هل انتهت أسباب وجود الحزب وجبهة الممانعة؟ قراءة مدمجة بين الواقع والتاريخ

السؤال عن انتهاء أسباب وجود حزب الله وامتداده ضمن ما يُعرف بـ“جبهة الممانعة” ليس سؤالاً نظرياً، بل سؤال يتصل مباشرة بمستقبل لبنان ودوره الإقليمي. للإجابة بدقة، يجب تفكيك “الأسباب” التي أدّت إلى نشوء هذا المشروع، ثم قياس ما إذا كانت ما تزال قائمة أم تحوّلت.
1. سبب الاحتلال: انتهى أم تبدّل؟
نشأ الحزب في سياق الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1982. في عام 2000 انسحبت إسرائيل من معظم الأراضي اللبنانية، ما شكّل لحظة مفصلية. عملياً، انتهى سبب “التحرير” المباشر الذي أسّس للشرعية الأولى للحزب.
لكن الحزب لم يعتبر أن الصراع انتهى، بل انتقل إلى مفهوم “الردع”. أي أن المعركة لم تعد تحرير أرض محتلة، بل منع اعتداءات مستقبلية وفرض توازن رعب. من هنا، يمكن القول إن سبب الاحتلال بمعناه التقليدي انتهى، لكن سبب المواجهة المستمرة لم ينتهِ في نظر الحزب.
غير أن النقاش هنا يصبح سياسياً: هل الردع وظيفة حصرية للدولة عبر جيشها؟ أم يمكن أن تبقى وظيفة موازية خارج مؤسساتها؟
2. ضعف الدولة اللبنانية: الحلقة المفرغة
منذ الاستقلال، لم تنجح الدولة اللبنانية في بناء احتكار كامل للسلاح. الحرب الأهلية كرّست منطق الميليشيات، واتفاق الطائف لم يُنهِ كل أشكال الازدواجية.
اليوم، لبنان يعيش أزمة مالية ومؤسساتية عميقة. ضعف الدولة يُستخدم كحجة لاستمرار السلاح: “لا يمكن تسليم مصير البلد لدولة عاجزة”. لكن في المقابل، استمرار ازدواجية القرار العسكري والسياسي يساهم في إضعاف الدولة نفسها.
هنا ندخل في معادلة دائرية:
* ضعف الدولة يبرر بقاء السلاح.
* بقاء السلاح يمنع قيام دولة قوية.
طالما لم تُكسر هذه الحلقة عبر تسوية وطنية واضحة، ستبقى أسباب الازدواجية قائمة.
3. الصراع الإقليمي: جبهة الممانعة في ميزان التحولات
“جبهة الممانعة” ليست تنظيماً رسمياً بل محوراً سياسياً-عسكرياً تقوده ايران ويضم قوى متعددة في المنطقة. نشأت هذه الجبهة في مواجهة النفوذ الأميركي والإسرائيلي.
هل انتهى هذا الصراع؟
الوقائع تشير إلى أنه لم ينتهِ، بل تغيّرت أدواته. لم تعد المواجهة مباشرة دائماً، بل عبر حروب بالوكالة، عقوبات، وضغوط سياسية واقتصادية ومؤخرًا عسكرية ويظهر ذلك من خلال الأساطيل الموجودة في المنطقة.
طالما أن إيران ترى في هذا المحور ورقة استراتيجية في صراعها الأوسع، ستبقى مصلحة بقاء الجبهة قائمة. وبالتالي، أسباب وجودها إقليمياً لم تنتهِ، حتى لو تبدّلت أشكال الاشتباك.
4. العقيدة والهوية: ما يتجاوز السياسة
الحزب ليس مجرد تنظيم سياسي براغماتي. هو يحمل سردية دينية-ثورية تعتبر المقاومة جزءاً من الهوية والرسالة. هذا البعد يجعل مسألة “انتهاء الأسباب” معقدة، لأن الهوية لا تُلغى بقرار إداري.
التحول من تنظيم مقاوم إلى حزب مدني كامل يتطلب مراجعة فكرية عميقة. مثل هذه التحولات تحتاج إلى ظروف داخلية وإقليمية مؤاتية، وإلى قرار استراتيجي لا يبدو متوفراً حتى الآن.
5. الكلفة الداخلية: عامل جديد
الجديد في السنوات الأخيرة هو الكلفة الاقتصادية والاجتماعية. الانهيار المالي في لبنان أصاب جميع الطوائف والمناطق، بما فيها بيئة الحزب. العقوبات، العزلة، وتراجع الخدمات خلقت أسئلة داخلية حول جدوى استمرار الصراع المفتوح.
هذا العامل لم يكن موجوداً بالحدة نفسها في العقود السابقة. وبالتالي، يمكن القول إن بعض أسباب الشرعية الشعبية التقليدية تآكلت، حتى لو لم تختفِ بالكامل.
اذا هل انتهت الأسباب أم تحوّلت؟
* سبب الاحتلال المباشر انتهى عملياً.
* سبب ضعف الدولة لا يزال قائماً، لكنه جزء من المشكلة لا مبرر دائم لها.
* سبب الصراع الإقليمي مستمر، وإن تغيّرت أشكاله.
* سبب الهوية العقائدية ما زال فاعلاً بقوة.
الأسباب لم تختفِ بالكامل، لكنها تحوّلت من مبررات واضحة ومحددة إلى شبكة معقدة من المصالح والاعتبارات الإقليمية والداخلية.
السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: هل انتهت الأسباب؟
بل: هل يمكن للبنان أن ينتقل من منطق المحاور إلى منطق الدولة الجامعة؟
وهل يمكن تحويل مفهوم الردع إلى استراتيجية وطنية تحت سقف الدولة، بدلاً من بقائه وظيفة خاصة داخل محور إقليمي؟
الإجابة على هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان وجود الحزب وجبهة الممانعة سيبقى جزءاً ثابتاً من المشهد، أم مرحلة تاريخية قابلة للتحول.
هل انتهت أسباب وجود الحزب وجبهة الممانعة؟ قراءة مدمجة بين الواقع والتاريخ

السؤال عن انتهاء أسباب وجود حزب الله وامتداده ضمن ما يُعرف بـ“جبهة الممانعة” ليس سؤالاً نظرياً، بل سؤال يتصل مباشرة بمستقبل لبنان ودوره الإقليمي. للإجابة بدقة، يجب تفكيك “الأسباب” التي أدّت إلى نشوء هذا المشروع، ثم قياس ما إذا كانت ما تزال قائمة أم تحوّلت.
1. سبب الاحتلال: انتهى أم تبدّل؟
نشأ الحزب في سياق الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1982. في عام 2000 انسحبت إسرائيل من معظم الأراضي اللبنانية، ما شكّل لحظة مفصلية. عملياً، انتهى سبب “التحرير” المباشر الذي أسّس للشرعية الأولى للحزب.
لكن الحزب لم يعتبر أن الصراع انتهى، بل انتقل إلى مفهوم “الردع”. أي أن المعركة لم تعد تحرير أرض محتلة، بل منع اعتداءات مستقبلية وفرض توازن رعب. من هنا، يمكن القول إن سبب الاحتلال بمعناه التقليدي انتهى، لكن سبب المواجهة المستمرة لم ينتهِ في نظر الحزب.
غير أن النقاش هنا يصبح سياسياً: هل الردع وظيفة حصرية للدولة عبر جيشها؟ أم يمكن أن تبقى وظيفة موازية خارج مؤسساتها؟
2. ضعف الدولة اللبنانية: الحلقة المفرغة
منذ الاستقلال، لم تنجح الدولة اللبنانية في بناء احتكار كامل للسلاح. الحرب الأهلية كرّست منطق الميليشيات، واتفاق الطائف لم يُنهِ كل أشكال الازدواجية.
اليوم، لبنان يعيش أزمة مالية ومؤسساتية عميقة. ضعف الدولة يُستخدم كحجة لاستمرار السلاح: “لا يمكن تسليم مصير البلد لدولة عاجزة”. لكن في المقابل، استمرار ازدواجية القرار العسكري والسياسي يساهم في إضعاف الدولة نفسها.
هنا ندخل في معادلة دائرية:
* ضعف الدولة يبرر بقاء السلاح.
* بقاء السلاح يمنع قيام دولة قوية.
طالما لم تُكسر هذه الحلقة عبر تسوية وطنية واضحة، ستبقى أسباب الازدواجية قائمة.
3. الصراع الإقليمي: جبهة الممانعة في ميزان التحولات
“جبهة الممانعة” ليست تنظيماً رسمياً بل محوراً سياسياً-عسكرياً تقوده ايران ويضم قوى متعددة في المنطقة. نشأت هذه الجبهة في مواجهة النفوذ الأميركي والإسرائيلي.
هل انتهى هذا الصراع؟
الوقائع تشير إلى أنه لم ينتهِ، بل تغيّرت أدواته. لم تعد المواجهة مباشرة دائماً، بل عبر حروب بالوكالة، عقوبات، وضغوط سياسية واقتصادية ومؤخرًا عسكرية ويظهر ذلك من خلال الأساطيل الموجودة في المنطقة.
طالما أن إيران ترى في هذا المحور ورقة استراتيجية في صراعها الأوسع، ستبقى مصلحة بقاء الجبهة قائمة. وبالتالي، أسباب وجودها إقليمياً لم تنتهِ، حتى لو تبدّلت أشكال الاشتباك.
4. العقيدة والهوية: ما يتجاوز السياسة
الحزب ليس مجرد تنظيم سياسي براغماتي. هو يحمل سردية دينية-ثورية تعتبر المقاومة جزءاً من الهوية والرسالة. هذا البعد يجعل مسألة “انتهاء الأسباب” معقدة، لأن الهوية لا تُلغى بقرار إداري.
التحول من تنظيم مقاوم إلى حزب مدني كامل يتطلب مراجعة فكرية عميقة. مثل هذه التحولات تحتاج إلى ظروف داخلية وإقليمية مؤاتية، وإلى قرار استراتيجي لا يبدو متوفراً حتى الآن.
5. الكلفة الداخلية: عامل جديد
الجديد في السنوات الأخيرة هو الكلفة الاقتصادية والاجتماعية. الانهيار المالي في لبنان أصاب جميع الطوائف والمناطق، بما فيها بيئة الحزب. العقوبات، العزلة، وتراجع الخدمات خلقت أسئلة داخلية حول جدوى استمرار الصراع المفتوح.
هذا العامل لم يكن موجوداً بالحدة نفسها في العقود السابقة. وبالتالي، يمكن القول إن بعض أسباب الشرعية الشعبية التقليدية تآكلت، حتى لو لم تختفِ بالكامل.
اذا هل انتهت الأسباب أم تحوّلت؟
* سبب الاحتلال المباشر انتهى عملياً.
* سبب ضعف الدولة لا يزال قائماً، لكنه جزء من المشكلة لا مبرر دائم لها.
* سبب الصراع الإقليمي مستمر، وإن تغيّرت أشكاله.
* سبب الهوية العقائدية ما زال فاعلاً بقوة.
الأسباب لم تختفِ بالكامل، لكنها تحوّلت من مبررات واضحة ومحددة إلى شبكة معقدة من المصالح والاعتبارات الإقليمية والداخلية.
السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: هل انتهت الأسباب؟
بل: هل يمكن للبنان أن ينتقل من منطق المحاور إلى منطق الدولة الجامعة؟
وهل يمكن تحويل مفهوم الردع إلى استراتيجية وطنية تحت سقف الدولة، بدلاً من بقائه وظيفة خاصة داخل محور إقليمي؟
الإجابة على هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان وجود الحزب وجبهة الممانعة سيبقى جزءاً ثابتاً من المشهد، أم مرحلة تاريخية قابلة للتحول.









