالف “الجبهة اللبنانية” الذي ضم قيادات مسيحية بارزة في أعوام الحرب، لكنه دفع ثمن طموحه السياسي مبكراً في اصطدامه عام 1980 بخصمه بشير الجميل، ثم عاد داني إلى الواجهة أواخر الثمانينيات كأحد رموز المعارضة المسيحية للوصاية السورية.

بحلول خريف 1990 كانت موازين القوى تميل لمصلحة النظام السوري وحلفائه في لبنان، واجتاحت القوات السورية بموافقة دولية منطقة نفوذ عون وأطاحت حكومته العسكرية، وتكبد أنصار الأخير خسائر فادحة، ووجد داني شمعون نفسه في وضع بالغ الخطورة، فقد سقط آخر معقل رسمي (داخل الدولة) معارض لسوريا، وأصبح داني أبرز زعيم مسيحي مدني يمكن أن يرث جمهور عون ويقود النهج الرافض للهيمنة السورية. هذا الواقع جعله هدفاً محتملاً، بخاصة أنه لم يبد أي استعداد للتسليم بالأمر الواقع أو مهادنة السوريين.

وتفاقم الخطر الأمني حول شمعون مع سلسلة إجراءات أثارت الريبة، إذ سحب عناصر الجيش اللبناني الذين كانوا يؤمنون حراسة منزله بقرار من قائد الجيش آنذاك العماد إميل لحود، وأقيمت حواجز للجيش السوري في محيط سكنه بصورة مفاجئة، وفق تقارير ومتابعين.

تفاصيل عملية الاغتيال

فجر الـ21 من أكتوبر 1990 استفاق اللبنانيون على جريمة مروعة، في ذلك اليوم تسللت مجموعة مسلحة بلباس عسكري رسمي إلى المبنى الذي يقطنه شمعون وعائلته في منطقة بعبدا. تمكن القتلة من دخول المبنى وشقة شمعون بهدوء ومن دون أي اقتحام عنيف للأبواب، مما يوحي بأنهم استطاعوا تخطي الحراسة، بحسب التحقيقات الرسمية كان أفراد المجموعة يرتدون زي الجيش اللبناني، وهي حيلة زادت من عنصر المباغتة.

داخل الشقة أطلق المسلحون الرصاص على داني شمعون وزوجته إنغريد عبد وولديهما الصغيرين طارق وجوليان، أصيب شمعون وزوجته أولاً وسقطا في غرفة الجلوس، ثم طارد القتلة طفليه في غرف النوم وقتلوهما.

منفذو الاغتيال غادروا المكان بسرعة ومن دون أن يتركوا وراءهم أي شهود أحياء، مما عقد التحقيقات منذ اللحظة الأولى. ومع ذلك، عثر في موقع الجريمة على أدلة جنائية معينة استند إليها المحققون لاحقاً. أبرز هذه الأدلة جهاز اتصال لا سلكي (من نوع موتورولا)، فيما بدا هذا الجهاز كأنه ترك عمداً، وكان مشابهاً لأجهزة الاتصال التي تستعملها “القوات اللبنانية” في تنسيق عملياتها، وشكل هذا اللاسلكي خيطاً أولياً موجهاً للاتهام باتجاه ميليشيات القوات.

وبالفعل، سرعان ما بدأ الهمس يدور حول احتمال ضلوع قائد “القوات اللبنانية” سمير جعجع أو مقربين منه في تصفية شمعون انتقاماً من مواقفه السياسية أو طمعاً بالانفراد بالساحة المسيحية، لكن في المقابل، رأى آخرون في وجود جهاز اللاسلكي “دليلاً فاضحاً” الغرض منه تحويل الأنظار عن الفاعل الحقيقي.

محاكمة سمير جعجع

على الفور، فتحت السلطات اللبنانية تحقيقاً نظراً إلى حساسية العملية وخطورتها، استمرت التحقيقات في اغتيال داني شمعون بوتيرة بطيئة وسرية خلال أوائل التسعينيات. لم يعتقل في البداية أي مشتبه رئيس، كما لم توجه تهمة علنية لأحد. حصل تطور مفصلي عام 1994 قلب المعادلة، ففي ذلك العام وقع انفجار كنيسة سيدة النجاة (فبراير 1994) واتهمت “القوات اللبنانية” بالضلوع فيه، وتم اعتقال جعجع وأعيد فتح ملفات قديمة ضده، كان أبرزها ملف اغتيال شمعون وعائلته.

وجه الاتهام رسمياً إلى جعجع بأنه العقل المدبر وراء الاغتيال، وجاء في قرار الاتهام أن مجموعة من عناصر القوات نفذت العملية بأوامر مباشرة منه. وقد اعتبر سمير جعجع أن الاتهام مسيس بالكامل ويهدف إلى إقصائه عن الساحة السياسية، فيما وصف فريق الدفاع القضية بأنها مفبركة بضغط من النظام الأمني السوري.

تورط النظام السوري

منذ اللحظات الأولى لجريمة اغتيال داني شمعون، تسربت إلى الكواليس السياسية فرضيات تتجاوز الرواية الرسمية، وربط كثر توقيت العملية وظروفها بمصلحة دمشق المباشرة في التخلص منه.

لقد جاءت التصفية بعد أيام فقط من دخول الجيش السوري بيروت الشرقية وإزاحة حكومة عون التي كان داني أبرز داعميها المدنيين، كذلك فإن قتل شمعون بهذه الصورة الوحشية (مع أسرته) بعث رسالة إرهاب وترهيب لبقية الشخصيات المعارضة، لذا ساد اعتقاد قوي أن “بصمات” الاستخبارات السورية حاضرة خلف الستار، لكن قلة فقط تجرأت حينها على المجاهرة بهذا الاتهام صراحة في ذلك الحين.

بعد أعوام طويلة، وتحديداً بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان عام 2005، خرجت شهادات لتتهم دمشق مباشرة.

