ماذا يعني الترشّح المبكر للرئيس بري؟

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
17 شباط 2026

عندما قرّر الرئيس نبيه بري أن يتقدّم بترشيحه للانتخابات النيابية في دورة العام 2026، كأول مرشح رسمي، لم يكن في وارد تسجيل رقم قياسي بعدد ترشيحاته منذ العام 1992 من دون انقطاع في سبع دورات متتالية، بل أراد أن يوجه من خلال تبكيره في هذا الترشيح أكثر من رسالة إلى الداخل كما إلى الخارج، ومفادها بكل بساطة أن هذه الانتخابات حاصلة في موعدها الدستوري، على رغم تشكيك

الرئيس سعد الحريري في حصولها. وهذا التناقض بين موقفي كل من بري والحريري يقود حتمًا إلى استنتاج واحد، وهو إدخال اللبنانيين، مغتربين ومقيمين، في دوامة من الغموض غير المسبوق في تاريخ الانتخابات النيابية في لبنان، مع أن معظم القوى السياسية تتصرّف، من خلال استعداداتها القائمة على قدم وساق، وكأن المعركة الانتخابية حاصلة غدًا.

ففي بلد اعتاد أن تتحول فيه الاستحقاقات الدستورية إلى ساحات اختبار للتوازنات الإقليمية قبل أن تكون محطات ديمقراطية داخلية، لا يمكن إذًا التعامل مع إعلان الترشح المبكر للرئيس بري بوصفه خطوة إجرائية عادية. فهذه الخطوة تحمل رسالة سياسية واضحة، وهي تثبيت مبدأ سبق أن حسمه بأن الانتخابات قائمة في موعدها، وأن المؤسسات لا تزال قادرة نظريًا على إنتاج استمرارية دستورية على رغم الانهيار الذي يضغط على الدولة.

فالرئيس بري، بوصفه أحد أعمدة النظام الحالي، يعرف أن فتح باب الترشيحات ليس مجرد إجراء إداري، بل اختبار لنية السلطة باحترام المهل الدستورية. لذلك يمكن قراءة ترشحه المبكر كإشارة طمأنة داخلية وخارجية بأن المسار الدستوري لم يسقط بعد، وأن هناك من يريد إبقاء اللعبة السياسية ضمن قواعدها، حتى ولو كانت هشّة.

لكن في المقابل، يأتي تشكيك الرئيس الحريري، في الذكرى الـ 21 لاغتيال والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، بإمكانية إجراء الانتخابات، ليعكس القلق العميق من هشاشة الواقع اللبناني. فالحريري يستحضر ذاكرة بلد سبق أن مدّد لمجلسه النيابي مرات عدة تحت عناوين أمنية وسياسية، وهو يدرك أن أي حادث أمني أو انفجار سياسي قد يتحول سريعًا إلى مبرر جاهز للتأجيل.

والمفارقة هنا هي أن هذا التشكيك يتزامن مع مشهد ميداني معاكس تمامًا. فالقوى السياسية تتصرف وكأن الانتخابات ستجري غدًا، حيث نشهد تفعيلًا للماكينات الانتخابية، مع اعداد متقن للوائح الأولية، التي تُناقَش من كل جوانبها اللوجستية، وذلك تحضيرًا لتحالفات تُطبخ على نار هادئة ومن تحت الطاولات، إذ أن كل فريق يحاول الاحتفاظ بأوراقه مستورة إلى حين نضوج ما يُطبخ في المطابخ السياسية الأساسية الكبرى، بالتزامن مع بدء ضخ كمّ هائل من الأرقام حول الاحجام من خلال استطلاعات الرأي، التي تُجرى بوتيرة مكثفة. حتى أن الخطاب السياسي بدأ يستعيد نبرة الحملات الانتخابية المبكرة. فهذا الاستنفار اللوجستي يعكس قناعة لدى معظم الأطراف بأن الاستعداد واجب، لأن كلفة المفاجأة أعلى من كلفة الجهوزية.

