المربّي الخفيّ

الكاتب: مرسيل سليم الزيلع | المصدر: Beirut24
16 شباط 2026

بعدَ أنْ كانتِ الشّاشةُ أداةَ تسلية، غَدَتْ مربّيًا صامتا يتسلل غرفَ الأطفال دون استئذان، يغزلُ في مدى نظراتِهم أضواءً ملوّنةً تولد في ردّاتِ فعلِهم عَجَلةً باردةً تنافس الضّوءَ في سرعتِه، وتسلبُهم دفءَ التّأنّي المنشود. فما هي المشكلات التي تخلفُها الشّاشة؟ وهل من حلول ناجعة تستطيع الحد من سلبيّاتها؟

أطفالنا يا سادة يجلسون ساعات وساعات أمام سيل جارف من المقاطع السريعة، أمامَ كمّ هائل منَ الصّور التي تختفي بعدَ ومضة أسرع من ومضةِ البرقِ، أمامَ مشاهد عنيفة وإباحيّة، تجعلهم يُغرّدون خارجَ سرب الحياة على صخب إيقاعات متسارعة مغايرة للمدرسة، لأهل الدّار، لا تشبههم ولا تلائمُ محيطهم، وتمنعهم من أن يعيشوا أعمارَهم. أنّى لعقل  اعتادَ أنْ يقفزَ كل ثانيتين، أن يصبرَ على قراءة نصّ؟ فتلكِ الإثارة الفوريّة التي اعتادَ عليها حَرَمتْهُ لذّةَ انتظارِ ثمار تقطَفُ بعدَ جهد طويل.

من هنا يتحوّلُ الصّفُ إلى عبء، فتمطُّ أرجلها الدّقائقُ ، تطول، تستحيلُ إلى عصور. وُيصبحُ اليومُ الدّراسيّ أطولَ من يومِ الجوع. ويغدو المعلمُ منافسًا ضعيفا أمام شاشة تَخطف الأضواءَ وتجذبُ الانتباهَ.

فيتراجعُ التركيزُ، ويضيقُ صدرُ الصّبر، إلى أن يغدوَ الشّرح مملا، والتدرجُ عبئًا.. فتلك الشاشة التي لم تعلمْه كيف يُروّض انفعالاتِه ويُديرها، تحوّلُ خسارةً بسيطةً إلى معركةِ كرامة ، وتجعلُ أي احتكاك في الملعبِ حلبةَ صراع. لأنّه لمْ يتعلم أن يتعاملَ مع المشكلة، إنّما تَعَلمَ كيفَ يضغطُ زرًا ليُغيّرَ المشهدَ. فلا تظنّوا أنّ المشكلةَ في الشّاشةِ ذاتِها، إنّها في الفراغ الذي تولده، ولا في الهواتفِ نفسِها بلْ في الفوضى التي تدارُ بِها .

وماذا تقولون عن المحتوى السّريع؟ إنّه محتوى فارغ، يُدرِّبُ الدّماغَ على المكافأةِ الفوريّةِ ، ما يجعلُ الطّفلَ يفقدُ القدرةَ على الاستمتاع بالإنجازِ البطيء. وحين تقدمُ الصّورةُ جاهزةً ومُتَحرِّكةً ، يتراجعُ جهدُ التّخيلِ الدّاخلي، ضِفْ إلى أنّ العالمَ الرّقميّ يُتيحُ إعادة المحاولة مرارًا وتكرارًا ، وهذا ما لا يتحقّقُ في الحقيقة على أرض الواقع.

وماذا عنِ الصّمت أمامَ الشّاشة لساعات؟ إنّه صمتُ الضّجيج الذي يُرهِق عقل الطّفل دون أن يشعرَ وتشعروا، إنّه الصّمت القاتل، صمتٌ يُؤدّي إلى تراجع الحوار الأسريِّ، فيحلُّ محل القصص، والنّقاشِ والضّحكِ …

أَسرعوا وَحوِّلوا شاشاتِكم في البيت من مستهلِكة إلى مُنتِجة: علِّموا أولادَكم أنْ يصنعُوا المُحتوى. أنْ يُصوُِّروا قصّةً، أنْ يُعدُّوا تقريرًا، أنْ يُبرمجوا ألعابًا… أنْ وأنْ وأنْ إلى أنْ يُصبحُوا صانِعي ألعاب تحتاجُ إلى تخطيط طويل الأمد، ينخرطُون في العمل الجماعيّ، يُخطّطون ويصبرون. فأوّل وصيّة أسداها لقمان الحكيم لابنه هي الصّبر ” فكُن يا بنيّ رحبَ الصّدرِ “، فلذلك علموهم نعمة الصّبر، ودرّبوهم على تنمية عضلة الصّبر. فمن يصبرْ يُبصِرْ.