النائب سامي الجميل (نجل الرئيس أمين الجميل) قال إن يد القوات اللبنانية ليست ضالعة في هذه الجريمة بل يد نظام الوصاية التي أرادت قمع كل صوت حر، فيما صرح النائب والوزير السابق مروان حمادة بأن “داني شمعون قتل لأنه رفض الانصياع للإملاءات السورية”.

ومن أبرز الذين أشاروا علناً لتورط سوريا في هذه العملية، الزعيم الدرزي وليد جنبلاط بعد معارضته لدمشق إثر اغتيال رفيق الحريري، إذ قال عام 2005 “النظام السوري مسؤول عن كل الاغتيالات في لبنان من كمال جنبلاط إلى رينيه معوض إلى داني شمعون”.

ومن الأصوات العربية البارزة التي تناولت القضية الصحافي السوري المعارض نبيل الملحم الذي كتب مقالة بعنوان “الذئاب التي أكلت لحم شمعون” كشف فيها عن رواية أمنية مفادها بأن “نظام الأسد كان يعتبر داني شمعون امتداداً لتمرد عون ولا يقل خطورة عنه، فأوكل مهمة إسكاته إلى أعوانه في بيروت”، كذلك لمح نائب الرئيس السوري السابق عبدالحليم خدام في مذكراته (بعد انشقاقه) إلى أن “شمعون الابن دفع ثمناً لتأديب آخرين” من دون إسهاب، مما فسر كتلميح إلى معرفة النظام بتفاصيل الجريمة.

لكن تبقى الشهادة الأبرز التي لا بد من التوقف عندها في اغتيال داني شمعون، تأكيد شقيقه النائب دوري شمعون عشرات المرات في مقابلات إعلامية أن “النظام السوري هو القاتل”.

إيلي حبيقة: صندوق أسرار الحرب

في صباح الـ24 من يناير (كانون الثاني) 2002 دوى انفجار في منطقة الحازمية، إحدى ضواحي بيروت الشرقية، مستهدفاً سيارة الوزير والنائب اللبناني السابق إيلي حبيقة أمام منزله، أسفر الانفجار عن مقتله على الفور. جاءت هذه العملية الصادمة بعد أيام قليلة فقط من إعلان حبيقة استعداده للإدلاء بشهادة أمام القضاء الدولي في شأن مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982، وهي المجزرة التي قتل فيها عدد كبير من الفلسطينيين، مما أثار تكهنات حول الجهة التي أرادت إسكات شهادته إلى الأبد.

ولد حبيقة عام 1956، وانتظم في الحرب الأهلية ضمن صفوف “القوات اللبنانية”. تدرج بسرعة في الجهاز العسكري والأمني للقوات، حتى بات مسؤولاً عن جهاز الأمن فيها. خلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، كان حبيقة في موقع التنسيق مع الاستخبارات الإسرائيلية، وفق تقارير وشهادات.

لكن مسار حبيقة اتخذ منعطفاً مفاجئاً منتصف الثمانينيات، فتقرب من النظام السوري. بلغ هذا التحول ذروته بتوقيع “الاتفاق الثلاثي” في دمشق أواخر 1985، حين وقع حبيقة باسم “القوات اللبنانية” اتفاقاً للمصالحة وتقاسم النفوذ برعاية سوريا مع كل من زعيم حركة “أمل” نبيه بري، وزعيم “الحزب التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط.

أثار هذا الاتفاق غضب الجناح المناهض لسوريا داخل القوات نفسها، فقام سمير جعجع وقادة آخرون بانقلاب داخلي أطاح حبيقة من قيادة القوات، فأسس بعدها حركة سياسية جديدة سماها “حزب الوعد”، وخلال المعارك الأخيرة من الحرب (1989-1990)، قاتلت قوات حبيقة إلى جانب القوات السورية ضد العماد عون.

دخل المجلس النيابي بعد انتخابات عام 1991، وتولى مناصب وزارية عدة في حكومات ما بعد الحرب، وكان لحبيقة دور فعال كحليف موثوق يروج للمصالح السورية ضمن السلطة اللبنانية، بيد أن شعبيته لدى قاعدته المسيحية الأصلية كانت قد تدهورت كثيراً، وخسر مقعده النيابي عام 2000، وهكذا وجد الرجل الذي كان يوماً قيادياً في القوات اللبنانية نفسه خارج السلطة رسمياً، لكنه بقي لاعباً يمتلك أسرار الحرب وخبايا أدوار اللاعبين المحليين والإقليميين طوال تلك الحقبة الدامية.

تفاصيل عملية الاغتيال

استقل حبيقة صباح الخميس الـ24 من يناير 2002 سيارة من طراز “هامفي” ومعه مرافقوه، مغادراً منزله في منطقة الحازمية شرق بيروت، وعند مروره قرب سيارة مركونة من نوع مرسيدس 280 سوداء اللون، انفجرت شحنة ناسفة شديدة فتحولت سيارة حبيقة المدرعة إلى كتلة مشتعلة، قذف حبيقة من المركبة لمسافة 20 متراً، ليلقى حتفه على الفور مع جميع مرافقيه.

أظهرت معاينة المتخصصين الأمنيين لمسرح الجريمة أن العبوة الناسفة كانت مزروعة داخل السيارة المركونة وتم تفجيرها من بعد في لحظة مرور موكب حبيقة، وزنتها نحو 20 كلغ من مادة الـ”تي أن تي”.

اهتز لبنان باغتيال أحد أبرز أمراء الحرب السابقين بطريقة دراماتيكية وعلى بعد خطوات من منزله في منطقة تخضع أمنياً للسلطات اللبنانية والسورية معاً. سارعت الأجهزة الأمنية اللبنانية إلى تطويق المكان، وتولى قاضي التحقيق العسكري نصري لحود الإشراف على التحقيقات الأولية في موقع الانفجار، وبحسب ما رشح عن تلك التحقيقات، تبين أن المنفذين نفذوا العملية باحترافية عالية، فالسيارة المفخخة كانت مجهزة للتفجير من بعد بهدف قتل حبيقة لحظة مرور موكبه مع تقليل الأضرار الجانبية، وتم محو أرقام تسجيل وهيكل السيارة المفخخة لطمس أي دلائل تقود إلى مالكيها.

