الطائف وتعديله ثمن تأجيل الانتخابات: تغيير الوجهة والسلوك

الكاتب: منير الربيع | المصدر: المدن
23 شباط 2026

لم يعد بالإمكان التعاطي مع ملفات المنطقة بوصفها منفصلة عن بعضها البعض حتى في جوانب تفصيلية تتصل باستحقاقات داخلية في كل بلد أو دولة. فالعنوان الأميركي المطروح والمطلوب فرضه هو تغيير سلوك ووجهة هذه الدول وحتى عقائدها، حتى أن التلويح قد يصل إلى تغيير أنظمة هذه الدول، وهو ما يظهر في مواقف يطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تغيير النظام في إيران في حال لم يعمل على تغيير سلوكه بالكامل واتخاذ مواقف موالية للولايات المتحدة الأميركية والالتزام باستراتيجيتها. وهو ما ينطبق أيضاً على العراق، إذ إن ترامب يرفض تولي نوري المالكي رئاسة الحكومة وتضغط واشنطن على العراقيين لاختيار شخصية أخرى مع الاستمرار في عقد الاتفاقات والتفاهمات مع الولايات المتحدة، أما البديل فسيكون فرض عقوبات قاسية جداً، وهو ما لا ينفصل عن كلام المبعوث الأميركي توم باراك سابقاً عندما تحدث عن فشل التجربة العراقية وهو ما يفتح الباب أمام البحث عن صيغة بديلة. لبنان ليس بعيداً عن هذه الوجهة أيضاً، وقد بدأ العمل بشكل واضح في سبيل تأطيرها مؤسساتياً. 

من إيران، إلى العراق فلبنان، يبقى النموذج الأميركي الذي يُراد اعتماده هو النموذج السوري، والذي بدأ بحصول تغيير جذري أطاح بنظام بشار الأسد فيما النظام الجديد دخل في المدار الأميركي والإقليمي الذي يتقاطع مع الولايات المتحدة الأميركية. هذا ما هو معروض على إيران إذا ما أرادت الحفاظ على نظامها وأن تدخل في شراكة كاملة مع الولايات المتحدة بعد تلبية كل شروطها، وهو معروض على العراق أيضاً، وكذلك لبنان، إذ لا يزال الحديث في بيروت وفي المواقف الدولية المرتبطة بالملف اللبناني تركز على ضرورة الالتزام بتطبيق الطائف كاملاً من حصر السلاح إلى إنجاز الاستحقاقات السياسية والدستورية. وفي حال تعثر هذا المسار، فإن لبنان أيضاً سيكون عرضة للإهمال والمزيد من الضغوط التي ستؤدي إلى المزيد من الانهيارات وصولاً إلى تحركات شعبية وانفجارات اجتماعية تعيد انتاج تركيبة سياسية مختلفة. أما في حال أرادت التركيبة القائمة الحفاظ على النظام القائم فلا بد لها أن تقدم كل التنازلات المطلوبة. 

في موازاة قراءة المشهد العام لبنانياً، فإن البحث انطلق جدياً في إيجاد سبيل لتمديد ولاية المجلس النيابي وتأجيل الانتخابات النيابية، وهذا ما يتصل بحسابات متعددة، أولاً عدم استمرار التوازنات السياسية الحالية في المجلس النيابي. ثانياً، حسم مسألة حصر السلاح بيد الدولة. ثالثاً، العمل على تطبيق اتفاق الطائف كاملاً، بما يتضمنه من بنود تتصل بإلغاء الطائفية السياسية، وتشكيل مجلس نيابي لا طائفي، مقابل إنشاء مجلس الشيوخ، وإنجاز المراسيم التطبيقية للامركزية الموسعة، وإعداد قانون انتخابي جديد أيضاً من روح الطائف. كل هذه العناوين هي التي ستشكل الدافع التبريري لتأجيل الانتخابات النيابية. وقد بدأت دوائر عديدة تجري الدراسات اللازمة والإعداد الكافي للتقدم بمشاريع أو اقتراحات قوانين حول كيفية تطبيق الطائف كاملاً، على أن يتحول المجلس النيابي المدد له إلى ورشة عمل مفتوحة تهدف إلى إقرار هذه القوانين وإنجاز المراسيم مع الحكومة.

وبحسب المعلومات فإن النقاش يتركز حول كيفية التمديد وهل سيكون من قبل المجلس النيابي أم الحكومة، علماً أن هناك جهات تسعى إلى اقرار تسوية شاملة، ترتبط بالوصول الى اتفاق مع صندوق النقد الدولي في الربيع المقبل، واقرار قانون اعادة هيكلة المصارف واقرار قانون الفجوة المالية. جزء من هذه التسوية يرتبط ببقاء المجلس النيابي الحالي لسنتين اضافيتين مقابل أن تستمر حكومة نواف طوال ولاية المجلس. وهذا ما وفر كل عناصر الحماية للحكومة منذ اقرار الموازنة ومواجهة تظاهرات العسكريين المتقاعدين، وصولاً إلى حمايتها من التحركات الشعبية بعد إقرار الاجراءات الضريبية أي زيادة ضريبة على البنزين ورفع الضريبة على القيمة المضافة بنسبة واحد بالمئة، وعندما جرت محاولات لإسقاط الحكومة في الشارع أو عبر تحركات سياسية، تم توفير الغطاء لها على قاعدة أنه لا يمكن اسقاط الحكومة في ظل السعي للتمديد للمجلس النيابي وأن شرط بقاء الحكومة هو الثمن المقابل للتمديد للمجلس.

