سائق التاكسي الذي سيدفعُ “ثمن الرواتب”

الكاتب: سينتيا سركيس | المصدر: موقع mtv
18 شباط 2026

كلنا سندفع، وقد بدأنا، لتمويل الزيادة على رواتب القطاع العام.
فالدولة التي عجزت عن ضبط التهرّب الضريبي، أو إعادة هيكلة إداراتها المترهّلة التي ساكنت السياسة وأوحالها، ها هي تجد الحلّ الأسرع والأوفر لها: الضريبة على البنزين. فالجميع يستهلك الوقود، ما يعني اننا كلنا “أكلنا الضرب”.

لكن الحقّ يُقال هنا، هناك من ستتحوّل جيوبه إلى مضخّة للرواتب، لأن لا شيء في لبنان يحصل بالتساوي باستثناء الذل. الزيادة على رواتب القطاع العام سيموّلها القطاع الخاص، كالعادة، وأصحاب المهن الحرّة، وسائقو الأجرة، وكلّ من يديرُ محرّك سيارته.
سائق التاكسي، هو الضحية الاولى لانعدام التخطيط البنّاء، والانصياع إلى الحلول غير المُنصفة. فكلّ ليرة تُضاف على صفيحة البنزين تعني ساعات أطول خلف المقود، فيصبح عمله والوقود المستهلك، عبئا يوميا متراكما، وبالتالي يوضع أمام مشكلتين: إما يرفع التعرفة وهو الامر الذي سيتسبّب بنقمةٍ عند الركاب الذين أيضا تآكل مدخولهم بفعل زيادة الضرائب وارتفاع أسعار غالبية المواد، وإما يبقى على التسعيرة نفسها فيتآكل مدخوله. وبين هذين الخيارين، وحده هو من سيدفع الفرق.
حالُ سائق التاكسي تشبه حال سائق الباص الذي ينقل التلاميذ والموظفين يوميّا، والذي يعملُ بهامشِ ربحٍ ضيّق، وأي زيادة على سعر البنزين إنما ستؤثّر بشكلٍ مباشر على مدخوله.

اقتصادٌ آخر سيدفعُ الثمن، وهو اقتصادُ التطبيقات إن أمكن القول. التطبيقات التي باتت الرقم واحد في عالم البيع والشراء، مع الاتّكال بشكل أساس على عمّال “delivery” لتوصيل الطلبيات إلى مختلف المناطق. وهؤلاء أيضا سيأكلون الحصرم، فكلفة تشغيل دراجاتهم النارية سترتفع مع رفع سعر البنزين ومن دون قدرة على رفع سعر التوصيل، لان ذلك من شأنه أن يلغي ربما عملية الشراء. وهكذا يصبحُ كلّ كيلومتر إضافي يقطعونه إنما هو استهلاكٌ إضافيّ للقمة عيشهم.
الموظف العادي في شركة صغيرة، والذي بالكاد يكفيه راتبه، سيضطرّ أن يدفع أكثر ليصل إلى مكان عمله، من دون ان يكون معنيّا بالإضافات التي حصل عليها موظفو القطاع العام.
حتى المزارع لن يكون في منأى، فهو الذي سيتكلّف أكثر لنقل إنتاجه إلى الأسواق، كما أن الشاحنات التي تنقلُ الخضار والفاكهة سترفعُ أسعارها لتعويض فرق البنزين… والنتيجة هنا، أسعار سترتفع على المستهلكين، ومن ضمن هؤلاء سائق التاكسي وعامل التوصيل، ومن ضمنهم أيضا موظفو القطاع العام الذين فُرضت الضرائب من اجل رفع رواتبهم.

باختصار الضريبة هذه ستُفرض على الجميع من دون استثناء لتمويل زيادة لصالح فئةٍ واحدة ومحدّدة، لأننا جميعا نستهلك الوقود، خصوصا في بلدٍ يعتمد بشكل أساس على السيارات الخاصة. ورفع كلفة النقل، يرفع أسعار السلع، وبالتالي ترتفع كلفة الخدمات، فتتآكل القدرة الشرائية.
وهكذا نغرقُ، أو بالأحرى يُغرقوننا في الدوامة عينها: زيادة تُموَّل بضريبة، وضريبة تخلق تضخماً، وتضخّم يأكل الزيادة… وبالنتيجة، نأكل جميعًا الضرب.

سائق التاكسي الذي سيدفعُ “ثمن الرواتب”

الكاتب: سينتيا سركيس | المصدر: موقع mtv
18 شباط 2026

كلنا سندفع، وقد بدأنا، لتمويل الزيادة على رواتب القطاع العام.
فالدولة التي عجزت عن ضبط التهرّب الضريبي، أو إعادة هيكلة إداراتها المترهّلة التي ساكنت السياسة وأوحالها، ها هي تجد الحلّ الأسرع والأوفر لها: الضريبة على البنزين. فالجميع يستهلك الوقود، ما يعني اننا كلنا “أكلنا الضرب”.

لكن الحقّ يُقال هنا، هناك من ستتحوّل جيوبه إلى مضخّة للرواتب، لأن لا شيء في لبنان يحصل بالتساوي باستثناء الذل. الزيادة على رواتب القطاع العام سيموّلها القطاع الخاص، كالعادة، وأصحاب المهن الحرّة، وسائقو الأجرة، وكلّ من يديرُ محرّك سيارته.
سائق التاكسي، هو الضحية الاولى لانعدام التخطيط البنّاء، والانصياع إلى الحلول غير المُنصفة. فكلّ ليرة تُضاف على صفيحة البنزين تعني ساعات أطول خلف المقود، فيصبح عمله والوقود المستهلك، عبئا يوميا متراكما، وبالتالي يوضع أمام مشكلتين: إما يرفع التعرفة وهو الامر الذي سيتسبّب بنقمةٍ عند الركاب الذين أيضا تآكل مدخولهم بفعل زيادة الضرائب وارتفاع أسعار غالبية المواد، وإما يبقى على التسعيرة نفسها فيتآكل مدخوله. وبين هذين الخيارين، وحده هو من سيدفع الفرق.
حالُ سائق التاكسي تشبه حال سائق الباص الذي ينقل التلاميذ والموظفين يوميّا، والذي يعملُ بهامشِ ربحٍ ضيّق، وأي زيادة على سعر البنزين إنما ستؤثّر بشكلٍ مباشر على مدخوله.

اقتصادٌ آخر سيدفعُ الثمن، وهو اقتصادُ التطبيقات إن أمكن القول. التطبيقات التي باتت الرقم واحد في عالم البيع والشراء، مع الاتّكال بشكل أساس على عمّال “delivery” لتوصيل الطلبيات إلى مختلف المناطق. وهؤلاء أيضا سيأكلون الحصرم، فكلفة تشغيل دراجاتهم النارية سترتفع مع رفع سعر البنزين ومن دون قدرة على رفع سعر التوصيل، لان ذلك من شأنه أن يلغي ربما عملية الشراء. وهكذا يصبحُ كلّ كيلومتر إضافي يقطعونه إنما هو استهلاكٌ إضافيّ للقمة عيشهم.
الموظف العادي في شركة صغيرة، والذي بالكاد يكفيه راتبه، سيضطرّ أن يدفع أكثر ليصل إلى مكان عمله، من دون ان يكون معنيّا بالإضافات التي حصل عليها موظفو القطاع العام.
حتى المزارع لن يكون في منأى، فهو الذي سيتكلّف أكثر لنقل إنتاجه إلى الأسواق، كما أن الشاحنات التي تنقلُ الخضار والفاكهة سترفعُ أسعارها لتعويض فرق البنزين… والنتيجة هنا، أسعار سترتفع على المستهلكين، ومن ضمن هؤلاء سائق التاكسي وعامل التوصيل، ومن ضمنهم أيضا موظفو القطاع العام الذين فُرضت الضرائب من اجل رفع رواتبهم.

باختصار الضريبة هذه ستُفرض على الجميع من دون استثناء لتمويل زيادة لصالح فئةٍ واحدة ومحدّدة، لأننا جميعا نستهلك الوقود، خصوصا في بلدٍ يعتمد بشكل أساس على السيارات الخاصة. ورفع كلفة النقل، يرفع أسعار السلع، وبالتالي ترتفع كلفة الخدمات، فتتآكل القدرة الشرائية.
وهكذا نغرقُ، أو بالأحرى يُغرقوننا في الدوامة عينها: زيادة تُموَّل بضريبة، وضريبة تخلق تضخماً، وتضخّم يأكل الزيادة… وبالنتيجة، نأكل جميعًا الضرب.

مزيد من الأخبار