خاص – الحريري يفرض عودته على الداخل والخارج إنتخابيًا وشعبيًا؟

لم يكن خطاب سعد الحريري في ذكرى 14 شباط هذا العام مجرد إحياء تقليدي لذكرى اغتيال والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، كما درجت العادة منذ تعليقه نشاطه السياسي وابتعاده إلى الخارج. بل بدا أقرب إلى بيان تموضع سياسي جديد لتيار المستقبل، أعاد من خلاله رسم حدود عودته إلى المشهد، من دون أن يقدّم إعلانًا صريحًا بالعودة الكاملة، ولا تثبيتًا لخيار الانكفاء.
الخطاب حمل توازنًا واضحًا بين خيار العودة ومنطق الحذر، وبين تثبيت الهوية السيادية عبر التمسك الكامل باتفاق الطائف، من دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة أو تسمية حزب الله بالاسم للمرة الثانية على بعد خطاب العام الماضي.
عودة انتخابية… رح تسمعوا أصواتنا وتعدوها
النقطة الأبرز في الخطاب كانت إعلان عودة تيار المستقبل للمشاركة في الحياة السياسية من خلال الانتخابات النيابية. غير أن الحريري تعمّد صياغة موقفه بدقة: لم يُعلن ترشحه شخصيًا، ولم يُعلن المقاطعة أيضًا. قال بوضوح أنّ “أصواتنا ستُسمع وتُحسب” متى حصلت الانتخابات، لكنه في المقابل أطلق في دردشة صحفية عبارته اللافتة: “الجو مش جو انتخابات”في البلد.
هذا التناقض الظاهري يعكس في الواقع مقاربة سياسية مزدوجة. فمن جهة، أعاد إدخال تيار المستقبل إلى المعادلة الانتخابية بعد مرحلة انكفاء أثّرت على التوازن السني وأربكت المشهد الداخلي. ومن جهة أخرى، كان الرجل حذرا في ظل الظروف المعقدة و الانطلاقة المتعثرة لقطار الانتخابات مع عدم حماسة دولية وداخلية لإجرائها في مواعيدها الدستورية.
الرسالة هنا واضحة: الحريري لا يريد خوض معركة شكلية تُكرّس واقعًا يعتبره مختلًا في ميزان الدولة، لكنه أيضًا لا يريد أن يُتهم بترك الساحة أو بالتخلي عن جمهوره. لذلك أبقى مشاركته الشخصية معلّقة، وفتح الباب أمام مشاركة التيار كخطوة أولى، في انتظار تبلور المشهدين الداخلي والإقليمي.
وهذا الأمر ليس تفصيلًا فعودة المستقبل انتخابيًا قد تعيد رسم المشهد على الساحة السنية، باعتباره القوة الأكثر حضورًا شعبيًا وتنظيميًا فيها مع إمكانية حصوله على كتلة نيابية وازنة. وبالتالي فإن لهذه العودة دلالات سياسية ووطنية تتجاوز الحسابات النيابية، وترتبط بتموضع الحريري نفسه، وبطبيعة علاقته مع المملكة العربية السعودية، وبقدرته على إعادة تثبيت مرجعيته داخل بيئته.
الطائف والسلاح: تثبيت المبدأ من دون تسمية
وطنياً أكد الحريري تمسكه الكامل باتفاق الطائف من دون تجزئة، وشدّد على مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة. غير أن اللافت أنه لم يذكر حزب الله بالاسم.
هذا الغياب لم يكن تفصيلًا لغويًا، بل خيارًا سياسيًا محسوبًا. فالحريري أعاد تثبيت موقفه السيادي من خلال التمسك بالمبدأ الدستوري، من دون تحويل الخطاب إلى مواجهة مباشرة مع طرف بعينه. تحدث عن “الدولة” لا عن “الخصم”، وعن “الاختلال البنيوي” لا عن نزاع ظرفي.
بهذه المقاربة، يرفع السقف أمام جمهوره ويعيد تأكيد ثوابته، لكنه في الوقت نفسه يتفادى قطع الجسور أو فتح اشتباك مبكر قد يعقّد حساباته الانتخابية المقبلة. إنها محاولة لإعادة التموضع في المعسكر السيادي، ولكن بنبرة هادئة تسمح بالمناورة.