خصِّصوا لهم ساعةً يوميّة من دون شاشات، وساعةً مقدّسةً للقراءة، تليها أنشطةٌ يومية تصاعديّة الوقت، وساعةً أخرى للحوار، ولمناقشة ما قرأوا.. حتى يُصبحَ كلُّ ذلك طقسًا عائلايا ثابتا. وسارِعوا إلى إبرامِ عقد بينكم وبينهم يُوقِّعُه الطّرفانِ : يُذكَرُ فيه وقتُ الاستخدام ونوعيّة المُحتوى، و تُحدد فيه عواقبٌ واضحةٌ عندَ الإخلال.

هذا على الصّعيد المنزليّ، أمّا على الصّعيد المدرسيّ فعلموهم الذّكاء العاطفيّ: بحيث تخَصصُ حصصٌ لإدارة الغضب، وأخرى لتقبل الخسارة وحلّ النّزاعات، وساعات إضافيّة لمهارات الحوار. فمتى عرف الطّفل أن يُسمّيَ مشاعرَه، فم الصّعب أن تتحوّلَ تلكَ المشاعرُ إلى عدوانيّة.

نحنُ لا نستطيع منافسة الشّاشة إلّا بالبديل الجذّاب: مسرح، زجل، رحلات… فالتحدّي الأوّل ليس في كسرِ الشاشة، بل في خلق التوازن بين العالمين: الافتراضيّ والواقعيّ . والتّحدّي الأوّل والأخير ألّا يُصبح الطّفلُ عبدًا لما اخترعه الإنسان. والتحدّي الأكبر أن نُعيدَ للبطءِ في عصر السّرعة مكانته، وللانتظارِ قيمته، وللحوار دفئه. فمتى أضأتم بقلوبِكم روحَ طفلكم وهو ينمو بين أضواء الشّاشات يَعِشْ عالمَه الرقميّ من دونِ أن يبتلعَهُ.

المربّي الخفيّ

الكاتب: مرسيل سليم الزيلع | المصدر: Beirut24
16 شباط 2026

بعدَ أنْ كانتِ الشّاشةُ أداةَ تسلية، غَدَتْ مربّيًا صامتا يتسلل غرفَ الأطفال دون استئذان، يغزلُ في مدى نظراتِهم أضواءً ملوّنةً تولد في ردّاتِ فعلِهم عَجَلةً باردةً تنافس الضّوءَ في سرعتِه، وتسلبُهم دفءَ التّأنّي المنشود. فما هي المشكلات التي تخلفُها الشّاشة؟ وهل من حلول ناجعة تستطيع الحد من سلبيّاتها؟

أطفالنا يا سادة يجلسون ساعات وساعات أمام سيل جارف من المقاطع السريعة، أمامَ كمّ هائل منَ الصّور التي تختفي بعدَ ومضة أسرع من ومضةِ البرقِ، أمامَ مشاهد عنيفة وإباحيّة، تجعلهم يُغرّدون خارجَ سرب الحياة على صخب إيقاعات متسارعة مغايرة للمدرسة، لأهل الدّار، لا تشبههم ولا تلائمُ محيطهم، وتمنعهم من أن يعيشوا أعمارَهم. أنّى لعقل  اعتادَ أنْ يقفزَ كل ثانيتين، أن يصبرَ على قراءة نصّ؟ فتلكِ الإثارة الفوريّة التي اعتادَ عليها حَرَمتْهُ لذّةَ انتظارِ ثمار تقطَفُ بعدَ جهد طويل.

من هنا يتحوّلُ الصّفُ إلى عبء، فتمطُّ أرجلها الدّقائقُ ، تطول، تستحيلُ إلى عصور. وُيصبحُ اليومُ الدّراسيّ أطولَ من يومِ الجوع. ويغدو المعلمُ منافسًا ضعيفا أمام شاشة تَخطف الأضواءَ وتجذبُ الانتباهَ.

