قرار الحكومة: تهدئة مؤقتة ومخاطر تضخمية واضحة

الكاتب: محمد فحيلي | المصدر: Beirut24
17 شباط 2026

أقرّ مجلس الوزراء زيادة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، ورفع الضريبة على القيمة المضافة (TVA) بنسبة 1%، بالتوازي مع إقرار زيادة ستة رواتب على أساس راتب القطاع العام، ومنح العسكريين ستة رواتب إضافية على أساس القيمة التي كانت مقررة عام 2019.
القرار يجمع بين مسارين متناقضين في الظاهر: ضخ إنفاق إضافي عبر زيادات في الرواتب، وتمويله عبر ضرائب غير مباشرة تصيب الجميع. لكن عند التدقيق، يظهر أنه مسار واحد: توسيع الكتلة الجارية للدولة وتمويلها من جيوب المواطنين.
الأثر التضخمي: زيادة البنزين ليست مجرد رقم على صفيحة. هي زيادة في كلفة النقل، وفي كلفة توزيع الغذاء، وفي كلفة كل سلعة مستوردة أو منتجة محلياً. ولبنان اقتصاد يعتمد على الاستيراد، ما يعني أن أي ارتفاع في كلفة النقل أو الطاقة ينعكس مباشرة على الأسعار.
أما رفع الضريبة على القيمة المضافة (TVA)، فهو بطبيعته ضريبة تضخمية لأنها تُفرض على الاستهلاك النهائي. أي أنها تصيب الغني والفقير معاً، لكنها تُرهق الفقير أكثر لأنه ينفق نسبة أكبر من دخله على الاستهلاك.
عندما تُجمع هاتان الزيادتان في لحظة واحدة، فإن الرسالة إلى السوق واضحة: الأسعار ستواصل الارتفاع. هكذا يدخل الاقتصاد في حلقة: زيادة رواتب تدفع بإتجاه ارتفاع أسعار وتآكل الزيادة ومن ثم مطالبات جديدة بزيادات إضافية.
تمويل غير مستدام. زيادات الرواتب، خاصة إذا لم تُقرن بإصلاح هيكلي في الإدارة العامة أو ضبط كتلة الأجور، تعني زيادة في الإنفاق الجاري. السؤال الحاسم هو: هل الزيادات الضريبية الجديدة تكفي لتغطية هذه الكلفة بشكل مستدام؟
إذا لم تكفِ، فإن البدائل محدودة وخطيرة: إما تراكم عجز إضافي، أو لجوء غير مباشر إلى التمويل النقدي، أو تأجيل التزامات، أو تحميل الاقتصاد مزيداً من الرسوم لاحقاً.
التوقيت ليس تفصيلاً. في مواسم الصيام، يرتفع الاستهلاك الغذائي عادة، وتزداد الحساسية الاجتماعية تجاه الأسعار. أي زيادة في البنزين أو الضريبة على القيمة المضافة في هذه الفترة تُقرأ كضغط إضافي على الأسر في أكثر لحظات السنة إنفاقاً.
سياسياً، قد يُفهم القرار كخطوة لاحتواء القطاع العام والعسكريين تحديداً، لضمان الاستقرار المؤسسي. لكن اجتماعياً، الرسالة إلى بقية اللبنانيين واضحة: أنتم تموّلون الزيادة.

الحل ليس في تجميد الرواتب، ولا في تجاهل معاناة القطاع العام، بل في إعادة ترتيب الأولويات ضمن إطار إصلاحي واضح.
أولاً، يجب ربط أي زيادة في الإنفاق بإصلاح إداري فعلي: إعادة توزيع الموظفين، إقفال المؤسسات غير المنتجة، رقمنة الإدارة، وقياس الأداء. زيادة الرواتب من دون رفع الإنتاجية تعني ببساطة تضخماً أعلى.
ثانياً، يمكن توسيع القاعدة الضريبية بشكل عادل: مكافحة التهرب الضريبي، إدخال الاقتصاد النقدي إلى الدورة الرسمية، فرض ضريبة تصاعدية حقيقية على الأرباح الكبيرة، وتحسين التحصيل الجمركي.
ثالثاً، إنشاء شبكة أمان اجتماعي موجهة بدقة، لا عبر مبادرات موسمية، بل عبر دعم مباشر للأسر الأكثر هشاشة، ممول بشفافية ومرتبط ببيانات واضحة.
وأخيراً، لا يمكن فصل هذه الإجراءات عن الإصلاح البنيوي للقطاع المصرفي واستعادة الثقة، لأن اقتصاداً بلا ثقة هو اقتصاد تضخمي بطبيعته.
في الخلاصة، قرار الحكومة هذا قد يحقق تهدئة مؤقتة في القطاع العام، لكنه يحمل في طياته مخاطر تضخمية واضحة، خاصة في توقيت حساس اجتماعياً. إذا لم يكن جزءاً من خطة إصلاح شاملة، فإنه قد يتحول إلى حلقة إضافية في سلسلة القرارات التي تعالج العرض لا المرض.
السؤال لم يعد: هل نزيد الرواتب؟
بل: كيف نمنع كل زيادة اليوم من أن تتحول إلى عبء أكبر غداً؟

 

محمد فحيلي، خبير المخاطر المصرفية وباحث في الاقتصاد*

قرار الحكومة: تهدئة مؤقتة ومخاطر تضخمية واضحة

الكاتب: محمد فحيلي | المصدر: Beirut24
17 شباط 2026

أقرّ مجلس الوزراء زيادة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، ورفع الضريبة على القيمة المضافة (TVA) بنسبة 1%، بالتوازي مع إقرار زيادة ستة رواتب على أساس راتب القطاع العام، ومنح العسكريين ستة رواتب إضافية على أساس القيمة التي كانت مقررة عام 2019.
القرار يجمع بين مسارين متناقضين في الظاهر: ضخ إنفاق إضافي عبر زيادات في الرواتب، وتمويله عبر ضرائب غير مباشرة تصيب الجميع. لكن عند التدقيق، يظهر أنه مسار واحد: توسيع الكتلة الجارية للدولة وتمويلها من جيوب المواطنين.
الأثر التضخمي: زيادة البنزين ليست مجرد رقم على صفيحة. هي زيادة في كلفة النقل، وفي كلفة توزيع الغذاء، وفي كلفة كل سلعة مستوردة أو منتجة محلياً. ولبنان اقتصاد يعتمد على الاستيراد، ما يعني أن أي ارتفاع في كلفة النقل أو الطاقة ينعكس مباشرة على الأسعار.
أما رفع الضريبة على القيمة المضافة (TVA)، فهو بطبيعته ضريبة تضخمية لأنها تُفرض على الاستهلاك النهائي. أي أنها تصيب الغني والفقير معاً، لكنها تُرهق الفقير أكثر لأنه ينفق نسبة أكبر من دخله على الاستهلاك.
عندما تُجمع هاتان الزيادتان في لحظة واحدة، فإن الرسالة إلى السوق واضحة: الأسعار ستواصل الارتفاع. هكذا يدخل الاقتصاد في حلقة: زيادة رواتب تدفع بإتجاه ارتفاع أسعار وتآكل الزيادة ومن ثم مطالبات جديدة بزيادات إضافية.
تمويل غير مستدام. زيادات الرواتب، خاصة إذا لم تُقرن بإصلاح هيكلي في الإدارة العامة أو ضبط كتلة الأجور، تعني زيادة في الإنفاق الجاري. السؤال الحاسم هو: هل الزيادات الضريبية الجديدة تكفي لتغطية هذه الكلفة بشكل مستدام؟
إذا لم تكفِ، فإن البدائل محدودة وخطيرة: إما تراكم عجز إضافي، أو لجوء غير مباشر إلى التمويل النقدي، أو تأجيل التزامات، أو تحميل الاقتصاد مزيداً من الرسوم لاحقاً.
التوقيت ليس تفصيلاً. في مواسم الصيام، يرتفع الاستهلاك الغذائي عادة، وتزداد الحساسية الاجتماعية تجاه الأسعار. أي زيادة في البنزين أو الضريبة على القيمة المضافة في هذه الفترة تُقرأ كضغط إضافي على الأسر في أكثر لحظات السنة إنفاقاً.
سياسياً، قد يُفهم القرار كخطوة لاحتواء القطاع العام والعسكريين تحديداً، لضمان الاستقرار المؤسسي. لكن اجتماعياً، الرسالة إلى بقية اللبنانيين واضحة: أنتم تموّلون الزيادة.

الحل ليس في تجميد الرواتب، ولا في تجاهل معاناة القطاع العام، بل في إعادة ترتيب الأولويات ضمن إطار إصلاحي واضح.
أولاً، يجب ربط أي زيادة في الإنفاق بإصلاح إداري فعلي: إعادة توزيع الموظفين، إقفال المؤسسات غير المنتجة، رقمنة الإدارة، وقياس الأداء. زيادة الرواتب من دون رفع الإنتاجية تعني ببساطة تضخماً أعلى.
ثانياً، يمكن توسيع القاعدة الضريبية بشكل عادل: مكافحة التهرب الضريبي، إدخال الاقتصاد النقدي إلى الدورة الرسمية، فرض ضريبة تصاعدية حقيقية على الأرباح الكبيرة، وتحسين التحصيل الجمركي.
ثالثاً، إنشاء شبكة أمان اجتماعي موجهة بدقة، لا عبر مبادرات موسمية، بل عبر دعم مباشر للأسر الأكثر هشاشة، ممول بشفافية ومرتبط ببيانات واضحة.
وأخيراً، لا يمكن فصل هذه الإجراءات عن الإصلاح البنيوي للقطاع المصرفي واستعادة الثقة، لأن اقتصاداً بلا ثقة هو اقتصاد تضخمي بطبيعته.
في الخلاصة، قرار الحكومة هذا قد يحقق تهدئة مؤقتة في القطاع العام، لكنه يحمل في طياته مخاطر تضخمية واضحة، خاصة في توقيت حساس اجتماعياً. إذا لم يكن جزءاً من خطة إصلاح شاملة، فإنه قد يتحول إلى حلقة إضافية في سلسلة القرارات التي تعالج العرض لا المرض.
السؤال لم يعد: هل نزيد الرواتب؟
بل: كيف نمنع كل زيادة اليوم من أن تتحول إلى عبء أكبر غداً؟

 

محمد فحيلي، خبير المخاطر المصرفية وباحث في الاقتصاد*

مزيد من الأخبار