إسرائيل أم سوريا؟

أشعل اغتيال حبيقة حرباً من الاتهامات والتخمينات بين الأطراف المختلفة في لبنان والمنطقة، وصدر بيان غامض باسم منظمة مجهولة تطلق على نفسها “لبنانيون من أجل لبنان حر ومستقل” يعلن المسؤولية عن اغتيال حبيقة. جاء في البيان “قامت إحدى وحداتنا بتنفيذ حكم الإعدام صباح اليوم بالعميل السوري إيلي حبيقة الذي باع لبنان واللبنانيين وأصبح أداة فعالة بيد حاكم سوريا في لبنان غازي كنعان”.

ومع أن صدقية هذا البيان لم تحسم، إلا أنه أضاف فرضية “تصفية حبيقة على يد جهات لبنانية مناوئة لسوريا” انتقاماً لتحالفه مع دمشق، كذلك سارع الرئيس اللبناني آنذاك إميل لحود إلى اتهام تل أبيب بالوقوف وراء الجريمة، معتبراً أن لدى إسرائيل مصلحة في إسكات ما لدى حبيقة من معلومات في شأن مجزرة صبرا وشاتيلا وتشويش مسار التحقيقات الدولية التي تطاول رئيس وزرائها أرييل شارون.

في المقابل، تكاثرت منذ اللحظات الأولى القرائن غير المباشرة التي دفعت كثيرين، داخل لبنان وخارجه، إلى الشك في دور ما للنظام السوري في تصفية حبيقة. فالنظام السوري الذي استخدم حبيقة أعواماً، كان أيضاً الأقدر أمنياً على تنفيذ عملية معقدة في قلب منطقة النفوذ السوري ببيروت.

أولى هذه القرائن تتعلق بشخصية حبيقة، الذي أمضى عقد التسعينيات كلاعب أساس في الفريق الموالي لسوريا، ثم وجد نفسه مهمشاً سياسياً بعد خسارته الانتخابات، وبحسب مقربين منه، شعر حبيقة بالمرارة نتيجة تخلي حلفائه السوريين عنه سياسياً بعدما أدى دوره، وفي خطوة قد تكون أزعجت دمشق، بدأ حبيقة يتقرب مجدداً من بعض خصوم الأمس في المعسكر المسيحي سعياً إلى استعادة دور سياسي مستقل، فعلى سبيل المثال، رتب لقاء مع سمير جعجع وهو داخل السجن.

القرينة الأخرى والأبرز كانت موضوع استعداد حبيقة للإدلاء بشهادته في ملف مجزرة صبرا وشاتيلا أمام القضاء البلجيكي، فقبل اغتياله بأسابيع، تصاعد الضغط الحقوقي في بلجيكا ضد شارون بموجب قانون “الاختصاص العالمي” بتهمة التواطؤ في المجزرة. أعلن حبيقة بنفسه أنه مستعد لتقديم إفادته وكشف ما لديه من أدلة حول دور شارون في المجزرة، لكن هذه الوعود بالإفصاح أقلقت جهات عدة. ظاهر الأمور أن إسرائيل هي التي يجب أن تخشاها، لكن مضمون ما قد يكشفه حبيقة لم يكن بالضرورة يضر إسرائيل وحدها، فحبيقة كان صندوقاً أسود لأسرار الحرب بكل تعقيداتها وتشابك خيوطها السورية والإسرائيلية والميليشياوية، وقد لمح السيناتور البلجيكي جوزي دوبيي الذي التقى حبيقة سراً قبل يومين من اغتياله، وفق تقارير غربية، إلى أن الأخير أعرب له عن امتلاكه “معلومات خطرة” سيكشفها في المحاكمة، وأنه شعر بأنه مهدد بالقتل مرات عدة.

وأشار مقربون إلى احتمال أن يكشف حبيقة تفاصيل اتصالات خلفية مع سوريا عام 1982حتى وهو حليف لإسرائيل، سواء عبر قنوات سرية أو اختراقات، وربما دوراً سورياً غير مباشر في استثمار المجزرة لتشويه سمعة إسرائيل عالمياً.

من هنا تبرز شبهة تورط دمشق في الاغتيال كاحتمال منطقي في سياق صراع خفي على الأسرار والولاءات، فدمشق التي جندت إيلي حبيقة في صفوفها منذ 1986 كانت أدرى بخفاياه وبتاريخه الدموي الطويل، وربما لم تعد تثق به بعد تغير موازين القوى.

يذكر أخيراً أن اغتيال حبيقة لم يتبع بتحقيق جاد أو محاسبة.

تفاصيل سلسلة اغتيالات شهدتها بيروت وطالت رينيه معوض وداني شمعون وإيلي حبيقة

الكاتب: طوني بولس | المصدر: اندبندنت عربية
15 شباط 2026

في الجزء الثاني من هذه السلسلة ندخل في عمق وتفاصيل سلسلة اغتيالات جديدة شهدتها بيروت وطالت رينيه معوض وداني شمعون وإيلي حبيقة

بعد أعوام طويلة ودموية من الحرب التي خلفت عشرات آلاف القتلى والجرحى، أتى اتفاق الطائف الذي عقد في مدينة الطائف في السعودية عام 1989 بين الفرقاء اللبنانيين، لينهي فصول هذه المرحلة السوداء من تاريخ لبنان، وقد رسخ هذا الاتفاق تعديلات دستورية وتفاهمات أنهت الحرب، ونص على إصلاحات بينها إعادة انتشار ثم انسحاب القوات السورية من لبنان خلال عامين، لكن على الأرض، بقي للجيش السوري وجود كثيف (نحو 40 ألف جندي) منذ تدخله عام 1976، وسط واقع “وصاية” فرض فيه نفوذه العسكري والسياسي.

في الجزء الأول من سلسلة “عدالة مؤجلة بين سوريا الأسد ولبنان”، استعرضنا في مقال مطول الاغتيالات التي شهدها لبنان خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) والتي اتهم النظام السوري السابق برئاسة حافظ الأسد بالوقوف وراءها، على رغم عدم وجود أي تحقيق قضائي يؤكد هذا الاتهام، وهنا الحديث عن اغتيال زعيم الدروز في لبنان كمال جنبلاط عام 1977، والرئيس المنتخب حديثاً في حينها بشير الجميل عام 1982 ومفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ خالد عام 1989.

في الجزء الثاني من هذه السلسلة ندخل في عمق وتفاصيل سلسلة اغتيالات جديدة شهدها لبنان بعد تلك المرحلة، وتحديداً مرحلة إنهاء الحرب والأعوام التي تلت، وهنا مرة جديدة وجهت أصابع الاتهام لدمشق، التي بقيت حاضرة عسكرياً على الأراضي اللبنانية على رغم انتهاء الاقتتال الداخلي بين الفرقاء اللبنانيين.

بعد أعوام طويلة ودموية من الحرب التي خلفت عشرات آلاف القتلى والجرحى، أتى اتفاق الطائف الذي عقد في مدينة الطائف في السعودية عام 1989 بين الفرقاء اللبنانيين، لينهي فصول هذه المرحلة السوداء من تاريخ لبنان، وقد رسخ هذا الاتفاق تعديلات دستورية وتفاهمات أنهت الحرب، ونص على إصلاحات بينها إعادة انتشار ثم انسحاب القوات السورية من لبنان خلال عامين، لكن على الأرض، بقي للجيش السوري وجود كثيف (نحو 40 ألف جندي) منذ تدخله عام 1976، وسط واقع “وصاية” فرض فيه نفوذه العسكري والسياسي.

اغتيال الرئيس رينيه معوض: انقلاب على الطائف؟

في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) 1989 عقد النواب جلسة انتخاب رئيس الجمهورية في مطار القليعات العسكري شمال البلاد، جاء اختيار رينيه معوض كحل توافقي مدعوم عربياً ودولياً، فنال 52 صوتاً بعد انسحاب المنافسين، رفض قائد الجيش ورئيس الحكومة العسكرية العماد ميشال عون الاعتراف بشرعية انتخاب معوض، بدورها رحبت دمشق بانتخاب معوض واعتبرته حليفاً معتدلاً، إلا أن بين الطرفين سرعان ما شاب التوتر.

معوض كان أحد أركان اتفاق الطائف ويتمتع بعلاقات جيدة مع مختلف الأطراف، لكن تمسكه بالثوابت السيادية أثار حفيظة دمشق. فور انتخابه بدأت مشاورات تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة سليم الحص. وخلال وجوده في مسقط رأسه إهدن لتقبل التهاني، زاره وفد سوري رفيع برئاسة نائب الرئيس السوري عبدالحليم خدام لتهنئته وبحث تشكيل الحكومة، وهنا يكشف من عايشوا تلك المرحلة، وبعضهم كان حاضراً في إهدن، أن خدام أصر على تضمين شخصيات موالية لسوريا في الحكومة الجديدة، لكن معوض رفض تشكيل حكومة بـ”إملاءات”، مكتفياً بالتعهد بعدم تعيين وزراء معادين لسوريا. وتكشف تقارير صحافية نشرت في حينها أن أكثر ما استفز دمشق هو مطالبة معوض الوفد السوري بالبدء في تنفيذ البند السيادي من اتفاق الطائف عبر إعادة انتشار الجيش السوري إلى البقاع كخطوة أولى تمهيداً لانسحابه، لكن دمشق رفضت مطلب الانسحاب المحدود هذا بصورة قاطعة.

وبحسب رواية نجله النائب ميشال معوض، فإن تلك الجلسة العاصفة في بلدة إهدن، التي استمرت ساعات وخرج منها خدام ووجهه “مسود” (دلالة غضب كبير)، كانت السبب المباشر الذي عجل باغتيال والده.

انتقل معوض إلى بيروت بعد أيام من انتخابه، واتخذ مقراً موقتاً للرئاسة داخل مبنى يقع في منطقة الرملة البيضاء، وهو مبنى ملاصق لفندق البوريفاج الذي كان مقراً للاستخبارات السورية. وعلى رغم اتخاذ تدابير أمنية عاجلة، شعر الجميع بأن حياة الرئيس مهددة. زاره في مقره الموقت قائد جهاز الاستخبارات السورية في لبنان، العميد غازي كنعان، عارضاً مشاركة الاستخبارات السورية في أمن مواكبه وحمايته. هذه الخطوة وإن قدمت تحت عنوان التنسيق الأمني، إلا أنها أثارت الريبة في نفوس المقربين من معوض، بخاصة أن جهاز كنعان كان يهيمن فعلياً على مفاصل الأمن في بيروت الغربية.

الاغتيال يوم الاستقلال

صباح عيد الاستقلال، الذي ناله لبنان في الـ22 من نوفمبر 1943 أصر الرئيس الجديد على المشاركة في الاحتفال الرسمي على رغم تحذيرات أمنية. توجه إلى السراي الحكومي الصغير في محلة الصنائع ببيروت لحضور حفل الاستقبال التقليدي للمناسبة، حيث كان إلى جانبه رئيس مجلس النواب حسين الحسيني ورئيس الحكومة المكلف سليم الحص. انتهى الاحتفال قرابة الظهر، واستقل معوض سيارة كاديلاك مصفحة ضمن موكبه للعودة إلى مقر الرئاسة الموقت.

على الطريق في منطقة الصنائع، دوى انفجار هائل عند الساعة 12:55 ظهراً، كانت عبوة ناسفة شديدة الانفجار زرعت خلف سور مدرسة قريبة تم تفجيرها لحظة مرور الموكب. قوة الانفجار قذفت سيارة الرئيس المصفحة أمتاراً عدة في الهواء، فهوت كتلة من الركام المعدني لتحيل من بداخلها أشلاء، قتل معوض على الفور مع سبعة من مرافقيه في الأقل، إضافة إلى عدد من المدنيين.