وتكشف مصادر متابعة أنه خلال اجتماع سفراء الدول الخمس المعنية بلبنان الأسبوع الماضي في السفارة المصرية في بيروت، جرى النقاش في مسألة تأجيل الانتخابات النيابية، وقد طرح السفير الأميركي ميشال عيسى مسألة تأجيل الانتخابات لأن الأولوية في هذه المرحلة هي لسحب السلاح وحصره بيد الدولة، وهذا أمر لم يلق أي اعتراض بينما تفيد المصادر بأن السفير السعودي ايضاً يؤيد هذه الفكرة. وبحسب المعلومات فإنه لا أحد يتوقع أن تؤدي الانتخابات إلى أي تغيير في توازنات المجلس النيابي وخصوصاً بما يتعلق بعدم القدرة على تحقيق خرق في المقاعد الشيعية وقدرة حزب الله على تجديد شرعيته بشكل كامل.

بعد هذا الاجتماع تسربت المعلومات حول مداولاته، وهو ما نقله إلى بري اكثر من سفير، وما تريده القوى الدولية، أن يتم الوصول إلى صيغة سياسية كاملة للحل في لبنان تقوم على تطبيق الطائف كاملاً وحصر السلاح وإنجاز الإصلاحات.

ما تجمع عليه القوى الدولية أيضاً، هو ما تعتبره سأم من الدوران اللبناني في حلقة مفرغة، وفي تضارب الكثير من الصلاحيات بين السلطات أو الوزارات، وتجدد الخلافات حول كيفية إدارة الأمور في ملفات عديدة من النفايات التي تحولت إلى أزمة مناطقية، إلى السلاح أو السياسات المالية. كل ذلك يندرج في سياق البحث عن تغيير كل السلوك الذي كان قائماً داخل بنية النظام السياسي اللبناني وتركيبته مقابل السعي للمحافظة عليه تحت سقف الطائف، أما في حال فشلت عملية تغيير الوجهة والسلوك، فإن الأخطر سيكون بتغيير التركيبة على نحوٍ كامل. 

الطائف وتعديله ثمن تأجيل الانتخابات: تغيير الوجهة والسلوك

الكاتب: منير الربيع | المصدر: المدن
23 شباط 2026

لم يعد بالإمكان التعاطي مع ملفات المنطقة بوصفها منفصلة عن بعضها البعض حتى في جوانب تفصيلية تتصل باستحقاقات داخلية في كل بلد أو دولة. فالعنوان الأميركي المطروح والمطلوب فرضه هو تغيير سلوك ووجهة هذه الدول وحتى عقائدها، حتى أن التلويح قد يصل إلى تغيير أنظمة هذه الدول، وهو ما يظهر في مواقف يطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تغيير النظام في إيران في حال لم يعمل على تغيير سلوكه بالكامل واتخاذ مواقف موالية للولايات المتحدة الأميركية والالتزام باستراتيجيتها. وهو ما ينطبق أيضاً على العراق، إذ إن ترامب يرفض تولي نوري المالكي رئاسة الحكومة وتضغط واشنطن على العراقيين لاختيار شخصية أخرى مع الاستمرار في عقد الاتفاقات والتفاهمات مع الولايات المتحدة، أما البديل فسيكون فرض عقوبات قاسية جداً، وهو ما لا ينفصل عن كلام المبعوث الأميركي توم باراك سابقاً عندما تحدث عن فشل التجربة العراقية وهو ما يفتح الباب أمام البحث عن صيغة بديلة. لبنان ليس بعيداً عن هذه الوجهة أيضاً، وقد بدأ العمل بشكل واضح في سبيل تأطيرها مؤسساتياً. 

من إيران، إلى العراق فلبنان، يبقى النموذج الأميركي الذي يُراد اعتماده هو النموذج السوري، والذي بدأ بحصول تغيير جذري أطاح بنظام بشار الأسد فيما النظام الجديد دخل في المدار الأميركي والإقليمي الذي يتقاطع مع الولايات المتحدة الأميركية. هذا ما هو معروض على إيران إذا ما أرادت الحفاظ على نظامها وأن تدخل في شراكة كاملة مع الولايات المتحدة بعد تلبية كل شروطها، وهو معروض على العراق أيضاً، وكذلك لبنان، إذ لا يزال الحديث في بيروت وفي المواقف الدولية المرتبطة بالملف اللبناني تركز على ضرورة الالتزام بتطبيق الطائف كاملاً من حصر السلاح إلى إنجاز الاستحقاقات السياسية والدستورية. وفي حال تعثر هذا المسار، فإن لبنان أيضاً سيكون عرضة للإهمال والمزيد من الضغوط التي ستؤدي إلى المزيد من الانهيارات وصولاً إلى تحركات شعبية وانفجارات اجتماعية تعيد انتاج تركيبة سياسية مختلفة. أما في حال أرادت التركيبة القائمة الحفاظ على النظام القائم فلا بد لها أن تقدم كل التنازلات المطلوبة. 