فيتراجعُ التركيزُ، ويضيقُ صدرُ الصّبر، إلى أن يغدوَ الشّرح مملا، والتدرجُ عبئًا.. فتلك الشاشة التي لم تعلمْه كيف يُروّض انفعالاتِه ويُديرها، تحوّلُ خسارةً بسيطةً إلى معركةِ كرامة ، وتجعلُ أي احتكاك في الملعبِ حلبةَ صراع. لأنّه لمْ يتعلم أن يتعاملَ مع المشكلة، إنّما تَعَلمَ كيفَ يضغطُ زرًا ليُغيّرَ المشهدَ. فلا تظنّوا أنّ المشكلةَ في الشّاشةِ ذاتِها، إنّها في الفراغ الذي تولده، ولا في الهواتفِ نفسِها بلْ في الفوضى التي تدارُ بِها .

وماذا تقولون عن المحتوى السّريع؟ إنّه محتوى فارغ، يُدرِّبُ الدّماغَ على المكافأةِ الفوريّةِ ، ما يجعلُ الطّفلَ يفقدُ القدرةَ على الاستمتاع بالإنجازِ البطيء. وحين تقدمُ الصّورةُ جاهزةً ومُتَحرِّكةً ، يتراجعُ جهدُ التّخيلِ الدّاخلي، ضِفْ إلى أنّ العالمَ الرّقميّ يُتيحُ إعادة المحاولة مرارًا وتكرارًا ، وهذا ما لا يتحقّقُ في الحقيقة على أرض الواقع.

وماذا عنِ الصّمت أمامَ الشّاشة لساعات؟ إنّه صمتُ الضّجيج الذي يُرهِق عقل الطّفل دون أن يشعرَ وتشعروا، إنّه الصّمت القاتل، صمتٌ يُؤدّي إلى تراجع الحوار الأسريِّ، فيحلُّ محل القصص، والنّقاشِ والضّحكِ …

أَسرعوا وَحوِّلوا شاشاتِكم في البيت من مستهلِكة إلى مُنتِجة: علِّموا أولادَكم أنْ يصنعُوا المُحتوى. أنْ يُصوُِّروا قصّةً، أنْ يُعدُّوا تقريرًا، أنْ يُبرمجوا ألعابًا… أنْ وأنْ وأنْ إلى أنْ يُصبحُوا صانِعي ألعاب تحتاجُ إلى تخطيط طويل الأمد، ينخرطُون في العمل الجماعيّ، يُخطّطون ويصبرون. فأوّل وصيّة أسداها لقمان الحكيم لابنه هي الصّبر ” فكُن يا بنيّ رحبَ الصّدرِ “، فلذلك علموهم نعمة الصّبر، ودرّبوهم على تنمية عضلة الصّبر. فمن يصبرْ يُبصِرْ.

خصِّصوا لهم ساعةً يوميّة من دون شاشات، وساعةً مقدّسةً للقراءة، تليها أنشطةٌ يومية تصاعديّة الوقت، وساعةً أخرى للحوار، ولمناقشة ما قرأوا.. حتى يُصبحَ كلُّ ذلك طقسًا عائلايا ثابتا. وسارِعوا إلى إبرامِ عقد بينكم وبينهم يُوقِّعُه الطّرفانِ : يُذكَرُ فيه وقتُ الاستخدام ونوعيّة المُحتوى، و تُحدد فيه عواقبٌ واضحةٌ عندَ الإخلال.

هذا على الصّعيد المنزليّ، أمّا على الصّعيد المدرسيّ فعلموهم الذّكاء العاطفيّ: بحيث تخَصصُ حصصٌ لإدارة الغضب، وأخرى لتقبل الخسارة وحلّ النّزاعات، وساعات إضافيّة لمهارات الحوار. فمتى عرف الطّفل أن يُسمّيَ مشاعرَه، فم الصّعب أن تتحوّلَ تلكَ المشاعرُ إلى عدوانيّة.

نحنُ لا نستطيع منافسة الشّاشة إلّا بالبديل الجذّاب: مسرح، زجل، رحلات… فالتحدّي الأوّل ليس في كسرِ الشاشة، بل في خلق التوازن بين العالمين: الافتراضيّ والواقعيّ . والتّحدّي الأوّل والأخير ألّا يُصبح الطّفلُ عبدًا لما اخترعه الإنسان. والتحدّي الأكبر أن نُعيدَ للبطءِ في عصر السّرعة مكانته، وللانتظارِ قيمته، وللحوار دفئه. فمتى أضأتم بقلوبِكم روحَ طفلكم وهو ينمو بين أضواء الشّاشات يَعِشْ عالمَه الرقميّ من دونِ أن يبتلعَهُ.

مزيد من الأخبار