الحكومة والشارع: لعبة حافة الهاوية بالسلاح والانتخابات؟

يبلغ الاحتقان في المجتمع اللبناني درجة متقدمة جداً. احتقان يمكنه أن ينفجر في أي لحظة، وبنتيجة خطأ واحد في أحد الملفات. فالملفات المعيشية والاجتماعية والاقتصادية تجمع مختلف المكونات التي تجد نفسها متضررة من إقرار ضرائب جديدة والتأثر بارتفاع الأسعار. أما الملفات الإشكالية، وخصوصاً سياسياً مثل ملف السلاح أو الانتخابات النيابية، فينقسم اللبنانيون حولها كما القوى السياسية، لكنها أيضاً قد تستخدم في سياق أي انفجار اجتماعي، لأهداف سياسية. وهنا لا بد من التوقف أمام ملاحظات عديدة لفهم السياق كاملاً، خصوصاً في ظل سجالات سياسية حول كيفية تطبيق خطة الجيش اللبناني لحصر السلاح، وكيفية التعامل مع ملف الانتخابات، بين من يريد التأجيل ومن يريد حصولها في موعدها مع المطالبة بإدخال تعديلات على قانون الانتخاب.
شروط سياسية تحكم المساعدات
بداية، وقبل الدخول في أي تفصيل من هذه التفاصيل، فما أصبح مسلماً به، هو أن لبنان يحتكم إلى جملة عوامل سياسية واقتصادية خارجية هي التي تتحكم بمساراته. فمثلاً، لا مساعدات مالية أو اقتصادية أو عسكرية، إلا بناء على الالتزام بشروط سياسية واضحة المعايير، وقد جرى تحديدها على ألسنة المسؤولين الأميركيين والدوليين، كمثل الالتزام بمسار سحب السلاح كلياً، والدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. كما أن أي مساعدات مالية واقتصادية سيكون مرورها محكوماً بالاتفاق مع صندوق النقد، الذي يدعو إلى ترشيق القطاع العام وعدم تحميل المزيد من الأعباء لخزينة الدولة.
تسييس التحرّكات
قبل أشهر، تلقى لبنان تحذيرات دولية كثيرة، كان أبرزها على لسان المبعوث الأميركي توم باراك، بأنه يجب على اللبنانيين الدخول في المسار السياسي الذي ترسمه واشنطن للالتحاق بركب التطورات في المنطقة، كي لا يبقى لبنان على الهامش. ومن بين التحذيرات أنه في حال بقي الوضع على حاله من تجاذب سياسي وعدم قدرة على اتخاذ القرار والحسم في تنفيذه والتأجيل أو المماطلة في ملف السلاح أو غيره، فإن ذلك سيدفع أميركا إلى التخلي عن دعم لبنان، وهو ما قد يتسبب بحصول تظاهرات وتحركات شعبية. مثل هذه التحركات الاحتجاجية لأسباب اقتصادية أو معيشية أو سياسية، سيكون بإمكان جهات كثيرة الدخول عليها وتحويلها إلى تحركات سياسية.
بوادر انفجار؟
وبوضوح أكبر، المطلوب من لبنان دولياً، هو انتهاج مسار واضح ومرضٍ للقوى الدولية، لا أن يبقى هذا البلد متسبّباً بصداع للدول الكبرى على خلفية ملفاته الداخلية والتفصيلية. وتعتبر القوى الخارجية أنها وجهت أكثر من ضربة سياسية أو اقتصادية أو عسكرية للبنان كي يوافق على ما هو مرسوم له، لكنه حتى الآن لم يلتزم. لذا فإن بوادر الانفجار قابلة للاشتعال في أي لحظة. وكانت البروفا الأولى مع جلسة إقرار الموازنة المالية العامة، والتي تزامنت مع تظاهرات للعسكريين المتقاعدين، الذين تمكنوا من الوصول إلى المجلس النيابي وفرض ما يريدونه من شروط. كانت تلك البروفا مؤشراً إلى قدرة جهات متعددة ومتقاطعة على إسقاط الحكومة أو بالحد الأدنى تطويقها.
تفهّم أم فخّ؟
يمكن لهذه البروفا أن تتكرر، ما بعد القرارات التي اتخذتها الحكومة بشأن زيادة الرواتب مقابل فرض ضرائب. وللمفارقة أن هذه القرارات اتُخذت بالتزامن مع تقديم الجيش اللبناني لخطته بشأن حصر السلاح. الغريب جداً في الأمر، أن ملف السلاح الذي كان يعتبر داهماً جداً وعنواناً للانقسام قد مرّ بسلاسة كبيرة داخل الجلسة، وهو ما يفتح المجال أمام تساؤلات كثيرة، أولها أن تنسيقاً حصل قبل الجلسة لتمرير الخطة، بما فيها مهلة زمنية غير محددة بشكل حاسم للعمل في شمال نهر الليطاني، مع ربط الإنجاز بتوفير الظروف. استندت الحكومة، كما الجيش، إلى ما يقال إنه تفهم أميركي للطروحات اللبنانية. ولكن من غير المعلوم ما إذا كان هذا التفهم جدياً، أم أنه فخ معين سيقع فيه لبنان لاحقاً، خصوصاً أن لا واشنطن ولا تل أبيب تبدوان في وارد القبول بأي مماطلة لبنانية، ولا بأي صيغة تُعتبر توافقية في الداخل.
قدرات الجيش
اللافت أيضاً، أن الجيش اللبناني لا يمتلك العديد والعتاد الكافي للعمل في شمال الليطاني، خصوصاً أنه ينشر في جنوب الليطاني حوالى 10 آلاف عنصر، كما أنه ينشر فرقاً وألوية عسكرية في مناطق متعددة، وهو غير قادر على سحبها، ما يعني أنه سيكون بحاجة للتطويع، فيما الأموال غير متوفرة. واللافت أنه بالتزامن جاءت قرارات الحكومة بفرض ضرائب لرفع الرواتب، وذلك ما أسهم في تحريك الشارع والدعوات إلى قطع الطرقات، ما يفرض على الجيش الانتشار في بيروت وعلى الطرقات العامة لمنع قطع الطرقات. وهنا سيكون الجيش منشغلاً بمعالجة الأوضاع الداخلية، بدلاً من العمل على سحب السلاح وتطبيق الخطة.
مصير الانتخابات على المحك
استحقاق آخر يبدو مرتبطاً بهذه التحركات أيضاً، وهو ملف الانتخابات النيابية، التي يبحث كثر عن كيفية تطييرها، إذ يمكن للاحتجاجات والتحركات الشعبية أن تسهم في تأجيل الانتخابات المختلف حول قانونها وكيفية تعديله، ذلك بنتيجة الأوضاع الأمنية المتأتية من التظاهرات والتحركات، أو بالحد الأدنى، يمكن لهذه التحركات أن تسهم في تطويق الحكومة أكثر فأكثر، ومحاصرتها بملفات ضاغطة عليها وعلى اللبنانيين، إن لم تصل الأمور إلى درجة محاولة إسقاط الحكومة، وهو خيار سيكون قائماً وممكناً في أيّة لحظة تتضارب فيها الرؤى والطروحات، خصوصاً في ما يتعلق بالانتخابات النيابية أو بمواكبة الاستحقاقات المدفوعة بضغوط خارجية، ولا سيما ملف السلاح.
الحكومة والشارع: لعبة حافة الهاوية بالسلاح والانتخابات؟

يبلغ الاحتقان في المجتمع اللبناني درجة متقدمة جداً. احتقان يمكنه أن ينفجر في أي لحظة، وبنتيجة خطأ واحد في أحد الملفات. فالملفات المعيشية والاجتماعية والاقتصادية تجمع مختلف المكونات التي تجد نفسها متضررة من إقرار ضرائب جديدة والتأثر بارتفاع الأسعار. أما الملفات الإشكالية، وخصوصاً سياسياً مثل ملف السلاح أو الانتخابات النيابية، فينقسم اللبنانيون حولها كما القوى السياسية، لكنها أيضاً قد تستخدم في سياق أي انفجار اجتماعي، لأهداف سياسية. وهنا لا بد من التوقف أمام ملاحظات عديدة لفهم السياق كاملاً، خصوصاً في ظل سجالات سياسية حول كيفية تطبيق خطة الجيش اللبناني لحصر السلاح، وكيفية التعامل مع ملف الانتخابات، بين من يريد التأجيل ومن يريد حصولها في موعدها مع المطالبة بإدخال تعديلات على قانون الانتخاب.
شروط سياسية تحكم المساعدات
بداية، وقبل الدخول في أي تفصيل من هذه التفاصيل، فما أصبح مسلماً به، هو أن لبنان يحتكم إلى جملة عوامل سياسية واقتصادية خارجية هي التي تتحكم بمساراته. فمثلاً، لا مساعدات مالية أو اقتصادية أو عسكرية، إلا بناء على الالتزام بشروط سياسية واضحة المعايير، وقد جرى تحديدها على ألسنة المسؤولين الأميركيين والدوليين، كمثل الالتزام بمسار سحب السلاح كلياً، والدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. كما أن أي مساعدات مالية واقتصادية سيكون مرورها محكوماً بالاتفاق مع صندوق النقد، الذي يدعو إلى ترشيق القطاع العام وعدم تحميل المزيد من الأعباء لخزينة الدولة.
تسييس التحرّكات
قبل أشهر، تلقى لبنان تحذيرات دولية كثيرة، كان أبرزها على لسان المبعوث الأميركي توم باراك، بأنه يجب على اللبنانيين الدخول في المسار السياسي الذي ترسمه واشنطن للالتحاق بركب التطورات في المنطقة، كي لا يبقى لبنان على الهامش. ومن بين التحذيرات أنه في حال بقي الوضع على حاله من تجاذب سياسي وعدم قدرة على اتخاذ القرار والحسم في تنفيذه والتأجيل أو المماطلة في ملف السلاح أو غيره، فإن ذلك سيدفع أميركا إلى التخلي عن دعم لبنان، وهو ما قد يتسبب بحصول تظاهرات وتحركات شعبية. مثل هذه التحركات الاحتجاجية لأسباب اقتصادية أو معيشية أو سياسية، سيكون بإمكان جهات كثيرة الدخول عليها وتحويلها إلى تحركات سياسية.
بوادر انفجار؟
وبوضوح أكبر، المطلوب من لبنان دولياً، هو انتهاج مسار واضح ومرضٍ للقوى الدولية، لا أن يبقى هذا البلد متسبّباً بصداع للدول الكبرى على خلفية ملفاته الداخلية والتفصيلية. وتعتبر القوى الخارجية أنها وجهت أكثر من ضربة سياسية أو اقتصادية أو عسكرية للبنان كي يوافق على ما هو مرسوم له، لكنه حتى الآن لم يلتزم. لذا فإن بوادر الانفجار قابلة للاشتعال في أي لحظة. وكانت البروفا الأولى مع جلسة إقرار الموازنة المالية العامة، والتي تزامنت مع تظاهرات للعسكريين المتقاعدين، الذين تمكنوا من الوصول إلى المجلس النيابي وفرض ما يريدونه من شروط. كانت تلك البروفا مؤشراً إلى قدرة جهات متعددة ومتقاطعة على إسقاط الحكومة أو بالحد الأدنى تطويقها.
تفهّم أم فخّ؟
يمكن لهذه البروفا أن تتكرر، ما بعد القرارات التي اتخذتها الحكومة بشأن زيادة الرواتب مقابل فرض ضرائب. وللمفارقة أن هذه القرارات اتُخذت بالتزامن مع تقديم الجيش اللبناني لخطته بشأن حصر السلاح. الغريب جداً في الأمر، أن ملف السلاح الذي كان يعتبر داهماً جداً وعنواناً للانقسام قد مرّ بسلاسة كبيرة داخل الجلسة، وهو ما يفتح المجال أمام تساؤلات كثيرة، أولها أن تنسيقاً حصل قبل الجلسة لتمرير الخطة، بما فيها مهلة زمنية غير محددة بشكل حاسم للعمل في شمال نهر الليطاني، مع ربط الإنجاز بتوفير الظروف. استندت الحكومة، كما الجيش، إلى ما يقال إنه تفهم أميركي للطروحات اللبنانية. ولكن من غير المعلوم ما إذا كان هذا التفهم جدياً، أم أنه فخ معين سيقع فيه لبنان لاحقاً، خصوصاً أن لا واشنطن ولا تل أبيب تبدوان في وارد القبول بأي مماطلة لبنانية، ولا بأي صيغة تُعتبر توافقية في الداخل.
قدرات الجيش
اللافت أيضاً، أن الجيش اللبناني لا يمتلك العديد والعتاد الكافي للعمل في شمال الليطاني، خصوصاً أنه ينشر في جنوب الليطاني حوالى 10 آلاف عنصر، كما أنه ينشر فرقاً وألوية عسكرية في مناطق متعددة، وهو غير قادر على سحبها، ما يعني أنه سيكون بحاجة للتطويع، فيما الأموال غير متوفرة. واللافت أنه بالتزامن جاءت قرارات الحكومة بفرض ضرائب لرفع الرواتب، وذلك ما أسهم في تحريك الشارع والدعوات إلى قطع الطرقات، ما يفرض على الجيش الانتشار في بيروت وعلى الطرقات العامة لمنع قطع الطرقات. وهنا سيكون الجيش منشغلاً بمعالجة الأوضاع الداخلية، بدلاً من العمل على سحب السلاح وتطبيق الخطة.
مصير الانتخابات على المحك
استحقاق آخر يبدو مرتبطاً بهذه التحركات أيضاً، وهو ملف الانتخابات النيابية، التي يبحث كثر عن كيفية تطييرها، إذ يمكن للاحتجاجات والتحركات الشعبية أن تسهم في تأجيل الانتخابات المختلف حول قانونها وكيفية تعديله، ذلك بنتيجة الأوضاع الأمنية المتأتية من التظاهرات والتحركات، أو بالحد الأدنى، يمكن لهذه التحركات أن تسهم في تطويق الحكومة أكثر فأكثر، ومحاصرتها بملفات ضاغطة عليها وعلى اللبنانيين، إن لم تصل الأمور إلى درجة محاولة إسقاط الحكومة، وهو خيار سيكون قائماً وممكناً في أيّة لحظة تتضارب فيها الرؤى والطروحات، خصوصاً في ما يتعلق بالانتخابات النيابية أو بمواكبة الاستحقاقات المدفوعة بضغوط خارجية، ولا سيما ملف السلاح.










