مجلس “السلام عليكم أو الحرب أمامكم”!

الكاتب: منير الربيع | المصدر: المدن
19 شباط 2026

“مجلس السلام” هو المجلس الذي يريده الرئيس الأميركي دونالد ترامب كمنصة لإدارة شؤون العالم. بدأت فكرته مع وقف الحرب على غزة وتشكيل لجنة دولية للإشراف على إدارة شؤون القطاع. لكن الفكرة تطورت، ووسّع ترامب من دعواته لانضمام العديد من الدول إليه، لعله يصبح مرادفاً لمجلس الأمن الدولي الذي لا تعترف به الإدارة الأميركية. تنعقد الجلسة الأولى لهذا المجلس في ظل زيادة إسرائيل لمنسوب عملياتها العسكرية في غزة وتشديد الخناق على سكان القطاع، بالإضافة إلى توسيع سياسة الاستيطان في الضفة الغربية وضرب أي محاولة لبناء دولة فلسطينية، كما أنه ينعقد في ظل تحشيد عسكري أميركي لا مثيل له في الشرق الأوسط استعداداً لخوض عملية عسكرية ضد إيران. 

مفهوم السلام!

هي محطة جديدة من المحطات الأميركية التي تدعو فيها الولايات المتحدة إلى تكريس مفهوم السلام. بعد مؤتمر مدريد للسلام، طرحت معادلة “الأرض مقابل السلام”، التي لم يتحقق منها شيء. لا بل كان اليمين الإسرائيلي أبرز نتاجاتها، والذي شرع في رفض كل الطروحات والقضاء على اتفاق أوسلو، وعلى غيرها من المبادرات. اليوم، هذا اليمين الإسرائيلي هو الذي يخوض حرباً على المنطقة، ويلقى دعماً وتعاطفاً من دونالد ترامب بوصفه رئيساً أميركياً يمثل أقصى اليمين. لعلّ النتيجة الأقرب لمجلس السلام هذا هي في “السلام على العالم” أو على ما عرفته الدول منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، وخلق مفهوم جديد للإدارة السياسية على المستوى العالمي ترتكز على مفهوم القوة، التي لا يعترف ترامب بغيرها، ويستند إليها وفق مفهومه لإرساء السلام. فهو الذي ينظر إلى أوروبا كقارة ضعيفة ومترهلة، يوجه لها النصائح بضرورة الالتحاق بكل ما تريده أميركا تحت إدارته، من غرينلاند إلى رؤيته لوقف الحرب الروسية الأوكرانية وفق صيغة تتعارض كلياً مع طروحات أوكرانيا والدول الأوروبية. 

الحلف الأميركي والحلف المقابل

عملياً، مجلس السلام هو تكريس لحلف أميركي إسرائيلي قديم واستراتيجي، في سياق ترتيب الإدارة الأميركية للمنطقة. ويبدو كأنه إنشاء مجلس إدارة للمنطقة أو العالم، رئيسه هو دونالد ترامب، ونائبه هو بنيامين نتنياهو، والمطلوب من كل الدول المشاركة أن تكون شريكة أو أعضاء في مجلس الإدارة، ولكن بلا أي صلاحيات. في المقابل، فإن العمل على إنشاء تحالف إقليمي، وخصوصاً بين دول الخليج، مصر وتركيا مع ضمّ سوريا والأردن ولبنان وحتى مع إيران، بإمكانه أن يسعى للحد من الخسائر والتصدي لهذا المشروع، وإلا فإن المنطقة كلها ستسقط في الفلك الإسرائيلي على نحو مدمّر. 

تغيّر الأجندات الكبرى

نظرية ترامب التي يسعى إلى تكريسها، يقدمها كخلاصة لتجارب عدّة للولايات المتحدة الأميركية، خصوصاً منذ ولاية جورج بوش الأب في العام 1990، بعد الحدثين الأساسيين، أي انهيار الاتحاد السوفييتي وحرب تحرير الكويت. وبعدها تجربة بيل كلينتون مع حرب البلقان، من ثم صدمة 11 أيلول مع جورج بوش الإبن، وما تلاها في حربي أفغانستان والعراق، وصولاً إلى الربيع العربي ومآلاته، وبعدها الحرب الروسية على أوكرانيا التي جاءت بعد دفن الثورات الملونة، وصلت أميركا إلى خلاصة ترامبية قوامها هزال أو ضعف الأمم المتحدة وضعف أوروبا وصعود الشعبوية، وتقدم الاعتبارات الاقتصادية على أي اعتبار آخر، وتغير الأجندات الكبرى لتحتل فيها الحروب التجارية والهجرة والطاقة ومسائل البيئة الأولوية على ما عداها من قضايا. 

الخروج على المبادئ المعروفة 

من ضحايا هذا التغير كل السياسات والمبادئ لفض النزاعات وصوغ مبادرات السلام في كل انحاء العالم. وعلى هذا النحو، فإن كل إرث مؤتمر مدريد للسلام، والمبادرة العربية للسلام، وكل قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة لم يعد له أي حسبان في صناعة السياسة الأميركية. هناك قناعة ترامبية بالخروج على أي مبادئ تتعلق بحق تقرير المصير وحرمة سيادة الدول على أراضيها ومواطنيها، والقطع مع كل المسلمات التي تعايش معها العالم بخصوص الحروب. هذه كلها عمِل ترامب على إزاحتها بمجرد حديثه عن إنهاء الحروب، بينما هي تبقى مشتعلة وقائمة. فهو ينظر إلى نفسه كشخص أوقف الحرب على غزة، فيما عمليات القتل الإسرائيلية مستمرة وكذلك مشروع التهجير، الأمر الذي يستفحل فيه الإسرائيليون أكثر في خططهم لضم الضفة الغربية وتهجير أهلها. كذلك فإن الحرب على لبنان مستمرة، وإن بوتيرة أخف. حتى أن احتمالات الحرب على إيران تبقى قائمة، أما تجنبها فهو بتقديم إيران الثمن الذي تريده أميركا إما بالحرب أو من دونها. فمجلس السلام هذا يفترض أن يشرف على إرساء السلام على أرض فلسطين، التي وصلت إلى مرحلة سلب الأرض منها، وتواجه مشروع تهجير الشعب، ذلك ما ينطبق في بعض الطروحات على لبنان وجزء من أرضه الجنوبية، وهو مطروح على أوكرانيا أو على غرينلاند.

المشروع الأمبراطوري الجديد

مواقف ترامب تخلص إلى نظرة للعالم تحيي النزعة الإمبراطورية الاستعمارية التي شهدها العالم، خصوصاً في القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين. فعندما يطلب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو من الأوروبيين أن يفتخروا لا أن يعتذروا عن تاريخهم الاستعماري، فهو يضفي شرعية سياسية على ما تطمح إليه أميركا_ترامب في هذه الحقبة الزمنية، بمشروعها الامبراطوري الجديد. يترافق مع هذا المشروع، مشروع إسرائيل الذي يبدو متماهياً جداً مع نظرة ترامب للعالم، ولكن إسرائيل تريد تطبيقه على مقاس الشرق الأوسط. وما تفعله إسرائيل في غزة، الضفة الغربية، جنوب سوريا ولبنان، كما في سلوكها السياسي والاقتصادي هو ترجمة إقليمية للرؤية الترامبية. 

تكريس التفوّق

لذلك، لا مكان بالنسبة إلى إسرائيل لفكرة حل الدولتين، ولا لإعطاء الشعب الفلسطيني حقه في بناء دولته، ولا حتى لتعدد القوى الإقليمية أو تحقيق التوازن الإقليمي، ولا مجال لفرض الدول سيادتها على أراضيها، وخصوصاً الدول المحيطة بإسرائيل. إذ أن نتنياهو يسعى إلى تكريس تفوق أمني وسياسي وعسكري واقتصادي على كل الدول المحيطة. كما أن الرغبات الإسرائيلية تتقاطع مع الرغبات الأميركية عند إيران، التي تريد أميركا وإسرائيل تغييرها على نحوٍ جذري، إما سياسياً من خلال تغيير من داخل النظام، أو من خلال التهديد بإسقاط النظام. بالنسبة إلى واشنطن وتل أبيب، فإن إيران يفترض أن تتغير، ولو كان ذلك بنتيجة استخدام القوة، بما يتقاطع مع تغيير كل موازين المنطقة وفق الرؤية الأميركية. مهمة المجلس يمكن أن تختصر بعبارة “السلام عليكم أو الحرب أمامكم”. 

مجلس “السلام عليكم أو الحرب أمامكم”!

الكاتب: منير الربيع | المصدر: المدن
19 شباط 2026

“مجلس السلام” هو المجلس الذي يريده الرئيس الأميركي دونالد ترامب كمنصة لإدارة شؤون العالم. بدأت فكرته مع وقف الحرب على غزة وتشكيل لجنة دولية للإشراف على إدارة شؤون القطاع. لكن الفكرة تطورت، ووسّع ترامب من دعواته لانضمام العديد من الدول إليه، لعله يصبح مرادفاً لمجلس الأمن الدولي الذي لا تعترف به الإدارة الأميركية. تنعقد الجلسة الأولى لهذا المجلس في ظل زيادة إسرائيل لمنسوب عملياتها العسكرية في غزة وتشديد الخناق على سكان القطاع، بالإضافة إلى توسيع سياسة الاستيطان في الضفة الغربية وضرب أي محاولة لبناء دولة فلسطينية، كما أنه ينعقد في ظل تحشيد عسكري أميركي لا مثيل له في الشرق الأوسط استعداداً لخوض عملية عسكرية ضد إيران. 

مفهوم السلام!

هي محطة جديدة من المحطات الأميركية التي تدعو فيها الولايات المتحدة إلى تكريس مفهوم السلام. بعد مؤتمر مدريد للسلام، طرحت معادلة “الأرض مقابل السلام”، التي لم يتحقق منها شيء. لا بل كان اليمين الإسرائيلي أبرز نتاجاتها، والذي شرع في رفض كل الطروحات والقضاء على اتفاق أوسلو، وعلى غيرها من المبادرات. اليوم، هذا اليمين الإسرائيلي هو الذي يخوض حرباً على المنطقة، ويلقى دعماً وتعاطفاً من دونالد ترامب بوصفه رئيساً أميركياً يمثل أقصى اليمين. لعلّ النتيجة الأقرب لمجلس السلام هذا هي في “السلام على العالم” أو على ما عرفته الدول منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، وخلق مفهوم جديد للإدارة السياسية على المستوى العالمي ترتكز على مفهوم القوة، التي لا يعترف ترامب بغيرها، ويستند إليها وفق مفهومه لإرساء السلام. فهو الذي ينظر إلى أوروبا كقارة ضعيفة ومترهلة، يوجه لها النصائح بضرورة الالتحاق بكل ما تريده أميركا تحت إدارته، من غرينلاند إلى رؤيته لوقف الحرب الروسية الأوكرانية وفق صيغة تتعارض كلياً مع طروحات أوكرانيا والدول الأوروبية. 

الحلف الأميركي والحلف المقابل

عملياً، مجلس السلام هو تكريس لحلف أميركي إسرائيلي قديم واستراتيجي، في سياق ترتيب الإدارة الأميركية للمنطقة. ويبدو كأنه إنشاء مجلس إدارة للمنطقة أو العالم، رئيسه هو دونالد ترامب، ونائبه هو بنيامين نتنياهو، والمطلوب من كل الدول المشاركة أن تكون شريكة أو أعضاء في مجلس الإدارة، ولكن بلا أي صلاحيات. في المقابل، فإن العمل على إنشاء تحالف إقليمي، وخصوصاً بين دول الخليج، مصر وتركيا مع ضمّ سوريا والأردن ولبنان وحتى مع إيران، بإمكانه أن يسعى للحد من الخسائر والتصدي لهذا المشروع، وإلا فإن المنطقة كلها ستسقط في الفلك الإسرائيلي على نحو مدمّر. 

تغيّر الأجندات الكبرى

نظرية ترامب التي يسعى إلى تكريسها، يقدمها كخلاصة لتجارب عدّة للولايات المتحدة الأميركية، خصوصاً منذ ولاية جورج بوش الأب في العام 1990، بعد الحدثين الأساسيين، أي انهيار الاتحاد السوفييتي وحرب تحرير الكويت. وبعدها تجربة بيل كلينتون مع حرب البلقان، من ثم صدمة 11 أيلول مع جورج بوش الإبن، وما تلاها في حربي أفغانستان والعراق، وصولاً إلى الربيع العربي ومآلاته، وبعدها الحرب الروسية على أوكرانيا التي جاءت بعد دفن الثورات الملونة، وصلت أميركا إلى خلاصة ترامبية قوامها هزال أو ضعف الأمم المتحدة وضعف أوروبا وصعود الشعبوية، وتقدم الاعتبارات الاقتصادية على أي اعتبار آخر، وتغير الأجندات الكبرى لتحتل فيها الحروب التجارية والهجرة والطاقة ومسائل البيئة الأولوية على ما عداها من قضايا. 

الخروج على المبادئ المعروفة 

من ضحايا هذا التغير كل السياسات والمبادئ لفض النزاعات وصوغ مبادرات السلام في كل انحاء العالم. وعلى هذا النحو، فإن كل إرث مؤتمر مدريد للسلام، والمبادرة العربية للسلام، وكل قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة لم يعد له أي حسبان في صناعة السياسة الأميركية. هناك قناعة ترامبية بالخروج على أي مبادئ تتعلق بحق تقرير المصير وحرمة سيادة الدول على أراضيها ومواطنيها، والقطع مع كل المسلمات التي تعايش معها العالم بخصوص الحروب. هذه كلها عمِل ترامب على إزاحتها بمجرد حديثه عن إنهاء الحروب، بينما هي تبقى مشتعلة وقائمة. فهو ينظر إلى نفسه كشخص أوقف الحرب على غزة، فيما عمليات القتل الإسرائيلية مستمرة وكذلك مشروع التهجير، الأمر الذي يستفحل فيه الإسرائيليون أكثر في خططهم لضم الضفة الغربية وتهجير أهلها. كذلك فإن الحرب على لبنان مستمرة، وإن بوتيرة أخف. حتى أن احتمالات الحرب على إيران تبقى قائمة، أما تجنبها فهو بتقديم إيران الثمن الذي تريده أميركا إما بالحرب أو من دونها. فمجلس السلام هذا يفترض أن يشرف على إرساء السلام على أرض فلسطين، التي وصلت إلى مرحلة سلب الأرض منها، وتواجه مشروع تهجير الشعب، ذلك ما ينطبق في بعض الطروحات على لبنان وجزء من أرضه الجنوبية، وهو مطروح على أوكرانيا أو على غرينلاند.

المشروع الأمبراطوري الجديد

مواقف ترامب تخلص إلى نظرة للعالم تحيي النزعة الإمبراطورية الاستعمارية التي شهدها العالم، خصوصاً في القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين. فعندما يطلب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو من الأوروبيين أن يفتخروا لا أن يعتذروا عن تاريخهم الاستعماري، فهو يضفي شرعية سياسية على ما تطمح إليه أميركا_ترامب في هذه الحقبة الزمنية، بمشروعها الامبراطوري الجديد. يترافق مع هذا المشروع، مشروع إسرائيل الذي يبدو متماهياً جداً مع نظرة ترامب للعالم، ولكن إسرائيل تريد تطبيقه على مقاس الشرق الأوسط. وما تفعله إسرائيل في غزة، الضفة الغربية، جنوب سوريا ولبنان، كما في سلوكها السياسي والاقتصادي هو ترجمة إقليمية للرؤية الترامبية. 

تكريس التفوّق

لذلك، لا مكان بالنسبة إلى إسرائيل لفكرة حل الدولتين، ولا لإعطاء الشعب الفلسطيني حقه في بناء دولته، ولا حتى لتعدد القوى الإقليمية أو تحقيق التوازن الإقليمي، ولا مجال لفرض الدول سيادتها على أراضيها، وخصوصاً الدول المحيطة بإسرائيل. إذ أن نتنياهو يسعى إلى تكريس تفوق أمني وسياسي وعسكري واقتصادي على كل الدول المحيطة. كما أن الرغبات الإسرائيلية تتقاطع مع الرغبات الأميركية عند إيران، التي تريد أميركا وإسرائيل تغييرها على نحوٍ جذري، إما سياسياً من خلال تغيير من داخل النظام، أو من خلال التهديد بإسقاط النظام. بالنسبة إلى واشنطن وتل أبيب، فإن إيران يفترض أن تتغير، ولو كان ذلك بنتيجة استخدام القوة، بما يتقاطع مع تغيير كل موازين المنطقة وفق الرؤية الأميركية. مهمة المجلس يمكن أن تختصر بعبارة “السلام عليكم أو الحرب أمامكم”. 

مزيد من الأخبار