“الطعن بالظهر”: إعادة صياغة مرحلة الانسحاب
حين أشار الحريري إلى “الطعن بالظهر من ذوي القربى”، كان يقدّم قراءة سياسية لمرحلة انسحابه السابقة، ويوجّه رسالة مبطّنة إلى أكثر من جهة، في الداخل والخارج.
ّسياسيًا، تؤسس هذه العبارة لسردية جديدة مفادها أن الانسحاب لم يكن ضعفًا أو هروبًا، إنما نتيجة خلل في التوازنات أو خيبات من التحالفات.
وإذا كانت العبارة تُقرأ داخليًا في سياق الصراعات السنية، فإنها تُفهم إقليميًا كإشارة غير مباشرة إلى تبدّل أولويات بعض العواصم، من دون تسمية صريحة.
عدم ذكر السعودية ورفض اللعب على الخلافات العربية
في السياق الإقليمي، تعمّد الحريري عدم ذكر المملكة العربية السعودية بالاسم لا سلبًا ولا إيجابًا، كما شدّد على رفض استثمار الخلافات العربية أو الخليجية في الداخل اللبناني.
هذه النقطة مفصلية في فهم تموضعه الجديد. فالحريري حرص على أن يفصل خطابه عن الخلاف الخليجي المباشر خاصة بين السعودية والامارات، ولم يربط عودته بأي محور إقليمي، ولم يقدّم نفسه كجزء من مواجهة عربية – عربية. بل قدّم نفسه كقوة لبنانية تسعى إلى أفضل العلاقات العربية، من دون أن تكون أداة في صراعاتها.
هذا التموضع يخدم ثلاثة أهداف واضحة: حماية استقلالية قراره السياسي، تجنّب إحراجه في حال تبدّلت أولويات العواصم، وإعادة تعريف تيار المستقبل كحالة وطنية مستقلة لا امتدادًا لمحور إقليمي.
عودة تدريجية بانتظار الاختبار
قراءة خطاب 14 شباط تقود إلى خلاصة دقيقة: الحريري لم يعد بالكامل، لكنه لم يبقَ خارج المشهد. أعاد تثبيت مرجعيته السنية، رفع سقف الدولة والسيادة، تجنّب التصعيد المباشر، وأبقى قراره الانتخابي الشخصي معلّقًا على تطورات الداخل والتوازنات الإقليمية.
ويبقى التموضع الجديد لتيار المستقبل رهنًا بردود الفعل المحلية والعربية على حدّ سواء. فمستقبل العلاقة مع المملكة العربية السعودية سيشكّل عاملًا حاسمًا في تحديد سقف الحركة السياسية للحريري، كما أن طبيعة نسيج تحالفاته الداخلية والانتخابية ستكشف ما إذا كانت عودته ستُترجم شراكات متجددة أم اصطفافات تقليدية معدّلة. بين الإشارات السيادية التي رفعها، والحرص على عدم الاصطدام المباشر، تبدو المرحلة المقبلة اختبارًا مزدوجًا: اختبار قبول عربي، واختبار قدرة داخلية على إعادة بناء شبكة تحالفات تواكب تحوّل خطابه من الانكفاء إلى الحضور.
باختصار، بعد 14 شباط، اختار سعد الحريري أن يعود إلى الساحة من باب التموضع الهادئ والحذر: لا مواجهة مفتوحة، ولا تسوية مجانية، ولا اصطفاف خارجي معلن ومن خلال إظهار قدرة كبيرة على استنهاض الشارع أثبتت حضوره الشعبي وعبر مشاركة انتخابية ترشيحًا واقتراعً تضمن له كتلة نيابية وازنة تعيد تثبيت حضوره السياسي والنيابي ما يجعله قوة داخلية صعب تجاهلها. فهل ينجح سعد الحريري في فرض عودته إلى الحياة السياسية على الداخل والخارج شعبيًا وانتخابيًا؟
خاص – الحريري يفرض عودته على الداخل والخارج إنتخابيًا وشعبيًا؟

لم يكن خطاب سعد الحريري في ذكرى 14 شباط هذا العام مجرد إحياء تقليدي لذكرى اغتيال والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، كما درجت العادة منذ تعليقه نشاطه السياسي وابتعاده إلى الخارج. بل بدا أقرب إلى بيان تموضع سياسي جديد لتيار المستقبل، أعاد من خلاله رسم حدود عودته إلى المشهد، من دون أن يقدّم إعلانًا صريحًا بالعودة الكاملة، ولا تثبيتًا لخيار الانكفاء.
الخطاب حمل توازنًا واضحًا بين خيار العودة ومنطق الحذر، وبين تثبيت الهوية السيادية عبر التمسك الكامل باتفاق الطائف، من دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة أو تسمية حزب الله بالاسم للمرة الثانية على بعد خطاب العام الماضي.
عودة انتخابية… رح تسمعوا أصواتنا وتعدوها
النقطة الأبرز في الخطاب كانت إعلان عودة تيار المستقبل للمشاركة في الحياة السياسية من خلال الانتخابات النيابية. غير أن الحريري تعمّد صياغة موقفه بدقة: لم يُعلن ترشحه شخصيًا، ولم يُعلن المقاطعة أيضًا. قال بوضوح أنّ “أصواتنا ستُسمع وتُحسب” متى حصلت الانتخابات، لكنه في المقابل أطلق في دردشة صحفية عبارته اللافتة: “الجو مش جو انتخابات”في البلد.
هذا التناقض الظاهري يعكس في الواقع مقاربة سياسية مزدوجة. فمن جهة، أعاد إدخال تيار المستقبل إلى المعادلة الانتخابية بعد مرحلة انكفاء أثّرت على التوازن السني وأربكت المشهد الداخلي. ومن جهة أخرى، كان الرجل حذرا في ظل الظروف المعقدة و الانطلاقة المتعثرة لقطار الانتخابات مع عدم حماسة دولية وداخلية لإجرائها في مواعيدها الدستورية.
الرسالة هنا واضحة: الحريري لا يريد خوض معركة شكلية تُكرّس واقعًا يعتبره مختلًا في ميزان الدولة، لكنه أيضًا لا يريد أن يُتهم بترك الساحة أو بالتخلي عن جمهوره. لذلك أبقى مشاركته الشخصية معلّقة، وفتح الباب أمام مشاركة التيار كخطوة أولى، في انتظار تبلور المشهدين الداخلي والإقليمي.
وهذا الأمر ليس تفصيلًا فعودة المستقبل انتخابيًا قد تعيد رسم المشهد على الساحة السنية، باعتباره القوة الأكثر حضورًا شعبيًا وتنظيميًا فيها مع إمكانية حصوله على كتلة نيابية وازنة. وبالتالي فإن لهذه العودة دلالات سياسية ووطنية تتجاوز الحسابات النيابية، وترتبط بتموضع الحريري نفسه، وبطبيعة علاقته مع المملكة العربية السعودية، وبقدرته على إعادة تثبيت مرجعيته داخل بيئته.
الطائف والسلاح: تثبيت المبدأ من دون تسمية
وطنياً أكد الحريري تمسكه الكامل باتفاق الطائف من دون تجزئة، وشدّد على مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة. غير أن اللافت أنه لم يذكر حزب الله بالاسم.
هذا الغياب لم يكن تفصيلًا لغويًا، بل خيارًا سياسيًا محسوبًا. فالحريري أعاد تثبيت موقفه السيادي من خلال التمسك بالمبدأ الدستوري، من دون تحويل الخطاب إلى مواجهة مباشرة مع طرف بعينه. تحدث عن “الدولة” لا عن “الخصم”، وعن “الاختلال البنيوي” لا عن نزاع ظرفي.
بهذه المقاربة، يرفع السقف أمام جمهوره ويعيد تأكيد ثوابته، لكنه في الوقت نفسه يتفادى قطع الجسور أو فتح اشتباك مبكر قد يعقّد حساباته الانتخابية المقبلة. إنها محاولة لإعادة التموضع في المعسكر السيادي، ولكن بنبرة هادئة تسمح بالمناورة.
“الطعن بالظهر”: إعادة صياغة مرحلة الانسحاب
حين أشار الحريري إلى “الطعن بالظهر من ذوي القربى”، كان يقدّم قراءة سياسية لمرحلة انسحابه السابقة، ويوجّه رسالة مبطّنة إلى أكثر من جهة، في الداخل والخارج.
ّسياسيًا، تؤسس هذه العبارة لسردية جديدة مفادها أن الانسحاب لم يكن ضعفًا أو هروبًا، إنما نتيجة خلل في التوازنات أو خيبات من التحالفات.
وإذا كانت العبارة تُقرأ داخليًا في سياق الصراعات السنية، فإنها تُفهم إقليميًا كإشارة غير مباشرة إلى تبدّل أولويات بعض العواصم، من دون تسمية صريحة.
عدم ذكر السعودية ورفض اللعب على الخلافات العربية
في السياق الإقليمي، تعمّد الحريري عدم ذكر المملكة العربية السعودية بالاسم لا سلبًا ولا إيجابًا، كما شدّد على رفض استثمار الخلافات العربية أو الخليجية في الداخل اللبناني.
هذه النقطة مفصلية في فهم تموضعه الجديد. فالحريري حرص على أن يفصل خطابه عن الخلاف الخليجي المباشر خاصة بين السعودية والامارات، ولم يربط عودته بأي محور إقليمي، ولم يقدّم نفسه كجزء من مواجهة عربية – عربية. بل قدّم نفسه كقوة لبنانية تسعى إلى أفضل العلاقات العربية، من دون أن تكون أداة في صراعاتها.
هذا التموضع يخدم ثلاثة أهداف واضحة: حماية استقلالية قراره السياسي، تجنّب إحراجه في حال تبدّلت أولويات العواصم، وإعادة تعريف تيار المستقبل كحالة وطنية مستقلة لا امتدادًا لمحور إقليمي.
عودة تدريجية بانتظار الاختبار
قراءة خطاب 14 شباط تقود إلى خلاصة دقيقة: الحريري لم يعد بالكامل، لكنه لم يبقَ خارج المشهد. أعاد تثبيت مرجعيته السنية، رفع سقف الدولة والسيادة، تجنّب التصعيد المباشر، وأبقى قراره الانتخابي الشخصي معلّقًا على تطورات الداخل والتوازنات الإقليمية.
ويبقى التموضع الجديد لتيار المستقبل رهنًا بردود الفعل المحلية والعربية على حدّ سواء. فمستقبل العلاقة مع المملكة العربية السعودية سيشكّل عاملًا حاسمًا في تحديد سقف الحركة السياسية للحريري، كما أن طبيعة نسيج تحالفاته الداخلية والانتخابية ستكشف ما إذا كانت عودته ستُترجم شراكات متجددة أم اصطفافات تقليدية معدّلة. بين الإشارات السيادية التي رفعها، والحرص على عدم الاصطدام المباشر، تبدو المرحلة المقبلة اختبارًا مزدوجًا: اختبار قبول عربي، واختبار قدرة داخلية على إعادة بناء شبكة تحالفات تواكب تحوّل خطابه من الانكفاء إلى الحضور.
باختصار، بعد 14 شباط، اختار سعد الحريري أن يعود إلى الساحة من باب التموضع الهادئ والحذر: لا مواجهة مفتوحة، ولا تسوية مجانية، ولا اصطفاف خارجي معلن ومن خلال إظهار قدرة كبيرة على استنهاض الشارع أثبتت حضوره الشعبي وعبر مشاركة انتخابية ترشيحًا واقتراعً تضمن له كتلة نيابية وازنة تعيد تثبيت حضوره السياسي والنيابي ما يجعله قوة داخلية صعب تجاهلها. فهل ينجح سعد الحريري في فرض عودته إلى الحياة السياسية على الداخل والخارج شعبيًا وانتخابيًا؟