في موازاة قراءة المشهد العام لبنانياً، فإن البحث انطلق جدياً في إيجاد سبيل لتمديد ولاية المجلس النيابي وتأجيل الانتخابات النيابية، وهذا ما يتصل بحسابات متعددة، أولاً عدم استمرار التوازنات السياسية الحالية في المجلس النيابي. ثانياً، حسم مسألة حصر السلاح بيد الدولة. ثالثاً، العمل على تطبيق اتفاق الطائف كاملاً، بما يتضمنه من بنود تتصل بإلغاء الطائفية السياسية، وتشكيل مجلس نيابي لا طائفي، مقابل إنشاء مجلس الشيوخ، وإنجاز المراسيم التطبيقية للامركزية الموسعة، وإعداد قانون انتخابي جديد أيضاً من روح الطائف. كل هذه العناوين هي التي ستشكل الدافع التبريري لتأجيل الانتخابات النيابية. وقد بدأت دوائر عديدة تجري الدراسات اللازمة والإعداد الكافي للتقدم بمشاريع أو اقتراحات قوانين حول كيفية تطبيق الطائف كاملاً، على أن يتحول المجلس النيابي المدد له إلى ورشة عمل مفتوحة تهدف إلى إقرار هذه القوانين وإنجاز المراسيم مع الحكومة.

وبحسب المعلومات فإن النقاش يتركز حول كيفية التمديد وهل سيكون من قبل المجلس النيابي أم الحكومة، علماً أن هناك جهات تسعى إلى اقرار تسوية شاملة، ترتبط بالوصول الى اتفاق مع صندوق النقد الدولي في الربيع المقبل، واقرار قانون اعادة هيكلة المصارف واقرار قانون الفجوة المالية. جزء من هذه التسوية يرتبط ببقاء المجلس النيابي الحالي لسنتين اضافيتين مقابل أن تستمر حكومة نواف طوال ولاية المجلس. وهذا ما وفر كل عناصر الحماية للحكومة منذ اقرار الموازنة ومواجهة تظاهرات العسكريين المتقاعدين، وصولاً إلى حمايتها من التحركات الشعبية بعد إقرار الاجراءات الضريبية أي زيادة ضريبة على البنزين ورفع الضريبة على القيمة المضافة بنسبة واحد بالمئة، وعندما جرت محاولات لإسقاط الحكومة في الشارع أو عبر تحركات سياسية، تم توفير الغطاء لها على قاعدة أنه لا يمكن اسقاط الحكومة في ظل السعي للتمديد للمجلس النيابي وأن شرط بقاء الحكومة هو الثمن المقابل للتمديد للمجلس.

وتكشف مصادر متابعة أنه خلال اجتماع سفراء الدول الخمس المعنية بلبنان الأسبوع الماضي في السفارة المصرية في بيروت، جرى النقاش في مسألة تأجيل الانتخابات النيابية، وقد طرح السفير الأميركي ميشال عيسى مسألة تأجيل الانتخابات لأن الأولوية في هذه المرحلة هي لسحب السلاح وحصره بيد الدولة، وهذا أمر لم يلق أي اعتراض بينما تفيد المصادر بأن السفير السعودي ايضاً يؤيد هذه الفكرة. وبحسب المعلومات فإنه لا أحد يتوقع أن تؤدي الانتخابات إلى أي تغيير في توازنات المجلس النيابي وخصوصاً بما يتعلق بعدم القدرة على تحقيق خرق في المقاعد الشيعية وقدرة حزب الله على تجديد شرعيته بشكل كامل.

بعد هذا الاجتماع تسربت المعلومات حول مداولاته، وهو ما نقله إلى بري اكثر من سفير، وما تريده القوى الدولية، أن يتم الوصول إلى صيغة سياسية كاملة للحل في لبنان تقوم على تطبيق الطائف كاملاً وحصر السلاح وإنجاز الإصلاحات.

ما تجمع عليه القوى الدولية أيضاً، هو ما تعتبره سأم من الدوران اللبناني في حلقة مفرغة، وفي تضارب الكثير من الصلاحيات بين السلطات أو الوزارات، وتجدد الخلافات حول كيفية إدارة الأمور في ملفات عديدة من النفايات التي تحولت إلى أزمة مناطقية، إلى السلاح أو السياسات المالية. كل ذلك يندرج في سياق البحث عن تغيير كل السلوك الذي كان قائماً داخل بنية النظام السياسي اللبناني وتركيبته مقابل السعي للمحافظة عليه تحت سقف الطائف، أما في حال فشلت عملية تغيير الوجهة والسلوك، فإن الأخطر سيكون بتغيير التركيبة على نحوٍ كامل. 

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار