هل يكفي عديد الجيش لكل هذه المهمات؟

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
20 شباط 2026

سأل سائل حريص على ألاّ يكون على شبر واحد من الأرض اللبنانية، بدءًا من جنوب الليطاني حتى شماله وصولًا إلى كل لبنان، سوى سلاح واحد هو سلاح الجيش والقوى الأمنية الشرعية: هل يكفي عديد الجيش وبإمكاناته المتواضعة لكي يقوم بكل هذه المهمات الصعبة، التي تتطلب المزيد من التجهيزات والمزيد من العناصر المؤهلة للقيام بواجبه الوطني على أكمل وجه؟

إلاّ أن مضاعفة عديد المؤسسة العسكرية وتزويدها بأحدث التقنيات في مجال التسّلح لا تكفي وحدها، على حدّ قول بعض الأوساط السياسية، خصوصًا إذا لم تواكب السلطة السياسية هذه التجهيزات وهذه الاستعدادات بحركة سياسية مكّملة لما يمكن أن يقوم به الجيش من مهمات. وهذه الحركة تتطلب بادئ ذي بدء الانتقال من مرحلة “الترقيع” إلى مرحلة التخطيط والتنفيذ الفعلي وليس الكلامي فقط.
وفي اعتقاد هذه الأوساط أنه إذا لم يستطع رئيس الحكومة الخروج من دوامة هاجس العودة إلى السراي الحكومي مرّة جديدة وتُبرّير المحظورات بأشكال مختلفة في الشكل، ومتقاربة في الجوهر، وإذا لم يعد قادرًا على التخّلي عن فكرة الالتفاف على القرارات الحكومية، التي وصفت يومها بأنها “سيادية” بامتياز، فإن الوضع سيبقى على حاله، سواء في جنوب الليطاني أو في شماله أو في أي بقعة من بقاع جغرافية لبنان.

فالمعضلة، في رأي هذه الأوساط نفسها، لم تعد تقنية ولا عسكرية بحتة، بل أصبحت سياسية بامتياز. فالجيش، مهما بلغ عديده، ومهما تطوّرت قدراته، لا يستطيع أن يعمل في فراغ سياسي، ولا أن يتحمّل وحده عبء قرارات تتردّد السلطة في تحمّل مسؤوليتها. والمؤسسة العسكرية، التي أثبتت مرارًا أنها آخر ما تبقّى من أعمدة الدولة الصامدة، تحتاج إلى غطاء سياسي واضح لا لبس فيه، لا إلى بيانات مزدوجة اللغة، تقول في العلن شيء، وتهمس في الكواليس بنقيضه.

المطلوب، ببساطة، قرار دولة؛ قرار لا يحتمل التأويل ولا يخضع لموازين القوى المتحرّكة، بل يستند إلى منطق بديهي، وهو بكل بساطة أن لا دولة بسلاحين، ولا سيادة بمرجعيات متعدّدة، ولا استقرار دائمًا في ظل تسويات مؤقتة تُرحّل الأزمات بدلًا من حلّها. ومن دون هذا القرار، سيبقى السؤال عن عديد الجيش سؤالًا ناقصًا، لأن المشكلة لن تكون في عدد العسكريين، بل في عدد الإرادات السياسية المتردّدة.

الخشية الحقيقية، على حدّ قول الأوساط السياسية نفسها، ليست في عدم إمكانية  الجيش في تنفيذ المهمات الموكلة إليه، بل في أن يُطلب منه تنفيذ ما لا تريد السلطة نفسها أن تحسمه. وعندها يصبح الجيش في موقع من يُطفئ حرائق سياسية متعمّدة، لا في موقع من يطبّق استراتيجية وطنية متكاملة. وهذا أخطر ما يمكن أن تُدفع إليه مؤسسة يُفترض أن تكون فوق التجاذبات، لا في قلبها.

من هنا، فإن أي نقاش جدّي حول تعزيز عديد الجيش وتسليحه يجب أن يتزامن مع نقاش أكثر جرأة حول شكل الدولة التي يريدها اللبنانيون. فهل ستكون دولة قرارات أم دولة تسويات؟ دولة مؤسسات أم دولة ممرات إلزامية بين القوى؟ لأن الجواب عن هذا السؤال هو الذي يحدّد فعليًا ما إذا كان الجيش قادرًا على القيام بمهماته، أو ما إذا كانت السياسة ستبقى العائق الأكبر أمام، مع التنويه بأن الجيش يقوم حتى الآن بكل ما يُطلب منه القيام به على رغم الضائقة الاقتصادية، التي يعاني منها عناصره.

وفي هذا الإطار فإن الزيارة التي قام بها قائد الجيش العماد رودولف هيكل للولايات المتحدة الأميركية لها أهمية تتجاوز بعدها البروتوكولي، على رغم كل الكلام المعاكس الذي قيل لأغراض لم تعد خافية على أحد، إذ أنها تُقرأ على أنها جزء من ورشة تحضير واسعة لما يُفترض أن يترجم في مؤتمر الدعم المرتقب في باريس في 5 آذار المقبل. فالمؤسسة العسكرية لا تطلب مساعدات شكلية، بل تسعى إلى تثبيت شراكة طويلة الأمد تضمن استمرارية قدراتها العملياتية، في مرحلة يُراد لها أن تكون مرحلة تثبيت سلطة الدولة على كامل أراضيها. والاستعدادات الجارية للمؤتمر لا تنفصل عن هذا المسار، لأن أي دعم مالي أو لوجستي لن يكون ذا جدوى إذا لم يُقرن برؤية سياسية لبنانية واضحة تُطمئن الدول الداعمة إلى أن استثمارها في الجيش هو استثمار في مشروع دولة، لا في إدارة أزمة مؤقتة.

