حرب على إيران أم تسوية: كلفة لبنان عالية

ليس بعيداً أن يكون التصعيد الإسرائيلي الأخير والعدوان على رياق في البقاع على صلة بالمفاوضات الإيرانية الأميركية. تمنح الولايات المتحدة لرئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو الضوء الأخضر لتنفيس غضبه واعتراضه على المفاوضات مع إيران في جنوب لبنان وبقاعه والمزيد من الاستهداف لمسؤولي حزب الله وعناصره. في حال التسوية أو الحرب فإن لبنان على موعد مع تصعيد متجدد. وفي المعلومات التي تبلغها لبنان فإنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعتزم ضرب إيران.
في قراءة المطلعين على موقف طهران، فإن الولايات المتحدة تتخوف من عدم ضمان نتائج الضربة، وإدخالها في صراع مفتوح، وهي لا ترغب في دفع كلفة باهظة لحرب من هذا النوع.
وتضع إيران التهديدات بالحرب في إطار الضغط من أجل انتزاع تنازلات وفتح كُوّة في المفاوضات، أو لتوجيه رسالة إلى المجتمع الدولي مفادها: أن واشنطن حاولت مع إيران ولم يكن بدّ من الحرب، بما يوفّر مبرّرات للضربة. اختار دونالد ترامب مسار التفاوض خوفًا من أي تصعيد قد يقود إلى نتائج لا تخدم مصالحه، خصوصًا في ظلّ استعداده للانتخابات النصفية وسط حسابات معقّدة.
يقول المطلعون على الموقف الإيراني إن طهران أبدت مرونة في التفاوض، وقدّمت للأميركيين أوراقًا جديدة منحته فرصة لتحقيق إنجاز من دون الذهاب إلى الحرب، لا سيّما أن أولويته تتمثّل في أمرين: بيع النفط الإيراني إلى الصين بالسعر العالمي لا بسعر يقلّ بنسبة 20 في المئة عن سعر السوق كما هو حاصل اليوم، إضافة إلى رغبته في تطبيق تجربته مع فنزويلا على إيران.
هدفٌ أميركي آخر، وفق أجندة ترامب، يرتبط بالاستثمار في إيران وتطوير مرافقها الاقتصادية بعد سنوات من الحصار. ومن بين الأسباب التي دفعت ترامب إلى إلغاء الاتفاق النووي عام 2018 اعتقاده أن الاتفاق وفّر للأوروبيين فرصًا استثمارية في إيران حُرمت منها الولايات المتحدة. وقد التفتت إيران إلى هذه المسألة، وأعلن أكثر من مسؤول أنها لا تمانع الاستثمارات الأميركية. ويقوم التفاوض أساسًا على الاستثمار مقابل ضمانات قاطعة بعدم تحويل المشروع النووي إلى عسكري، وحصره في إطار التخصيب السلمي.
في المقابل، ترفض إيران رفضًا مطلقًا وقف التخصيب بشكل دائم، وقد توافق على خفض نسبته إلى مستويات غير خطِرة، لكن من دون إلغائه نهائيًا. وتؤكّد أن التخصيب على أراضيها مسألة سيادية أساسية. كما يمكنها السماح برقابة دولية وتقديم ضمانات بعدم الانحراف نحو الاستخدام العسكري.
الفرصة متاحة للتوصل إلى اتفاق
ضمن هذه المعطيات، تبدو الفرصة متاحة أمام الولايات المتحدة للتوصّل إلى اتفاق، غير أنّ العلاقة بين نتنياهو وترامب تجعل احتمال الحرب أكثر حضورًا، خدمةً لمصالح إسرائيلية مباشرة، أبرزها القضاء نهائيًا على البرنامج النووي الإيراني ومنع أي تخصيب داخل إيران وصولًا إلى تفكيك منشآتها النووية.
وترفض إيران إدخال برنامجها الصاروخي في دائرة التفاوض، كما ترفض الحدّ من نفوذها الإقليمي أو فكّ ارتباطها بحلفائها. وتعتبر هذين الملفين خارج أي تفاوض، لأن البرنامج الباليستي يمسّ أمنها القومي، خصوصًا بعد تجربتها في الحرب مع العراق حين كانت مدنها تُستهدف من دون قدرة على الردع، ما دفعها إلى تطوير قدراتها الصاروخية. وفي هذا السياق، قدّمت إيران ضمانات بأن برنامجها دفاعي حصراً، فيما يرفض الجانب الإسرائيلي بقاء هذه القدرات، ويشترط ألّا يتجاوز مدى الصواريخ 300 كيلومتر.
وهنا يبرز تعارض بين الرزنامتين الأميركية والإسرائيلية، وهو ما دفع نتنياهو إلى زيارة الولايات المتحدة سعيًا لتحقيق مكاسب لإسرائيل أو لتعطيل الاتفاق والدفع نحو ضربة عسكرية تشارك فيها. ويبدو أن هذه الخطوة لم تحظَ حتى الآن بموافقة ترامب، رغم استمرار الضغوط الإسرائيلية.
ويُفهم من هذا العرض أنّ خيارين متوازيين يسيران معًا: خيار التسوية وخيار الحرب. وقد عزّزت إيران فرص الاتفاق عبر مجموعة عوامل، منها نجاحها في ضرب خلايا أمنية اتهمتها بإثارة الشغب وتحريض الشارع، وهي نقطة كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تراهنان عليها لإسقاط النظام بالتوازي مع أي ضربة عسكرية. غير أن طهران نجحت في تعطيل هذا المسار والقضاء على الاضطرابات، باعتراف إسرائيلي بدور الموساد في تحريكها.
كما شكّل تعامل إيران مع ملف “ستارلينك” مفاجأة، دفعت واشنطن إلى إعادة حساباتها خشية ظهور مفاجآت غير متوقعة.
وتؤكد تصريحات المسؤولين الإيرانيين أن أي ضربة ستُقابَل باستهداف القواعد الأميركية في المنطقة، من دون اعتبار لعلاقات إيران مع دولها. كما شدّد المرشد الإيراني السيد علي الخامنئي على أن أي اعتداء سيؤدي إلى حرب إقليمية، رافضًا أي “مسرحية” تقوم على ضربة أميركية من دون ردّ إيراني. وتعتبر إيران أن أي حرب عليها هي حرب وجودية، وستُواجَه على هذا الأساس.
وترى طهران أن عدم حديث واشنطن عن إلغاء مشروعها النووي يشكّل مؤشرًا إيجابيًا، مع تأكيدها أنها ستردّ حتمًا على أي اعتداء. وفي المقابل، يُنظر إلى التصعيد الإسرائيلي في لبنان على أنه هامش حركة منحه الأميركي لإسرائيل لتخفيف انزعاجها من احتمالات الاتفاق، ما يجعل حزب الله معنيًا مباشرة بأي حرب محتملة.
حرب على إيران أم تسوية: كلفة لبنان عالية

ليس بعيداً أن يكون التصعيد الإسرائيلي الأخير والعدوان على رياق في البقاع على صلة بالمفاوضات الإيرانية الأميركية. تمنح الولايات المتحدة لرئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو الضوء الأخضر لتنفيس غضبه واعتراضه على المفاوضات مع إيران في جنوب لبنان وبقاعه والمزيد من الاستهداف لمسؤولي حزب الله وعناصره. في حال التسوية أو الحرب فإن لبنان على موعد مع تصعيد متجدد. وفي المعلومات التي تبلغها لبنان فإنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعتزم ضرب إيران.
في قراءة المطلعين على موقف طهران، فإن الولايات المتحدة تتخوف من عدم ضمان نتائج الضربة، وإدخالها في صراع مفتوح، وهي لا ترغب في دفع كلفة باهظة لحرب من هذا النوع.
وتضع إيران التهديدات بالحرب في إطار الضغط من أجل انتزاع تنازلات وفتح كُوّة في المفاوضات، أو لتوجيه رسالة إلى المجتمع الدولي مفادها: أن واشنطن حاولت مع إيران ولم يكن بدّ من الحرب، بما يوفّر مبرّرات للضربة. اختار دونالد ترامب مسار التفاوض خوفًا من أي تصعيد قد يقود إلى نتائج لا تخدم مصالحه، خصوصًا في ظلّ استعداده للانتخابات النصفية وسط حسابات معقّدة.
يقول المطلعون على الموقف الإيراني إن طهران أبدت مرونة في التفاوض، وقدّمت للأميركيين أوراقًا جديدة منحته فرصة لتحقيق إنجاز من دون الذهاب إلى الحرب، لا سيّما أن أولويته تتمثّل في أمرين: بيع النفط الإيراني إلى الصين بالسعر العالمي لا بسعر يقلّ بنسبة 20 في المئة عن سعر السوق كما هو حاصل اليوم، إضافة إلى رغبته في تطبيق تجربته مع فنزويلا على إيران.
هدفٌ أميركي آخر، وفق أجندة ترامب، يرتبط بالاستثمار في إيران وتطوير مرافقها الاقتصادية بعد سنوات من الحصار. ومن بين الأسباب التي دفعت ترامب إلى إلغاء الاتفاق النووي عام 2018 اعتقاده أن الاتفاق وفّر للأوروبيين فرصًا استثمارية في إيران حُرمت منها الولايات المتحدة. وقد التفتت إيران إلى هذه المسألة، وأعلن أكثر من مسؤول أنها لا تمانع الاستثمارات الأميركية. ويقوم التفاوض أساسًا على الاستثمار مقابل ضمانات قاطعة بعدم تحويل المشروع النووي إلى عسكري، وحصره في إطار التخصيب السلمي.
في المقابل، ترفض إيران رفضًا مطلقًا وقف التخصيب بشكل دائم، وقد توافق على خفض نسبته إلى مستويات غير خطِرة، لكن من دون إلغائه نهائيًا. وتؤكّد أن التخصيب على أراضيها مسألة سيادية أساسية. كما يمكنها السماح برقابة دولية وتقديم ضمانات بعدم الانحراف نحو الاستخدام العسكري.
الفرصة متاحة للتوصل إلى اتفاق
ضمن هذه المعطيات، تبدو الفرصة متاحة أمام الولايات المتحدة للتوصّل إلى اتفاق، غير أنّ العلاقة بين نتنياهو وترامب تجعل احتمال الحرب أكثر حضورًا، خدمةً لمصالح إسرائيلية مباشرة، أبرزها القضاء نهائيًا على البرنامج النووي الإيراني ومنع أي تخصيب داخل إيران وصولًا إلى تفكيك منشآتها النووية.
وترفض إيران إدخال برنامجها الصاروخي في دائرة التفاوض، كما ترفض الحدّ من نفوذها الإقليمي أو فكّ ارتباطها بحلفائها. وتعتبر هذين الملفين خارج أي تفاوض، لأن البرنامج الباليستي يمسّ أمنها القومي، خصوصًا بعد تجربتها في الحرب مع العراق حين كانت مدنها تُستهدف من دون قدرة على الردع، ما دفعها إلى تطوير قدراتها الصاروخية. وفي هذا السياق، قدّمت إيران ضمانات بأن برنامجها دفاعي حصراً، فيما يرفض الجانب الإسرائيلي بقاء هذه القدرات، ويشترط ألّا يتجاوز مدى الصواريخ 300 كيلومتر.
وهنا يبرز تعارض بين الرزنامتين الأميركية والإسرائيلية، وهو ما دفع نتنياهو إلى زيارة الولايات المتحدة سعيًا لتحقيق مكاسب لإسرائيل أو لتعطيل الاتفاق والدفع نحو ضربة عسكرية تشارك فيها. ويبدو أن هذه الخطوة لم تحظَ حتى الآن بموافقة ترامب، رغم استمرار الضغوط الإسرائيلية.
ويُفهم من هذا العرض أنّ خيارين متوازيين يسيران معًا: خيار التسوية وخيار الحرب. وقد عزّزت إيران فرص الاتفاق عبر مجموعة عوامل، منها نجاحها في ضرب خلايا أمنية اتهمتها بإثارة الشغب وتحريض الشارع، وهي نقطة كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تراهنان عليها لإسقاط النظام بالتوازي مع أي ضربة عسكرية. غير أن طهران نجحت في تعطيل هذا المسار والقضاء على الاضطرابات، باعتراف إسرائيلي بدور الموساد في تحريكها.
كما شكّل تعامل إيران مع ملف “ستارلينك” مفاجأة، دفعت واشنطن إلى إعادة حساباتها خشية ظهور مفاجآت غير متوقعة.
وتؤكد تصريحات المسؤولين الإيرانيين أن أي ضربة ستُقابَل باستهداف القواعد الأميركية في المنطقة، من دون اعتبار لعلاقات إيران مع دولها. كما شدّد المرشد الإيراني السيد علي الخامنئي على أن أي اعتداء سيؤدي إلى حرب إقليمية، رافضًا أي “مسرحية” تقوم على ضربة أميركية من دون ردّ إيراني. وتعتبر إيران أن أي حرب عليها هي حرب وجودية، وستُواجَه على هذا الأساس.
وترى طهران أن عدم حديث واشنطن عن إلغاء مشروعها النووي يشكّل مؤشرًا إيجابيًا، مع تأكيدها أنها ستردّ حتمًا على أي اعتداء. وفي المقابل، يُنظر إلى التصعيد الإسرائيلي في لبنان على أنه هامش حركة منحه الأميركي لإسرائيل لتخفيف انزعاجها من احتمالات الاتفاق، ما يجعل حزب الله معنيًا مباشرة بأي حرب محتملة.