وهنا تكمن المفارقة اللبنانية الدائمة. فالطبقة السياسية تستعد بجدية، لكنها لا تثق كليًا بأن الاستحقاق محصّن. الجميع يعمل على فرضية أن الانتخابات ستحصل، فيما يحتفظون في الوقت نفسه بخطة بديلة إذا سقطت. إنها سياسة إدارة الاحتمالين معًا بين الجهوزية الكاملة والشك الكامل.

فبين رسالة الطمأنة التي يمثلها ترشّح بري ورسالة التحذير التي يعبّر عنها الحريري، وبين الاستعدادات اللوجستية المحمومة والهواجس السياسية الثقيلة، يقف اللبنانيون أمام سؤال يتجاوز موعد الانتخابات نفسه، وهو: هل أصبح احترام المهل الدستورية خيارًا ثابتًا، أم لا يزال رهينة الظرف الإقليمي والأمني؟

فالانتخابات اليوم تبدو كأنها حاصلة لا محالة من خلال سلوكية القوى السياسية، لكنها تبقى في الوعي الجماعي استحقاقًا غير محصّن حتى اللحظة الأخيرة. وهذه المؤشرات تكفي وحدها لتلخيص طبيعة النظام اللبناني. ففي بلد يعيش دائمًا بين الاستعداد الكامل واللايقين الكامل تبقى المفاجآت سيدة المواقف، ويبقى الرهان على المتغيرات الخارجية أصدق إنباءً من الكتب، مع الإشارة إلى الفتوى المهمة، التي أصدرتها هيئة التشريع والاستشارات ردًا على طلب وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار وسؤاله لها عن اقتراع المغتربين، جاءت على أنه يحق للمغتربين التصويت من الخارج لـ 128 نائبا في الدوائر الانتخابية الـ 15 اسوة بما جرى في الانتخابات النيابية الماضية عام 2022. وهذه الفتوى من شأنها أن تفتح الباب واسعًا أمام المزيد من الأخذ والردّ، والمزيد من الغموض باعتبار أن هذه الفتوى غير ملزمة لا للحكومة ولا لمجلس النواب.

ماذا يعني الترشّح المبكر للرئيس بري؟

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
17 شباط 2026

عندما قرّر الرئيس نبيه بري أن يتقدّم بترشيحه للانتخابات النيابية في دورة العام 2026، كأول مرشح رسمي، لم يكن في وارد تسجيل رقم قياسي بعدد ترشيحاته منذ العام 1992 من دون انقطاع في سبع دورات متتالية، بل أراد أن يوجه من خلال تبكيره في هذا الترشيح أكثر من رسالة إلى الداخل كما إلى الخارج، ومفادها بكل بساطة أن هذه الانتخابات حاصلة في موعدها الدستوري، على رغم تشكيك

الرئيس سعد الحريري في حصولها. وهذا التناقض بين موقفي كل من بري والحريري يقود حتمًا إلى استنتاج واحد، وهو إدخال اللبنانيين، مغتربين ومقيمين، في دوامة من الغموض غير المسبوق في تاريخ الانتخابات النيابية في لبنان، مع أن معظم القوى السياسية تتصرّف، من خلال استعداداتها القائمة على قدم وساق، وكأن المعركة الانتخابية حاصلة غدًا.

ففي بلد اعتاد أن تتحول فيه الاستحقاقات الدستورية إلى ساحات اختبار للتوازنات الإقليمية قبل أن تكون محطات ديمقراطية داخلية، لا يمكن إذًا التعامل مع إعلان الترشح المبكر للرئيس بري بوصفه خطوة إجرائية عادية. فهذه الخطوة تحمل رسالة سياسية واضحة، وهي تثبيت مبدأ سبق أن حسمه بأن الانتخابات قائمة في موعدها، وأن المؤسسات لا تزال قادرة نظريًا على إنتاج استمرارية دستورية على رغم الانهيار الذي يضغط على الدولة.

فالرئيس بري، بوصفه أحد أعمدة النظام الحالي، يعرف أن فتح باب الترشيحات ليس مجرد إجراء إداري، بل اختبار لنية السلطة باحترام المهل الدستورية. لذلك يمكن قراءة ترشحه المبكر كإشارة طمأنة داخلية وخارجية بأن المسار الدستوري لم يسقط بعد، وأن هناك من يريد إبقاء اللعبة السياسية ضمن قواعدها، حتى ولو كانت هشّة.

لكن في المقابل، يأتي تشكيك الرئيس الحريري، في الذكرى الـ 21 لاغتيال والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، بإمكانية إجراء الانتخابات، ليعكس القلق العميق من هشاشة الواقع اللبناني. فالحريري يستحضر ذاكرة بلد سبق أن مدّد لمجلسه النيابي مرات عدة تحت عناوين أمنية وسياسية، وهو يدرك أن أي حادث أمني أو انفجار سياسي قد يتحول سريعًا إلى مبرر جاهز للتأجيل.

والمفارقة هنا هي أن هذا التشكيك يتزامن مع مشهد ميداني معاكس تمامًا. فالقوى السياسية تتصرف وكأن الانتخابات ستجري غدًا، حيث نشهد تفعيلًا للماكينات الانتخابية، مع اعداد متقن للوائح الأولية، التي تُناقَش من كل جوانبها اللوجستية، وذلك تحضيرًا لتحالفات تُطبخ على نار هادئة ومن تحت الطاولات، إذ أن كل فريق يحاول الاحتفاظ بأوراقه مستورة إلى حين نضوج ما يُطبخ في المطابخ السياسية الأساسية الكبرى، بالتزامن مع بدء ضخ كمّ هائل من الأرقام حول الاحجام من خلال استطلاعات الرأي، التي تُجرى بوتيرة مكثفة. حتى أن الخطاب السياسي بدأ يستعيد نبرة الحملات الانتخابية المبكرة. فهذا الاستنفار اللوجستي يعكس قناعة لدى معظم الأطراف بأن الاستعداد واجب، لأن كلفة المفاجأة أعلى من كلفة الجهوزية.

وهنا تكمن المفارقة اللبنانية الدائمة. فالطبقة السياسية تستعد بجدية، لكنها لا تثق كليًا بأن الاستحقاق محصّن. الجميع يعمل على فرضية أن الانتخابات ستحصل، فيما يحتفظون في الوقت نفسه بخطة بديلة إذا سقطت. إنها سياسة إدارة الاحتمالين معًا بين الجهوزية الكاملة والشك الكامل.

فبين رسالة الطمأنة التي يمثلها ترشّح بري ورسالة التحذير التي يعبّر عنها الحريري، وبين الاستعدادات اللوجستية المحمومة والهواجس السياسية الثقيلة، يقف اللبنانيون أمام سؤال يتجاوز موعد الانتخابات نفسه، وهو: هل أصبح احترام المهل الدستورية خيارًا ثابتًا، أم لا يزال رهينة الظرف الإقليمي والأمني؟

فالانتخابات اليوم تبدو كأنها حاصلة لا محالة من خلال سلوكية القوى السياسية، لكنها تبقى في الوعي الجماعي استحقاقًا غير محصّن حتى اللحظة الأخيرة. وهذه المؤشرات تكفي وحدها لتلخيص طبيعة النظام اللبناني. ففي بلد يعيش دائمًا بين الاستعداد الكامل واللايقين الكامل تبقى المفاجآت سيدة المواقف، ويبقى الرهان على المتغيرات الخارجية أصدق إنباءً من الكتب، مع الإشارة إلى الفتوى المهمة، التي أصدرتها هيئة التشريع والاستشارات ردًا على طلب وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار وسؤاله لها عن اقتراع المغتربين، جاءت على أنه يحق للمغتربين التصويت من الخارج لـ 128 نائبا في الدوائر الانتخابية الـ 15 اسوة بما جرى في الانتخابات النيابية الماضية عام 2022. وهذه الفتوى من شأنها أن تفتح الباب واسعًا أمام المزيد من الأخذ والردّ، والمزيد من الغموض باعتبار أن هذه الفتوى غير ملزمة لا للحكومة ولا لمجلس النواب.

مزيد من الأخبار