هل يكفي عديد الجيش لكل هذه المهمات؟

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
20 شباط 2026

سأل سائل حريص على ألاّ يكون على شبر واحد من الأرض اللبنانية، بدءًا من جنوب الليطاني حتى شماله وصولًا إلى كل لبنان، سوى سلاح واحد هو سلاح الجيش والقوى الأمنية الشرعية: هل يكفي عديد الجيش وبإمكاناته المتواضعة لكي يقوم بكل هذه المهمات الصعبة، التي تتطلب المزيد من التجهيزات والمزيد من العناصر المؤهلة للقيام بواجبه الوطني على أكمل وجه؟

إلاّ أن مضاعفة عديد المؤسسة العسكرية وتزويدها بأحدث التقنيات في مجال التسّلح لا تكفي وحدها، على حدّ قول بعض الأوساط السياسية، خصوصًا إذا لم تواكب السلطة السياسية هذه التجهيزات وهذه الاستعدادات بحركة سياسية مكّملة لما يمكن أن يقوم به الجيش من مهمات. وهذه الحركة تتطلب بادئ ذي بدء الانتقال من مرحلة “الترقيع” إلى مرحلة التخطيط والتنفيذ الفعلي وليس الكلامي فقط.
وفي اعتقاد هذه الأوساط أنه إذا لم يستطع رئيس الحكومة الخروج من دوامة هاجس العودة إلى السراي الحكومي مرّة جديدة وتُبرّير المحظورات بأشكال مختلفة في الشكل، ومتقاربة في الجوهر، وإذا لم يعد قادرًا على التخّلي عن فكرة الالتفاف على القرارات الحكومية، التي وصفت يومها بأنها “سيادية” بامتياز، فإن الوضع سيبقى على حاله، سواء في جنوب الليطاني أو في شماله أو في أي بقعة من بقاع جغرافية لبنان.

فالمعضلة، في رأي هذه الأوساط نفسها، لم تعد تقنية ولا عسكرية بحتة، بل أصبحت سياسية بامتياز. فالجيش، مهما بلغ عديده، ومهما تطوّرت قدراته، لا يستطيع أن يعمل في فراغ سياسي، ولا أن يتحمّل وحده عبء قرارات تتردّد السلطة في تحمّل مسؤوليتها. والمؤسسة العسكرية، التي أثبتت مرارًا أنها آخر ما تبقّى من أعمدة الدولة الصامدة، تحتاج إلى غطاء سياسي واضح لا لبس فيه، لا إلى بيانات مزدوجة اللغة، تقول في العلن شيء، وتهمس في الكواليس بنقيضه.

المطلوب، ببساطة، قرار دولة؛ قرار لا يحتمل التأويل ولا يخضع لموازين القوى المتحرّكة، بل يستند إلى منطق بديهي، وهو بكل بساطة أن لا دولة بسلاحين، ولا سيادة بمرجعيات متعدّدة، ولا استقرار دائمًا في ظل تسويات مؤقتة تُرحّل الأزمات بدلًا من حلّها. ومن دون هذا القرار، سيبقى السؤال عن عديد الجيش سؤالًا ناقصًا، لأن المشكلة لن تكون في عدد العسكريين، بل في عدد الإرادات السياسية المتردّدة.

الخشية الحقيقية، على حدّ قول الأوساط السياسية نفسها، ليست في عدم إمكانية  الجيش في تنفيذ المهمات الموكلة إليه، بل في أن يُطلب منه تنفيذ ما لا تريد السلطة نفسها أن تحسمه. وعندها يصبح الجيش في موقع من يُطفئ حرائق سياسية متعمّدة، لا في موقع من يطبّق استراتيجية وطنية متكاملة. وهذا أخطر ما يمكن أن تُدفع إليه مؤسسة يُفترض أن تكون فوق التجاذبات، لا في قلبها.

من هنا، فإن أي نقاش جدّي حول تعزيز عديد الجيش وتسليحه يجب أن يتزامن مع نقاش أكثر جرأة حول شكل الدولة التي يريدها اللبنانيون. فهل ستكون دولة قرارات أم دولة تسويات؟ دولة مؤسسات أم دولة ممرات إلزامية بين القوى؟ لأن الجواب عن هذا السؤال هو الذي يحدّد فعليًا ما إذا كان الجيش قادرًا على القيام بمهماته، أو ما إذا كانت السياسة ستبقى العائق الأكبر أمام، مع التنويه بأن الجيش يقوم حتى الآن بكل ما يُطلب منه القيام به على رغم الضائقة الاقتصادية، التي يعاني منها عناصره.

وفي هذا الإطار فإن الزيارة التي قام بها قائد الجيش العماد رودولف هيكل للولايات المتحدة الأميركية لها أهمية تتجاوز بعدها البروتوكولي، على رغم كل الكلام المعاكس الذي قيل لأغراض لم تعد خافية على أحد، إذ أنها تُقرأ على أنها جزء من ورشة تحضير واسعة لما يُفترض أن يترجم في مؤتمر الدعم المرتقب في باريس في 5 آذار المقبل. فالمؤسسة العسكرية لا تطلب مساعدات شكلية، بل تسعى إلى تثبيت شراكة طويلة الأمد تضمن استمرارية قدراتها العملياتية، في مرحلة يُراد لها أن تكون مرحلة تثبيت سلطة الدولة على كامل أراضيها. والاستعدادات الجارية للمؤتمر لا تنفصل عن هذا المسار، لأن أي دعم مالي أو لوجستي لن يكون ذا جدوى إذا لم يُقرن برؤية سياسية لبنانية واضحة تُطمئن الدول الداعمة إلى أن استثمارها في الجيش هو استثمار في مشروع دولة، لا في إدارة أزمة مؤقتة.

مزيد من الأخبار