التحقيقات الميدانية الأولية التي أجرتها الأجهزة الأمنية اللبنانية لم تعلن نتائج قاطعة، إذ لم تلبث التحقيقات أن توقفت سريعاً، وحفظت القضية ضد مجهول. يؤكد مقربون وعائلة الرئيس أنه لم يدون أي محضر فعلي في سجلات القضاء في شأن اغتياله طوال فترة الوصاية السورية.

حتى نجله النائب ميشال معوض صرح بأن ملف الاغتيال في القضاء لا يحوي سوى شهادة الوفاة، في إشارة واضحة إلى طمس متعمد للحقيقة.

اغتيال “الطائف”

منذ اللحظات الأولى لاغتيال معوض انطلقت موجة تكهنات حول الجهة المنفذة ومن يقف وراءها، وسريعاً ظهر احتمال تورط دمشق في أذهان كثيرين، فمعوض اغتيل بعد خلافه العلني مع دمشق حول تشكيل الحكومة ووجود الجيش السوري، مما جعل بعض اللبنانيين يعتبره “اغتيالاً لاتفاق الطائف نفسه”.

أيضاً، تشير مراسلات بريطانية سرية (نشرت تفاصيلها “اندبندنت عربية” عام 2023) إلى أن العماد ميشال عون نفسه كان مقتنعاً بأن السوريين هم المسؤولون عن قتل معوض، واعتبر البريطانيون أنه بالنظر إلى طبيعة العملية الاحترافية يصعب دحض الادعاء بأن منظمة تمتلك إمكانات جهاز استخبارات دولة هي وحدها القادرة على تنفيذ عملية بهذه الدرجة من الدقة.

وما يعزز من هذا الرأي، أن الاستخبارات السورية كانت عملياً تشرف على أمن المنطقة التي وقع فيها التفجير، مما دفع كثيرين إلى التساؤل “كيف أمكن لشحنة متفجرات هائلة كهذه أن تزرع وتنفجر في قلب بيروت من دون علم ورقابة الاستخبارات السورية التي كانت تسيطر على المنطقة؟”

شهادات وتقارير موثقة

الأدلة المباشرة على تورط دمشق ظهرت تدريجاً عبر شهادات وتقارير موثقة، من أبرزها رواية الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي، الذي كشف في مقابلة صحافية عام 1996 أنه التقى الرئيس معوض بعد انتخابه وحذره من محاولة اغتيال وشيكة. وذكر (حاوي) أن صديقاً للحزب الشيوعي داخل الجيش اللبناني أبلغه بأنه كلف من جهات عسكرية باغتيال معوض، وقد قام حاوي بإطلاع الرئيس معوض فوراً، بحضور كريم مروة (قيادي شيوعي) والعقيد طنوس معوض (رئيس فريق حرس الرئيس)، وبالفعل تم تعديل بعض الترتيبات الأمنية حينها لإحباط تلك المحاولة.

شهادة أخرى بالغة الأهمية قدمها القيادي اليساري إلياس عطاالله (عايش تلك الفترة من قرب)، وفيها يروي تفاصيل دور ضابط الاستخبارات السوري جامع جامع في عملية الاغتيال، نقلاً عن شهود عيان. ويقول إن جامع كان ضابطاً في الاستخبارات السورية يعمل تحت إمرة غازي كنعان، ونشط في بيروت خلال تلك الحقبة، مضيفاً “حاول السوريون بداية اغتيال معوض بأسلوب ماكر قبل تفجير الـ22 من نوفمبر، إذ طلبوا من مسؤول حزبي شمالي موال لهم ترشيح أحد الجنود اللبنانيين لإلحاقه بحرس الرئيس، وزودوه بمتفجرة صغيرة يلصقها بملابس معوض أثناء وجوده بقربه”، لكن أحد الشهود كشف تلك المحاولة فأبلغ عطاالله بدوره الرئيس معوض، مما أدى إلى إفشال المخطط الأول.

ينقل عطاالله عن شاهدين أنه صبيحة يوم الاغتيال، صعد الضابط جامع إلى سطح مبنى مطل على موقع مرور الموكب ومعه جهاز تحكم، وعندما اقتربت سيارة الرئيس ضغط زر التفجير لتنفيذ العملية، كذلك أشار إلى أن شخصين ألقيا قنبلتين يدويتين من تلك البناية لتشتيت المرافقين قبل لحظات من التفجير.

بعد اغتيال رينيه معوض، تم انتخاب إلياس الهراوي رئيساً، وكشف الأخير في مذكراته أن انتخابه رئيساً بعد يومين من الاغتيال جاء بطلب مباشر من حافظ الأسد.

تحقيقات مغيبة

لم يعرف لبنان حقيقة من قتل رينيه معوض حتى اليوم بصورة رسمية، والتحقيقات لم تتقدم قيد أنملة خلال عهد الهيمنة السورية (1990-2005). يقول رئيس مجلس النواب آنذاك حسين الحسيني إن السلطات اللبنانية “لم تعط أي إشارة أو ملف قضائي” في شأن القضية.

وتشير الوقائع إلى أن القضاء اللبناني لم يصدر أي قرار اتهامي، ولم يستدع أحداً للتحقيق، ولم يحل الملف إلى المجلس العدلي، وبذلك أضيفت قضية معوض إلى سلسلة طويلة من الاغتيالات السياسية التي قيدت ضد مجهول في زمن الوصاية السورية، ضمن ثقافة الإفلات من العقاب.

بعد الانسحاب السوري عام 2005، تنفس آل معوض ومعهم شريحة واسعة من اللبنانيين الصعداء أملاً بإحياء القضية. بالفعل، رفعت زوجته نائلة معوض الصوت واتهمت صراحة الاستخبارات السورية باغتيال زوجها بدافع انتقام سياسي، وقالت في أحد تصريحاتها إن رينيه قتل لأنه “رفض أن ينصاع للإرادة السورية ولانتهاك سيادة لبنان”.

اغتيال داني شمعون: جريمة أنهت زعامة وأشعلت جدلاً

في فجر الـ21 من أكتوبر (تشرين الأول) 1990 اهتز لبنان على وقع جريمة مروعة أنهت حياة نجل الرئيس السابق كميل شمعون، رئيس حزب الوطنيين الأحرار داني شمعون، عندما اقتحم مسلحون منزله وأردوه قتيلاً مع زوجته وطفليه الصغيرين، في نهاية الحرب الأهلية اللبنانية.

وفي ذلك الوقت، فض العماد ميشال عون، الذي عينه الرئيس أمين الجميل رئيساً لحكومة انتقالية عام 1988، اتفاق الطائف ورفع لواء “حرب التحرير” ضد الوجود السوري. التف حول عون عدد من القيادات الوطنية الرافضة للهيمنة السورية، من أبرزهم داني شمعون الذي تحالف معه في تلك الفترة الحرجة.

داني شمعون (56 سنة عند اغتياله) لم يكن سياسياً عادياً، بل سليل واحدة من أبرز العائلات السياسية اللبنانية، فهو الابن الأصغر للرئيس السابق كميل شمعون (رئيس الجمهورية 1952–1958) الذي اشتهر بمواقفه الرافضة للتدخلات الخارجية وبخاصة النفوذ الناصري والسوري. ترأس داني حزب الوطنيين الأحرار خلفاً لوالده وقاد ما عرف حينها بميليشيات “النمور” التابعة للحزب في بداية الحرب. أدى دوراً أساساً ضمن تحالف “الجبهة اللبنانية” الذي ضم قيادات مسيحية بارزة في أعوام الحرب، لكنه دفع ثمن طموحه السياسي مبكراً في اصطدامه عام 1980 بخصمه بشير الجميل، ثم عاد داني إلى الواجهة أواخر الثمانينيات كأحد رموز المعارضة المسيحية للوصاية السورية.

بحلول خريف 1990 كانت موازين القوى تميل لمصلحة النظام السوري وحلفائه في لبنان، واجتاحت القوات السورية بموافقة دولية منطقة نفوذ عون وأطاحت حكومته العسكرية، وتكبد أنصار الأخير خسائر فادحة، ووجد داني شمعون نفسه في وضع بالغ الخطورة، فقد سقط آخر معقل رسمي (داخل الدولة) معارض لسوريا، وأصبح داني أبرز زعيم مسيحي مدني يمكن أن يرث جمهور عون ويقود النهج الرافض للهيمنة السورية. هذا الواقع جعله هدفاً محتملاً، بخاصة أنه لم يبد أي استعداد للتسليم بالأمر الواقع أو مهادنة السوريين.

وتفاقم الخطر الأمني حول شمعون مع سلسلة إجراءات أثارت الريبة، إذ سحب عناصر الجيش اللبناني الذين كانوا يؤمنون حراسة منزله بقرار من قائد الجيش آنذاك العماد إميل لحود، وأقيمت حواجز للجيش السوري في محيط سكنه بصورة مفاجئة، وفق تقارير ومتابعين.

تفاصيل عملية الاغتيال

فجر الـ21 من أكتوبر 1990 استفاق اللبنانيون على جريمة مروعة، في ذلك اليوم تسللت مجموعة مسلحة بلباس عسكري رسمي إلى المبنى الذي يقطنه شمعون وعائلته في منطقة بعبدا. تمكن القتلة من دخول المبنى وشقة شمعون بهدوء ومن دون أي اقتحام عنيف للأبواب، مما يوحي بأنهم استطاعوا تخطي الحراسة، بحسب التحقيقات الرسمية كان أفراد المجموعة يرتدون زي الجيش اللبناني، وهي حيلة زادت من عنصر المباغتة.

داخل الشقة أطلق المسلحون الرصاص على داني شمعون وزوجته إنغريد عبد وولديهما الصغيرين طارق وجوليان، أصيب شمعون وزوجته أولاً وسقطا في غرفة الجلوس، ثم طارد القتلة طفليه في غرف النوم وقتلوهما.

منفذو الاغتيال غادروا المكان بسرعة ومن دون أن يتركوا وراءهم أي شهود أحياء، مما عقد التحقيقات منذ اللحظة الأولى. ومع ذلك، عثر في موقع الجريمة على أدلة جنائية معينة استند إليها المحققون لاحقاً. أبرز هذه الأدلة جهاز اتصال لا سلكي (من نوع موتورولا)، فيما بدا هذا الجهاز كأنه ترك عمداً، وكان مشابهاً لأجهزة الاتصال التي تستعملها “القوات اللبنانية” في تنسيق عملياتها، وشكل هذا اللاسلكي خيطاً أولياً موجهاً للاتهام باتجاه ميليشيات القوات.

وبالفعل، سرعان ما بدأ الهمس يدور حول احتمال ضلوع قائد “القوات اللبنانية” سمير جعجع أو مقربين منه في تصفية شمعون انتقاماً من مواقفه السياسية أو طمعاً بالانفراد بالساحة المسيحية، لكن في المقابل، رأى آخرون في وجود جهاز اللاسلكي “دليلاً فاضحاً” الغرض منه تحويل الأنظار عن الفاعل الحقيقي.

محاكمة سمير جعجع

على الفور، فتحت السلطات اللبنانية تحقيقاً نظراً إلى حساسية العملية وخطورتها، استمرت التحقيقات في اغتيال داني شمعون بوتيرة بطيئة وسرية خلال أوائل التسعينيات. لم يعتقل في البداية أي مشتبه رئيس، كما لم توجه تهمة علنية لأحد. حصل تطور مفصلي عام 1994 قلب المعادلة، ففي ذلك العام وقع انفجار كنيسة سيدة النجاة (فبراير 1994) واتهمت “القوات اللبنانية” بالضلوع فيه، وتم اعتقال جعجع وأعيد فتح ملفات قديمة ضده، كان أبرزها ملف اغتيال شمعون وعائلته.

وجه الاتهام رسمياً إلى جعجع بأنه العقل المدبر وراء الاغتيال، وجاء في قرار الاتهام أن مجموعة من عناصر القوات نفذت العملية بأوامر مباشرة منه. وقد اعتبر سمير جعجع أن الاتهام مسيس بالكامل ويهدف إلى إقصائه عن الساحة السياسية، فيما وصف فريق الدفاع القضية بأنها مفبركة بضغط من النظام الأمني السوري.

تورط النظام السوري

منذ اللحظات الأولى لجريمة اغتيال داني شمعون، تسربت إلى الكواليس السياسية فرضيات تتجاوز الرواية الرسمية، وربط كثر توقيت العملية وظروفها بمصلحة دمشق المباشرة في التخلص منه.

لقد جاءت التصفية بعد أيام فقط من دخول الجيش السوري بيروت الشرقية وإزاحة حكومة عون التي كان داني أبرز داعميها المدنيين، كذلك فإن قتل شمعون بهذه الصورة الوحشية (مع أسرته) بعث رسالة إرهاب وترهيب لبقية الشخصيات المعارضة، لذا ساد اعتقاد قوي أن “بصمات” الاستخبارات السورية حاضرة خلف الستار، لكن قلة فقط تجرأت حينها على المجاهرة بهذا الاتهام صراحة في ذلك الحين.

بعد أعوام طويلة، وتحديداً بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان عام 2005، خرجت شهادات لتتهم دمشق مباشرة.

النائب سامي الجميل (نجل الرئيس أمين الجميل) قال إن يد القوات اللبنانية ليست ضالعة في هذه الجريمة بل يد نظام الوصاية التي أرادت قمع كل صوت حر، فيما صرح النائب والوزير السابق مروان حمادة بأن “داني شمعون قتل لأنه رفض الانصياع للإملاءات السورية”.

ومن أبرز الذين أشاروا علناً لتورط سوريا في هذه العملية، الزعيم الدرزي وليد جنبلاط بعد معارضته لدمشق إثر اغتيال رفيق الحريري، إذ قال عام 2005 “النظام السوري مسؤول عن كل الاغتيالات في لبنان من كمال جنبلاط إلى رينيه معوض إلى داني شمعون”.

ومن الأصوات العربية البارزة التي تناولت القضية الصحافي السوري المعارض نبيل الملحم الذي كتب مقالة بعنوان “الذئاب التي أكلت لحم شمعون” كشف فيها عن رواية أمنية مفادها بأن “نظام الأسد كان يعتبر داني شمعون امتداداً لتمرد عون ولا يقل خطورة عنه، فأوكل مهمة إسكاته إلى أعوانه في بيروت”، كذلك لمح نائب الرئيس السوري السابق عبدالحليم خدام في مذكراته (بعد انشقاقه) إلى أن “شمعون الابن دفع ثمناً لتأديب آخرين” من دون إسهاب، مما فسر كتلميح إلى معرفة النظام بتفاصيل الجريمة.

لكن تبقى الشهادة الأبرز التي لا بد من التوقف عندها في اغتيال داني شمعون، تأكيد شقيقه النائب دوري شمعون عشرات المرات في مقابلات إعلامية أن “النظام السوري هو القاتل”.

إيلي حبيقة: صندوق أسرار الحرب

في صباح الـ24 من يناير (كانون الثاني) 2002 دوى انفجار في منطقة الحازمية، إحدى ضواحي بيروت الشرقية، مستهدفاً سيارة الوزير والنائب اللبناني السابق إيلي حبيقة أمام منزله، أسفر الانفجار عن مقتله على الفور. جاءت هذه العملية الصادمة بعد أيام قليلة فقط من إعلان حبيقة استعداده للإدلاء بشهادة أمام القضاء الدولي في شأن مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982، وهي المجزرة التي قتل فيها عدد كبير من الفلسطينيين، مما أثار تكهنات حول الجهة التي أرادت إسكات شهادته إلى الأبد.

ولد حبيقة عام 1956، وانتظم في الحرب الأهلية ضمن صفوف “القوات اللبنانية”. تدرج بسرعة في الجهاز العسكري والأمني للقوات، حتى بات مسؤولاً عن جهاز الأمن فيها. خلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، كان حبيقة في موقع التنسيق مع الاستخبارات الإسرائيلية، وفق تقارير وشهادات.

لكن مسار حبيقة اتخذ منعطفاً مفاجئاً منتصف الثمانينيات، فتقرب من النظام السوري. بلغ هذا التحول ذروته بتوقيع “الاتفاق الثلاثي” في دمشق أواخر 1985، حين وقع حبيقة باسم “القوات اللبنانية” اتفاقاً للمصالحة وتقاسم النفوذ برعاية سوريا مع كل من زعيم حركة “أمل” نبيه بري، وزعيم “الحزب التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط.

أثار هذا الاتفاق غضب الجناح المناهض لسوريا داخل القوات نفسها، فقام سمير جعجع وقادة آخرون بانقلاب داخلي أطاح حبيقة من قيادة القوات، فأسس بعدها حركة سياسية جديدة سماها “حزب الوعد”، وخلال المعارك الأخيرة من الحرب (1989-1990)، قاتلت قوات حبيقة إلى جانب القوات السورية ضد العماد عون.

دخل المجلس النيابي بعد انتخابات عام 1991، وتولى مناصب وزارية عدة في حكومات ما بعد الحرب، وكان لحبيقة دور فعال كحليف موثوق يروج للمصالح السورية ضمن السلطة اللبنانية، بيد أن شعبيته لدى قاعدته المسيحية الأصلية كانت قد تدهورت كثيراً، وخسر مقعده النيابي عام 2000، وهكذا وجد الرجل الذي كان يوماً قيادياً في القوات اللبنانية نفسه خارج السلطة رسمياً، لكنه بقي لاعباً يمتلك أسرار الحرب وخبايا أدوار اللاعبين المحليين والإقليميين طوال تلك الحقبة الدامية.

تفاصيل عملية الاغتيال

استقل حبيقة صباح الخميس الـ24 من يناير 2002 سيارة من طراز “هامفي” ومعه مرافقوه، مغادراً منزله في منطقة الحازمية شرق بيروت، وعند مروره قرب سيارة مركونة من نوع مرسيدس 280 سوداء اللون، انفجرت شحنة ناسفة شديدة فتحولت سيارة حبيقة المدرعة إلى كتلة مشتعلة، قذف حبيقة من المركبة لمسافة 20 متراً، ليلقى حتفه على الفور مع جميع مرافقيه.

أظهرت معاينة المتخصصين الأمنيين لمسرح الجريمة أن العبوة الناسفة كانت مزروعة داخل السيارة المركونة وتم تفجيرها من بعد في لحظة مرور موكب حبيقة، وزنتها نحو 20 كلغ من مادة الـ”تي أن تي”.

اهتز لبنان باغتيال أحد أبرز أمراء الحرب السابقين بطريقة دراماتيكية وعلى بعد خطوات من منزله في منطقة تخضع أمنياً للسلطات اللبنانية والسورية معاً. سارعت الأجهزة الأمنية اللبنانية إلى تطويق المكان، وتولى قاضي التحقيق العسكري نصري لحود الإشراف على التحقيقات الأولية في موقع الانفجار، وبحسب ما رشح عن تلك التحقيقات، تبين أن المنفذين نفذوا العملية باحترافية عالية، فالسيارة المفخخة كانت مجهزة للتفجير من بعد بهدف قتل حبيقة لحظة مرور موكبه مع تقليل الأضرار الجانبية، وتم محو أرقام تسجيل وهيكل السيارة المفخخة لطمس أي دلائل تقود إلى مالكيها.

إسرائيل أم سوريا؟

أشعل اغتيال حبيقة حرباً من الاتهامات والتخمينات بين الأطراف المختلفة في لبنان والمنطقة، وصدر بيان غامض باسم منظمة مجهولة تطلق على نفسها “لبنانيون من أجل لبنان حر ومستقل” يعلن المسؤولية عن اغتيال حبيقة. جاء في البيان “قامت إحدى وحداتنا بتنفيذ حكم الإعدام صباح اليوم بالعميل السوري إيلي حبيقة الذي باع لبنان واللبنانيين وأصبح أداة فعالة بيد حاكم سوريا في لبنان غازي كنعان”.

ومع أن صدقية هذا البيان لم تحسم، إلا أنه أضاف فرضية “تصفية حبيقة على يد جهات لبنانية مناوئة لسوريا” انتقاماً لتحالفه مع دمشق، كذلك سارع الرئيس اللبناني آنذاك إميل لحود إلى اتهام تل أبيب بالوقوف وراء الجريمة، معتبراً أن لدى إسرائيل مصلحة في إسكات ما لدى حبيقة من معلومات في شأن مجزرة صبرا وشاتيلا وتشويش مسار التحقيقات الدولية التي تطاول رئيس وزرائها أرييل شارون.

في المقابل، تكاثرت منذ اللحظات الأولى القرائن غير المباشرة التي دفعت كثيرين، داخل لبنان وخارجه، إلى الشك في دور ما للنظام السوري في تصفية حبيقة. فالنظام السوري الذي استخدم حبيقة أعواماً، كان أيضاً الأقدر أمنياً على تنفيذ عملية معقدة في قلب منطقة النفوذ السوري ببيروت.

أولى هذه القرائن تتعلق بشخصية حبيقة، الذي أمضى عقد التسعينيات كلاعب أساس في الفريق الموالي لسوريا، ثم وجد نفسه مهمشاً سياسياً بعد خسارته الانتخابات، وبحسب مقربين منه، شعر حبيقة بالمرارة نتيجة تخلي حلفائه السوريين عنه سياسياً بعدما أدى دوره، وفي خطوة قد تكون أزعجت دمشق، بدأ حبيقة يتقرب مجدداً من بعض خصوم الأمس في المعسكر المسيحي سعياً إلى استعادة دور سياسي مستقل، فعلى سبيل المثال، رتب لقاء مع سمير جعجع وهو داخل السجن.

القرينة الأخرى والأبرز كانت موضوع استعداد حبيقة للإدلاء بشهادته في ملف مجزرة صبرا وشاتيلا أمام القضاء البلجيكي، فقبل اغتياله بأسابيع، تصاعد الضغط الحقوقي في بلجيكا ضد شارون بموجب قانون “الاختصاص العالمي” بتهمة التواطؤ في المجزرة. أعلن حبيقة بنفسه أنه مستعد لتقديم إفادته وكشف ما لديه من أدلة حول دور شارون في المجزرة، لكن هذه الوعود بالإفصاح أقلقت جهات عدة. ظاهر الأمور أن إسرائيل هي التي يجب أن تخشاها، لكن مضمون ما قد يكشفه حبيقة لم يكن بالضرورة يضر إسرائيل وحدها، فحبيقة كان صندوقاً أسود لأسرار الحرب بكل تعقيداتها وتشابك خيوطها السورية والإسرائيلية والميليشياوية، وقد لمح السيناتور البلجيكي جوزي دوبيي الذي التقى حبيقة سراً قبل يومين من اغتياله، وفق تقارير غربية، إلى أن الأخير أعرب له عن امتلاكه “معلومات خطرة” سيكشفها في المحاكمة، وأنه شعر بأنه مهدد بالقتل مرات عدة.

وأشار مقربون إلى احتمال أن يكشف حبيقة تفاصيل اتصالات خلفية مع سوريا عام 1982حتى وهو حليف لإسرائيل، سواء عبر قنوات سرية أو اختراقات، وربما دوراً سورياً غير مباشر في استثمار المجزرة لتشويه سمعة إسرائيل عالمياً.

من هنا تبرز شبهة تورط دمشق في الاغتيال كاحتمال منطقي في سياق صراع خفي على الأسرار والولاءات، فدمشق التي جندت إيلي حبيقة في صفوفها منذ 1986 كانت أدرى بخفاياه وبتاريخه الدموي الطويل، وربما لم تعد تثق به بعد تغير موازين القوى.

يذكر أخيراً أن اغتيال حبيقة لم يتبع بتحقيق جاد أو محاسبة.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار