غيوم غريبة تظهر في سماء لبنان… ظاهرة جويّة أم مرآة لمخاوف اللبنانيّين؟

المصدر: نداء الوطن
20 شباط 2026

غيوم غريبة الأشكال توشح سماء لبنان بين الحين والآخر تثير الدهشة والخوف والتساؤل. يرفع اللبنانيّون أنظارهم نحوها يتأمّلونها كما لو أنها رسائل مبهمة تحمل أكثر من معنى. في أشكالها المتبدّلة يرون صورًا تعيد إلى الذاكرة هواجس الحرب والقلق المزمن. ففي سماء لبنان لا تمرّ الأشكال العائمة مرور الكرام ولا تعود مجرّد ظاهرة جويّة عابرة، بل شاشة تعكس مخاوف جماعيّة وخيالًا خصبًا صقلته الأزمات المتلاحقة. وبينما يفسّر العلم هذه الظواهر كتشكّلات طبيعيّة تحكمها الرياح والحرارة، لا يغيب هوس نظريّة المؤامرة عن المخيّلة اللبنانيّة، فيربط البعض ما يرونه في السماء بعوامل عسكريّة وتجارب خفيّة.

خلف هذا الشغف الشعبيّ بقراءة السماء، يبرز سؤال مشروع: هل لأشكال الغيوم أسباب علميّة واضحة تفسّر تشكّلها الغريب وتحوّلاتها السريعة؟ أم أن العين الإنسانية تميل إلى تأويل ما تراه وفق ما تختزنه الذاكرة من صورٍ وتجارب؟ في المقابل، ألا يحق لشعب عاش أهوال الحرب الأخيرة وما حملته من تطوّر تكنولوجي غريب ومريب أن يستعيد نظرية المؤامرة ويربط بين تلك الغيوم وأسلحةٍ سرية، أو تجارب حربيّة تُجرى في الخفاء، في اعتقاد راسخ أن حرب السماء تواكب حروب الأرض؟ بين العلم والخيال، وبين الفيزياء والريبة أين تكمن حقيقة أشكال الغيوم الغريبة التي تظهر بين الفينة والأخرى في سماء لبنان وعلى مواقع تواصله؟

علميًّا، تُعرَّف الغيوم بأنها تجمّعات مرئيّة من قطرات ماء دقيقة أو بلورات جليديّة، معلّقة في الغلاف الجوي، تتشكّل نتيجة التبخر ومن ثمّ تكاثف بخار الماء عندما يبرد الهواء الرطب. وبحسب التعريف العلمي، تتبع دراسة الغيوم علم الأرصاد الجويّة، وهو فرع من علوم الغلاف الجوي حيث تتشكّل السحب، والرياح، والأمطار، والعواصف.

أمّا نفسيًّا، فإن ظاهرة تأمّل الغيوم وإعطاءها رمزية معيّنة، هي ظاهرة معروفة باسم Pareidolia التابعة إلى علم النفس الإدراكيّ. وهي ظاهرة إدراكيّة تجعل الدماغ يميل إلى التعرّف على أنماط مألوفة (كالوجوه أو الأشكال أو الرموز) داخل أشكال عشوائيّة أو غير منظمة، مثل الغيوم، أو الصخور، أو بقع الحبر. وانطلاقًا من هذا المفهوم يمكن لكل شخص رؤية انعكاس ما لصور شخصيّة تختزنها الذاكرة حين يتأمل الغيوم. وتزداد هذه الظاهرة وضوحًا إذا كان شكل الغيم مميّزًا أو يحمل نمطية ما كالخراف مثلًا…

إلى هذه الظاهرة النفسيّة المعروفة، يضاف في لبنان الخوف والقلق من أن تحمل الغيوم آثار ما ألقي في الجوّ وعلى الأرض من مواد عُرف بعضها ولا يزال بعضها الآخر مجهولًا وهو ما يبرر في رأي الكثيرين الأشكال الغريبة التي تتمّ ملاحظتها مؤخرًا في الغيوم. وتعتبر الخبيرة في علم البيئة والمستشارة السابقة في الأمم المتحدة د. فيفي كلّاب في حديث إلى “نداء الوطن” أن الأشكال الغريبة للغيوم تتواجد في كل أنحاء العالم وما نشهده حاليًا هو نتيجة منخفض جوي انطلق من القطب الشمالي نحو أوروبا فشرق المتوسط، وحدها التقلّبات الجوية هي التي تحدّد شكل الغيوم وكثافتها. ويتمّ تقييم الغيم بحسب درجة الرطوبة والحرارة وتلوث الهواء وسرعة الرياح. ويؤدي التلوّث دورًا مهمًّا في تحديد لون الغيم. فوجود اللون البرتقالي الذي نراه أحيانًا عند الأفق، هو دليل تلوّث. وحين نرى طبقة مغبرة رمادية، تكون غيومها محمّلة برمال صحراوية من محيطنا، وبعدها ينزل مطر موحل نتيجة هذا الرمل الصحراوي.

تؤكد الاختصاصيّة البيئية أن لا شيء من كلّ هذا يدعو إلى الخوف. لكنها تضيف: “خلال الحرب الأخيرة قصف الجنوب اللبناني بالفوسفور الأبيض، ومؤخرا تمّ رش مادة GLYPHOSATE لإحراق المزروعات، وهي مادة مبيدة حراقة ومسمّمة ممنوعة عالميًا. ولا شك أن الجو يتأثر بهذه المواد التي قد تحملها الغيوم. وقد تحمل الرياح هذه الغيوم بعيدًا من مكانها الأول. لكن ما هو أكيد، أنه مع الشتوة الأولى تتساقط المواد التي تختزنها الغيوم ولا يمكن أن تحملها طويلًا لكن للأسف تتشرّبها التربة”.

إذًا، ليس في الغيوم ما يخيف. والمثل الشعبي القائل “غيمة ومرقت”، هو خير دليل على ذلك. لكن لا يمكن أن ننكر، كما تقول د. كلّاب، ما للتلوث من انعكاسات تجعل الغيوم مشبعة بمواد ضارّة. وهذا التلوّث قد رأيناه مثلًا إثر انفجار المرفأ، وينشأ من استخدام متفجّرات كيميائية أو مبيدات ترش من الجوّ، أمّا الغيوم الطبيعية التي تتشكّل نتيجة عوامل مناخية، فهي غيوم غير ضارة مهما كان تنوّع شكلها. وغالبًا ما تشير الغيوم إلى اقتراب المطر. لذا قليلًا ما تتكوّن في الصيف وما تحمله من تبخر وذرات مائية لا يتحوّل إلى مطر إلّا عند التقائها بهواء بارد يكثف ذرّاتها ويحوّلها إلى حبات مطر تتساقط على الأرض. وفي الموروثات الشعبية كثير من الأمثلة التي تعكس دور الغيم في حالة الطقس كما في الحياة الفردية. “غيمة صيف” تعبر بسرعة دون أن تترك أثرًا. و “مش كل غيمة بتحمل مطر”، بمعنى أن ليس كل تلبّد يحمل نتيجة فعلية. أمّا مثل “درّج سماها فقرب شتاها”، فكان دليل الأقدمين على اقتراب المطر.

فوق الغيم

من جهته، يتحدّث وسام أبو خشفة رئيس فرع التقديرات الجوية في مصلحة الأرصاد الجوية في مطار رفيق الحريري الدولي عن تشكّل الغيوم وتأثير بعضها على الملاحة الجوية. ويحدّد ثلاثة أنواع من الغيوم وهي: السميكة، الرقيقة والمتوسطة. والغيوم السميكة هي التي تُحدث البرق والرعد، وهي التي يجب تحذير الطائرات منها أثناء تحليقها. كذلك ينقسم الغيم إلى ثلاثة مستويات: الغيوم المنخفضة أي على ارتفاع يقارب 1200 متر، المتوسطة، على ارتفاع يتخطى 3000 متر، وهي غيوم لا تعطي مطرًا. والغيوم العالية جدًّا فوق خمسة كيلومترات.

في فصل الشتاء، تنذر الغيوم المتوسطة والعالية بقدوم منخفض جوّي يحمل أمطارًا، وهي أشبه بإنذارات مبكرة حتى لو تمّت رؤيتها فوق البحر، ويُعرف أنها تحمل أمطارًا قادمة وتشكّل خطرًا على الطيران. أمّا ما فوق الكيلومترين، فيصبح الجو مستقرًا ويخيّل للمسافر أنه يحلّق فوق الغيوم. ومهما كان الطقس عاصفًا وماطرًا، يتحوّل مع الارتفاع إلى مستقر مشمس، وهذا ما يلاحظه المسافرون بالرحلات الجوية.

ويؤكد أبو خشفة بدوره أن شكل الغيوم لا يعبّر عن أمور معيّنة، فتتخذ الغيوم العالية أحيانًا أشكالًا فريدة وغالبًا ما تكون رقيقة يعبر من خلالها ضوء الشمس. أمّا الغيوم السميكة الملأى بالمطر التي تتلبّد في كبد السماء فلا شكل لها، ويعلن تشكّلها عن اقتراب العواصف. ويكون بعض أنواع الغيوم المتوسطة والعالية مؤشرًا لقدوم الشتاء.

في لبنان، ثمّة عوامل جغرافية وجوية مميّزة تؤدّي إلى تشكّل غيوم تبدو كنهر أبيض متدفق يراها المتواجدون في الجبال العالية التي يزيد ارتفاعها عن 2000 متر. وهذه الظاهرة الرائعة هي نتيجة تكوّن غيوم منخفضة على ارتفاعات تتراوح بين 1200 و 1500 متر، فيما جبال لبنان تعلو في بعض الأماكن فوق هذه الارتفاعات فيظهر الغيم تحتها،  ومع حركة الرياح التي تدفع بالغيم يبدو وكأنه نهر قطني أبيض متدفق. وفي لبنان أيضًا، المنطقة التي تعرف بـ “مرد الغيم” وهي المنطقة الواقعة في مواجهة سلسلة الجبال الغربية لأن ارتفاع هذه الجبال يصدّ الغيوم الآتية من البحر، ما يجعل هذه المنطقة عرضة لتساقط الأمطار أكثر من سواها، فيما تعبر الغيوم العالية التي يفوق ارتفاعها 2000 متر نحو مناطق البقاع والسلسلة الشرقية ما يجعل هذه المناطق أقلّ تعرضًا للأمطار وفق ما تشرحه د. كلّاب.

أسياد الطقس

بعيدًا من العوامل الطبيعية التي تؤدّي إلى تشكّل أنواع مختلفة من الغيوم، بات معروفًا اليوم أنه صار بالإمكان التلاعب بالطقس والأمطار. وفي حين لا تزال تقنيات حبس الأمطار تجريبية أو سرية لم يتمّ التداول بها بشكل علنيّ بعد، سواء كانت تشكل أسلحة سرية أو لدوافع علميّة، إلّا أن تلقيح الغيم لإنزال المطر هو اليوم تقنية معروفة ومتبعة في عدد من البلدان، وتعتبر الإمارات العربية المتحدة من أوائل البلدان التي بدأت باستخدام هذه التقنية حيث يتمّ رش مواد تؤدي إلى تكثف البخار في الغيوم الذي يتساقط أمطارًا قد تكون طوفانية في بعض الأوقات.

نسأل المختصين إن كان الجفاف الذي شهده لبنان ناتجًا عن سلاح سرّي أدّى إلى احتباس المطر؟ وهل يمكن الركون إلى نظرية المؤامرة في هذا الشأن؟ تقول د. كلّاب إنه في المبدأ لا يمكن حبس الأمطار، ولكن لا يمكن استبعاد أي شيء. قد لا نتمكن من إثبات إمكانية احتباس المطر علميًا، ولكننا لا نعرف الكثير عمّا يجري من تجارب نووية مثلًا، أو ما تقوم به الغوّاصات النووية في البحر المتوسط من تجارب نووية أو أبحاث عسكرية قد تحدث تغيّرات، ولكن لا يمكننا إثباتها. بدوره يرى أبو خشفة، أن اللعب بالمناخ ممكن وخطير في الوقت نفسه. ومع التطوّر التكنولوجي، يصبح كلّ شيء ممكنًا. ويبقى المناخ عاملًا أساسيًا يؤثر على الاقتصاد والبيئة والأعمال الحربية وعلى الإنسانية ومستقبلها. ولا شك أن من يتحكّم بالمناخ يتحكّم بمستقبل الإنسان.

غيوم غريبة تظهر في سماء لبنان… ظاهرة جويّة أم مرآة لمخاوف اللبنانيّين؟

المصدر: نداء الوطن
20 شباط 2026

غيوم غريبة الأشكال توشح سماء لبنان بين الحين والآخر تثير الدهشة والخوف والتساؤل. يرفع اللبنانيّون أنظارهم نحوها يتأمّلونها كما لو أنها رسائل مبهمة تحمل أكثر من معنى. في أشكالها المتبدّلة يرون صورًا تعيد إلى الذاكرة هواجس الحرب والقلق المزمن. ففي سماء لبنان لا تمرّ الأشكال العائمة مرور الكرام ولا تعود مجرّد ظاهرة جويّة عابرة، بل شاشة تعكس مخاوف جماعيّة وخيالًا خصبًا صقلته الأزمات المتلاحقة. وبينما يفسّر العلم هذه الظواهر كتشكّلات طبيعيّة تحكمها الرياح والحرارة، لا يغيب هوس نظريّة المؤامرة عن المخيّلة اللبنانيّة، فيربط البعض ما يرونه في السماء بعوامل عسكريّة وتجارب خفيّة.

خلف هذا الشغف الشعبيّ بقراءة السماء، يبرز سؤال مشروع: هل لأشكال الغيوم أسباب علميّة واضحة تفسّر تشكّلها الغريب وتحوّلاتها السريعة؟ أم أن العين الإنسانية تميل إلى تأويل ما تراه وفق ما تختزنه الذاكرة من صورٍ وتجارب؟ في المقابل، ألا يحق لشعب عاش أهوال الحرب الأخيرة وما حملته من تطوّر تكنولوجي غريب ومريب أن يستعيد نظرية المؤامرة ويربط بين تلك الغيوم وأسلحةٍ سرية، أو تجارب حربيّة تُجرى في الخفاء، في اعتقاد راسخ أن حرب السماء تواكب حروب الأرض؟ بين العلم والخيال، وبين الفيزياء والريبة أين تكمن حقيقة أشكال الغيوم الغريبة التي تظهر بين الفينة والأخرى في سماء لبنان وعلى مواقع تواصله؟

علميًّا، تُعرَّف الغيوم بأنها تجمّعات مرئيّة من قطرات ماء دقيقة أو بلورات جليديّة، معلّقة في الغلاف الجوي، تتشكّل نتيجة التبخر ومن ثمّ تكاثف بخار الماء عندما يبرد الهواء الرطب. وبحسب التعريف العلمي، تتبع دراسة الغيوم علم الأرصاد الجويّة، وهو فرع من علوم الغلاف الجوي حيث تتشكّل السحب، والرياح، والأمطار، والعواصف.

أمّا نفسيًّا، فإن ظاهرة تأمّل الغيوم وإعطاءها رمزية معيّنة، هي ظاهرة معروفة باسم Pareidolia التابعة إلى علم النفس الإدراكيّ. وهي ظاهرة إدراكيّة تجعل الدماغ يميل إلى التعرّف على أنماط مألوفة (كالوجوه أو الأشكال أو الرموز) داخل أشكال عشوائيّة أو غير منظمة، مثل الغيوم، أو الصخور، أو بقع الحبر. وانطلاقًا من هذا المفهوم يمكن لكل شخص رؤية انعكاس ما لصور شخصيّة تختزنها الذاكرة حين يتأمل الغيوم. وتزداد هذه الظاهرة وضوحًا إذا كان شكل الغيم مميّزًا أو يحمل نمطية ما كالخراف مثلًا…

إلى هذه الظاهرة النفسيّة المعروفة، يضاف في لبنان الخوف والقلق من أن تحمل الغيوم آثار ما ألقي في الجوّ وعلى الأرض من مواد عُرف بعضها ولا يزال بعضها الآخر مجهولًا وهو ما يبرر في رأي الكثيرين الأشكال الغريبة التي تتمّ ملاحظتها مؤخرًا في الغيوم. وتعتبر الخبيرة في علم البيئة والمستشارة السابقة في الأمم المتحدة د. فيفي كلّاب في حديث إلى “نداء الوطن” أن الأشكال الغريبة للغيوم تتواجد في كل أنحاء العالم وما نشهده حاليًا هو نتيجة منخفض جوي انطلق من القطب الشمالي نحو أوروبا فشرق المتوسط، وحدها التقلّبات الجوية هي التي تحدّد شكل الغيوم وكثافتها. ويتمّ تقييم الغيم بحسب درجة الرطوبة والحرارة وتلوث الهواء وسرعة الرياح. ويؤدي التلوّث دورًا مهمًّا في تحديد لون الغيم. فوجود اللون البرتقالي الذي نراه أحيانًا عند الأفق، هو دليل تلوّث. وحين نرى طبقة مغبرة رمادية، تكون غيومها محمّلة برمال صحراوية من محيطنا، وبعدها ينزل مطر موحل نتيجة هذا الرمل الصحراوي.

تؤكد الاختصاصيّة البيئية أن لا شيء من كلّ هذا يدعو إلى الخوف. لكنها تضيف: “خلال الحرب الأخيرة قصف الجنوب اللبناني بالفوسفور الأبيض، ومؤخرا تمّ رش مادة GLYPHOSATE لإحراق المزروعات، وهي مادة مبيدة حراقة ومسمّمة ممنوعة عالميًا. ولا شك أن الجو يتأثر بهذه المواد التي قد تحملها الغيوم. وقد تحمل الرياح هذه الغيوم بعيدًا من مكانها الأول. لكن ما هو أكيد، أنه مع الشتوة الأولى تتساقط المواد التي تختزنها الغيوم ولا يمكن أن تحملها طويلًا لكن للأسف تتشرّبها التربة”.

إذًا، ليس في الغيوم ما يخيف. والمثل الشعبي القائل “غيمة ومرقت”، هو خير دليل على ذلك. لكن لا يمكن أن ننكر، كما تقول د. كلّاب، ما للتلوث من انعكاسات تجعل الغيوم مشبعة بمواد ضارّة. وهذا التلوّث قد رأيناه مثلًا إثر انفجار المرفأ، وينشأ من استخدام متفجّرات كيميائية أو مبيدات ترش من الجوّ، أمّا الغيوم الطبيعية التي تتشكّل نتيجة عوامل مناخية، فهي غيوم غير ضارة مهما كان تنوّع شكلها. وغالبًا ما تشير الغيوم إلى اقتراب المطر. لذا قليلًا ما تتكوّن في الصيف وما تحمله من تبخر وذرات مائية لا يتحوّل إلى مطر إلّا عند التقائها بهواء بارد يكثف ذرّاتها ويحوّلها إلى حبات مطر تتساقط على الأرض. وفي الموروثات الشعبية كثير من الأمثلة التي تعكس دور الغيم في حالة الطقس كما في الحياة الفردية. “غيمة صيف” تعبر بسرعة دون أن تترك أثرًا. و “مش كل غيمة بتحمل مطر”، بمعنى أن ليس كل تلبّد يحمل نتيجة فعلية. أمّا مثل “درّج سماها فقرب شتاها”، فكان دليل الأقدمين على اقتراب المطر.

فوق الغيم

من جهته، يتحدّث وسام أبو خشفة رئيس فرع التقديرات الجوية في مصلحة الأرصاد الجوية في مطار رفيق الحريري الدولي عن تشكّل الغيوم وتأثير بعضها على الملاحة الجوية. ويحدّد ثلاثة أنواع من الغيوم وهي: السميكة، الرقيقة والمتوسطة. والغيوم السميكة هي التي تُحدث البرق والرعد، وهي التي يجب تحذير الطائرات منها أثناء تحليقها. كذلك ينقسم الغيم إلى ثلاثة مستويات: الغيوم المنخفضة أي على ارتفاع يقارب 1200 متر، المتوسطة، على ارتفاع يتخطى 3000 متر، وهي غيوم لا تعطي مطرًا. والغيوم العالية جدًّا فوق خمسة كيلومترات.

في فصل الشتاء، تنذر الغيوم المتوسطة والعالية بقدوم منخفض جوّي يحمل أمطارًا، وهي أشبه بإنذارات مبكرة حتى لو تمّت رؤيتها فوق البحر، ويُعرف أنها تحمل أمطارًا قادمة وتشكّل خطرًا على الطيران. أمّا ما فوق الكيلومترين، فيصبح الجو مستقرًا ويخيّل للمسافر أنه يحلّق فوق الغيوم. ومهما كان الطقس عاصفًا وماطرًا، يتحوّل مع الارتفاع إلى مستقر مشمس، وهذا ما يلاحظه المسافرون بالرحلات الجوية.

ويؤكد أبو خشفة بدوره أن شكل الغيوم لا يعبّر عن أمور معيّنة، فتتخذ الغيوم العالية أحيانًا أشكالًا فريدة وغالبًا ما تكون رقيقة يعبر من خلالها ضوء الشمس. أمّا الغيوم السميكة الملأى بالمطر التي تتلبّد في كبد السماء فلا شكل لها، ويعلن تشكّلها عن اقتراب العواصف. ويكون بعض أنواع الغيوم المتوسطة والعالية مؤشرًا لقدوم الشتاء.

في لبنان، ثمّة عوامل جغرافية وجوية مميّزة تؤدّي إلى تشكّل غيوم تبدو كنهر أبيض متدفق يراها المتواجدون في الجبال العالية التي يزيد ارتفاعها عن 2000 متر. وهذه الظاهرة الرائعة هي نتيجة تكوّن غيوم منخفضة على ارتفاعات تتراوح بين 1200 و 1500 متر، فيما جبال لبنان تعلو في بعض الأماكن فوق هذه الارتفاعات فيظهر الغيم تحتها،  ومع حركة الرياح التي تدفع بالغيم يبدو وكأنه نهر قطني أبيض متدفق. وفي لبنان أيضًا، المنطقة التي تعرف بـ “مرد الغيم” وهي المنطقة الواقعة في مواجهة سلسلة الجبال الغربية لأن ارتفاع هذه الجبال يصدّ الغيوم الآتية من البحر، ما يجعل هذه المنطقة عرضة لتساقط الأمطار أكثر من سواها، فيما تعبر الغيوم العالية التي يفوق ارتفاعها 2000 متر نحو مناطق البقاع والسلسلة الشرقية ما يجعل هذه المناطق أقلّ تعرضًا للأمطار وفق ما تشرحه د. كلّاب.

أسياد الطقس

بعيدًا من العوامل الطبيعية التي تؤدّي إلى تشكّل أنواع مختلفة من الغيوم، بات معروفًا اليوم أنه صار بالإمكان التلاعب بالطقس والأمطار. وفي حين لا تزال تقنيات حبس الأمطار تجريبية أو سرية لم يتمّ التداول بها بشكل علنيّ بعد، سواء كانت تشكل أسلحة سرية أو لدوافع علميّة، إلّا أن تلقيح الغيم لإنزال المطر هو اليوم تقنية معروفة ومتبعة في عدد من البلدان، وتعتبر الإمارات العربية المتحدة من أوائل البلدان التي بدأت باستخدام هذه التقنية حيث يتمّ رش مواد تؤدي إلى تكثف البخار في الغيوم الذي يتساقط أمطارًا قد تكون طوفانية في بعض الأوقات.

نسأل المختصين إن كان الجفاف الذي شهده لبنان ناتجًا عن سلاح سرّي أدّى إلى احتباس المطر؟ وهل يمكن الركون إلى نظرية المؤامرة في هذا الشأن؟ تقول د. كلّاب إنه في المبدأ لا يمكن حبس الأمطار، ولكن لا يمكن استبعاد أي شيء. قد لا نتمكن من إثبات إمكانية احتباس المطر علميًا، ولكننا لا نعرف الكثير عمّا يجري من تجارب نووية مثلًا، أو ما تقوم به الغوّاصات النووية في البحر المتوسط من تجارب نووية أو أبحاث عسكرية قد تحدث تغيّرات، ولكن لا يمكننا إثباتها. بدوره يرى أبو خشفة، أن اللعب بالمناخ ممكن وخطير في الوقت نفسه. ومع التطوّر التكنولوجي، يصبح كلّ شيء ممكنًا. ويبقى المناخ عاملًا أساسيًا يؤثر على الاقتصاد والبيئة والأعمال الحربية وعلى الإنسانية ومستقبلها. ولا شك أن من يتحكّم بالمناخ يتحكّم بمستقبل الإنسان.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار