رسالة أميركية حاسمة… هل يكون البقاع مسرح “حرب الإسناد” الثانية؟

الكاتب: طوني بولس | المصدر: اندبندنت عربية
24 شباط 2026

الاستهدافات الإسرائيلية في البقاع جاءت في سياق إقليمي متشابك يعكس مرحلة جديدة من الصراع مع “حزب الله”، عنوانها المنع الاستباقي لأي محاولة لإعادة بناء القدرات العسكرية، لا سيما ترسانته الصاروخية في البقاع، التي تخشى إسرائيل تحريكها في حال اندلاع حرب أميركية – إيرانية. في المقابل، تلقت الدولة اللبنانية رسالة أميركية حاسمة مفادها بأن أي صاروخ يطلق من لبنان سيعد إعلان حرب تتحمل مسؤوليته الدولة.

لم تأت الاستهدافات الإسرائيلية الأخيرة في منطقة البقاع (شرق) من فراغ، ولا يمكن عزلها عن السياق الإقليمي المتشابك الذي يحيط بلبنان منذ انتهاء الجولة الكبرى من الحرب بين إسرائيل و”حزب الله” عام 2024. ما جرى في عمق البقاع قرأه بعض الأوساط السياسية بأنه رسالة إسرائيلية حاسمة وصلت بوضوح إلى الحزب والدولة اللبنانية معاً، عنوانها أن مرحلة ما بعد الحرب الأولى ليست فترة هدنة لإعادة البناء العسكري، بل مرحلة مراقبة دقيقة ومنع استباقي لأي محاولة ترميم أو استعادة لقدرات الحزب، وخصوصاً في ما يتصل بالسلاح الصاروخي الذي لا تزال إسرائيل تعتبره التهديد الوجودي الأول على جبهتها الشمالية.

في هذه المسافة الزمنية الفاصلة بين الحرب التي وقعت، والحرب التي تخشى عودتها، لم تغب إسرائيل عن المشهد اللبناني، ولم تكتف بمتابعة سياسية أو إعلامية. وفق المعطيات المتداولة في تقارير إسرائيلية ودولية، كانت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حاضرة في عمق بنية “حزب الله”، تراقب تحركاته، وتعيد تركيب شبكاته التنظيمية، وتتابع التعيينات الجديدة التي جرت بعد الخسائر التي تكبدها خلال المواجهة الأخيرة، وتعيد تحديث بنك أهدافها على أساس معلومات استخباراتية متراكمة. من هذا المنطلق لا يمكن فهم ضربة البقاع إلا بوصفها ذروة مسار طويل من الرصد والتتبع.

عسكرياً، تكتسب منطقة البقاع بالنسبة إلى “حزب الله” أهمية استثنائية، كونها الخزان الاستراتيجي الأعمق لسلاحه حيث راكم الجزء الأثقل والأكثر حساسية من ترسانته العسكرية، وخصوصاً الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى والأكثر دقة، وصولاً إلى ما تصنفه تقارير إسرائيلية وغربية ضمن فئة الصواريخ الباليستية، فضلاً عن منظومات إطلاق متحركة، وسلاح المسيرات الذي تحول خلال الأعوام الأخيرة إلى عنصر مركزي في العقيدة القتالية للحزب، ويثير قلقاً دائماً في الإعلام والتقارير العسكرية الإسرائيلية.

السلاح والمدنيون

تشير التقديرات المتقاطعة إلى أن جزءاً كبيراً من هذه الترسانة لا يزال موجوداً في باطن الأرض، ضمن شبكات أنفاق ومستودعات محصنة، بعضها يقع في محيط مناطق مأهولة أو تحتها، في محاولة واضحة لخلق معادلة ردع مضادة قوامها الدمج بين السلاح والمدنيين. من هنا فإن استهداف البقاع لا يعني فقط ضرب موقع أو اجتماع، بل يعني الاقتراب من العمود الفقري لقدرة الحزب على الصمود وإعادة التموضع عسكرياً.

هذا ما يفسر لماذا ذهب عدد من المراقبين إلى تشبيه ما جرى بضربة “قوة الرضوان” التي سبقت توسيع حرب عام 2024، فالتشابه لا يكمن في عدد الغارات أو نوع الذخائر المستخدمة، بل في طبيعة الهدف والرسالة. في الحالتين لم تكن إسرائيل تستهدف منصات إطلاق عابرة أو مجموعات ميدانية صغيرة، بل بنية قيادية وعملياتية تعد حجر الزاوية في أي سيناريو تصعيد واسع. الفرق الجوهري أن ضربة البقاع جاءت هذه المرة في ظل وقف إطلاق نار هش، مما يعني أن إسرائيل لم تعد تعتبر الهدنة قيداً يمنعها من العمل في العمق اللبناني، بل إطاراً تتحرك داخله متى رأت أن تهديداً استراتيجياً آخذاً في التكون.

“ضربة استباقية”

في هذا الإطار يبرز بقوة التفسير الإسرائيلي الرسمي الذي يرى في الغارات الأخيرة “ضربة استباقية” لمنع إطلاق صواريخ من البقاع باتجاه إسرائيل. هذا التفسير تعزز بما كشفته هيئة البث الإسرائيلية “كان” في تقرير تحدثت فيه عن رصد نشاط غير اعتيادي في منظومات النيران التابعة لـ”حزب الله”، ولا سيما في مجال الصواريخ، خلال الأيام الأخيرة. ووفق التقرير فإن شعبة الاستخبارات العسكرية والقيادة الشمالية في الجيش الإسرائيلي لاحظتا إعادة تنظيم داخل صفوف منظومة الصواريخ، شملت إعادة تأهيل منصات إطلاق، على رغم الضربات التي تلقاها الحزب سابقاً واستمرار الغارات الإسرائيلية.

الأخطر في هذا التقرير أنه ربط هذه التحركات مباشرة بسيناريو إقليمي أوسع، مفاده بأن “حزب الله” يستعد لإطلاق صواريخ في حال أقدمت الولايات المتحدة على مهاجمة إيران. في هذه الحال لا يكون القصف من لبنان معزولاً، بل جزءاً من مواجهة متعددة الجبهات تشارك فيها إيران مباشرة عبر “الحرس الثوري”، إلى جانب الميليشيات الشيعية في العراق والحوثيين في اليمن. هذا السيناريو، كما تقدمه التقديرات الإسرائيلية، يضع لبنان تلقائياً في قلب أي مواجهة أميركية – إيرانية، حتى لو لم يكن الحزب راغباً في ذلك، بفعل التزاماته السياسية والأيديولوجية ضمن ما يعرف بـ”محور المقاومة”.

وفق الرواية الإسرائيلية كانت هذه المعطيات أحد الأسباب الرئيسة لتنفيذ غارات جوية في البقاع استهدفت ثلاثة مقار تابعة للحزب، وأدت إلى مقتل ثمانية عناصر من وحدة الصواريخ، في ما وصف بأنه أكبر تصعيد منذ اغتيال رئيس أركان الحزب علي طباطبائي. في موازاة ذلك، رصدت إسرائيل ما وصفته بإشارات صادرة عن قيادة الحزب تفيد بأن صبره تجاه إسرائيل آخذ في النفاد، وهو ما يضع الأمين العام للحزب نعيم قاسم، أمام معادلة شديدة التعقيد: التزام عقائدي وسياسي تجاه طهران من جهة، وإدراك بأن أي تدخل مباشر سيستجلب رداً إسرائيلياً واسعاً، وقد يعيد فتح ملف سلاح الحزب داخل لبنان بقوة غير مسبوقة من جهة أخرى.

مشاركة “الحرس الثوري”

هذه القراءة تتقاطع مع تقارير غربية تحدثت عن تكثيف الاجتماعات العسكرية والأمنية داخل قيادة الحزب في الفترة الأخيرة، تحسباً لأي تصعيد محتمل، مع مشاركة ضباط من “الحرس الثوري الإيراني” في إدارة هذه الاستعدادات، بعض هؤلاء الضباط كانوا موجودين سابقاً في لبنان، في وقت وصل آخرون أخيراً، في ظل الحديث المتصاعد عن احتمال توجيه ضربة أميركية لإيران، وعلى رغم غياب تأكيد رسمي علني لهذه المعطيات، فإن تزامنها مع الضربة الإسرائيلية في البقاع يمنحها وزناً إضافياً في ميزان التحليل.

ضمن هذا النقاش قدم المتخصص العسكري العميد المتقاعد سعيد القزح قراءة لافتة لدلالات الاعتداء الأخير، فبرأيه “لا جديد جوهرياً في سلوك إسرائيل سوى العدد الكبير من الضحايا المدنيين، إذ إن تل أبيب تلاحق أي خطر تعتبره مهدداً لأمنها، حتى لو أدى ذلك إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين الذين تصنفهم كأضرار جانبية”، واستشهد القزح بما جرى في حرب غزة، حين دمرت إسرائيل أحياء كاملة لاغتيال قياديين، مما أدى إلى سقوط مئات الضحايا. من هذا المنطلق رأى “أن إسرائيل لا تعتمد فعلياً سياسة رسائل الردع مع ’حزب الله‘، لأنها تدرك أنه لن يرتدع إذا كان مصير النظام الإيراني على المحك، وأنه مستعد لدفع أثمان بشرية ومادية هائلة لتنفيذ أوامر طهران، كما عبر عن ذلك صراحة الشيخ قاسم في أكثر من مناسبة”، وذهب القزح إلى اعتبار أن ما جرى في البقاع كان عملاً مزدوجاً، استهدف منصة إطلاق صواريخ باليستية في منطقة الشعرة (البقاع)، إلى جانب قصف عناصر من الوحدة الصاروخية خلال اجتماعهم، في ضربة استباقية تهدف إلى منع تنفيذ هجوم كان يجري التحضير له، وأضاف أن الحديث عن “إنذار مسبق” للحزب من التدخل في حرب قادمة بين الولايات المتحدة وإيران لا معنى له عملياً، “لأن الحزب سينفذ ما يطلب منه مهما كانت الكلفة”.

سلاح البحرية

اللافت في هذا السياق أن إسرائيل استخدمت، للمرة الأولى، سلاح البحرية في قصف البقاع. وهذه الخطوة تحمل بعداً يتجاوز العملية بحد ذاتها، إذ تشكل رسالة مزدوجة مفادها بأن إسرائيل تملك تنوعاً كافياً في وسائلها العسكرية للتعامل مع أي تهديد، حتى في حال انشغال سلاح الجو بمهام دفاعية أخرى، كذلك فإنها تمثل اختباراً عملياً للقدرات الصاروخية التي تحملها الفرقاطات البحرية من طراز “ساعر 6″، وهي من أحدث القطع في الأسطول البحري الإسرائيلي.

نزع الشرعية

إلى جانب البعد العسكري، برز بوضوح البعد الإعلامي – السياسي للضربة، ولا سيما في ما يتعلق بمسألة المدنيين، فقد أعلنت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية أن الغارات استهدفت ثلاثة مقار قيادة تابعة لـ”حزب الله” أنشئت عمداً وسط تجمعات سكانية في البقاع، وطرحت سؤالاً مباشراً: لماذا توجد منظومة صواريخ “حزب الله” في قلب الأحياء المدنية؟ وذهبت أبعد من ذلك باتهام الحزب باستخدام المدنيين دروعاً بشرية، وباختياره وضع مقراته ومنصات صواريخه بين منازل العائلات والمدارس، موجهة خطاباً مباشراً إلى اللبنانيين حول قبولهم بتحويل قراهم إلى قواعد عسكرية تخدم أجندات تقود البلاد نحو الدمار.

هذا الخطاب لا يمكن فصله عن الاستعداد لأي مرحلة تصعيد مقبلة، فهو يهدف إلى نزع الشرعية المسبقة عن أي اعتراض لبناني أو دولي على ضربات مستقبلية، عبر تحميل الحزب مسؤولية مباشرة عن أي خسائر مدنية، في الوقت نفسه يضع الدولة اللبنانية أمام إحراج مضاعف، لأنها تصبح مطالبة، أمام المجتمع الدولي، بإثبات أنها لا تغطي استخدام المناطق المدنية لأغراض عسكرية.

أميركا وإعلان الحرب

وبحسب معلومات دبلوماسية غربية، أبلغت الدولة اللبنانية بصورة واضحة بأن الولايات المتحدة لن تتهاون مع أي تحرك ميداني لـ”حزب الله” في المرحلة المقبلة. الرسالة الأميركية، كما نقلت، شديدة الوضوح: أي صاروخ يطلق من لبنان، في أي اتجاه، سيعتبر إعلان حرب، ليس فقط على إسرائيل، بل على الولايات المتحدة نفسها، وفي هذه الحال، ستحمل الدولة اللبنانية المسؤولية الكاملة، وسيعطى الضوء الأخضر لإسرائيل لتنفيذ ضربات كبيرة وواسعة داخل لبنان، مع احتمال توسع المواجهة إلى ما هو أبعد من الضربات المحدودة.

ضمن هذه الرؤية الأميركية الأوسع، يندرج أيضاً الحديث عن دور إقليمي محتمل للرئيس السوري أحمد الشرع، الذي ينظر إليه في واشنطن كحليف أساس ضمن مشروع الاستقرار الإقليمي الجديد. في المقابل، تصنف إيران و”حزب الله” كعاملي زعزعة لهذا الاستقرار، مما يعني أن أي تساهل مع استخدام لبنان كمنصة عسكرية لن يكون مقبولاً في المرحلة المقبلة، في إطار إعادة ترتيب الشرق الأوسط وفق توازنات جديدة.

في هذا المشهد المعقد، يجد لبنان الرسمي نفسه أمام اختبار بالغ الخطورة، فالدولة تعترف ضمنياً بأن البقاع يشكل العقدة الأصعب في ملف سلاح “حزب الله”، باعتباره الخزان الاستراتيجي الأساس لهذا السلاح. وقد تعهدت، بالتعاون مع الجيش، بوضع خطة بطيئة وتدريجية لضبط الوضع ومنع أي عمل عسكري انطلاقاً من هذه المنطقة. وعلى أساس هذا التعهد منحت واشنطن نوعاً من الضمانة المشروطة، قوامها إعطاء الوقت للدولة اللبنانية، شرط أن تظهر فعلاً ملموساً على الأرض، غير أن هذه الضمانة ليست مفتوحة، فإذا تبين أن الدولة عاجزة أو غير راغبة في القيام بمسؤولياتها، فإن الباب سيفتح أمام خيارات أخرى، أقلها توسيع الاستهدافات الإسرائيلية، وأكثرها انزلاق لبنان مجدداً إلى حرب واسعة لا يملك قرارها ولا قدرة حقيقية على تحمل كلفتها.

ووفق المعلومات فإن رئيس مجلس النواب نبيه بري نقل رسالة إلى أمين عام “حزب الله” نعيم قاسم تؤكد خطورة الموقف في ظل كلام قاسم عن رفض الوقوف على حياد في حال شنت أميركا حرباً على إيران، محذراً من أن أي “حرب إسناد” جديدة ستؤدي إلى عزل الحزب كلياً ومقاطعة شاملة من ضمنها حركة “أمل” التي قد تفك التحالف القائم بينهما منذ 30 عاماً.

“الصبر الاستراتيجي”

في سياق متصل، رأى الصحافي جورج العاقوري أن الواقع القائم لم يعد يحتمل الالتباس أو إدارة الوقت، بل يفرض على “حزب الله” حسم خياره السياسي والعسكري بوضوح كامل، فبرأيه “هناك ضرورة حقيقية لأن يصل الحزب إلى قناعة نهائية: إما أن يقرر الوقوف فعلياً خلف الدولة اللبنانية، فيتخلى عن جناحه العسكري ويعلن صراحة أنه سينصرف إلى العمل السياسي، ويسلم الدولة كامل مواقعه وترسانته وبناه العسكرية، وإما أن يختار مواجهة إسرائيل بشكل مباشر ويتحمل وحده تبعات هذا القرار، من دون إبقاء لبنان رهينة حرب مستدامة”، وأشار العاقوري إلى أن استمرار الوضع القائم منذ اتفاق وقف إطلاق النار وضع لبنان عملياً في حال حرب غير معلنة، “يدفع ثمنها المدنيون أولاً، إلى جانب كلفة اقتصادية واجتماعية وبنيوية هائلة تطاول الدولة والمجتمع”، واعتبر أن الحزب لا يستطيع الاستمرار في رفع شعار “الصبر الاستراتيجي فيما أفعاله الميدانية تناقض هذا الشعار وتعرض البلاد لأخطار متراكمة، في مشهد يذكر بتجارب أنظمة استخدمت الوقت كوسيلة للهرب من الاستحقاقات”.

وفي ما يتصل بالمأزق الذي تعيشه الدولة اللبنانية، لفت العاقوري إلى أن هذا المأزق يتفاقم عندما يعقد “’حزب الله‘ اجتماعاته العسكرية داخل مناطق مدنية مكتظة، مما يحول المدنيين إلى دروع بشرية ويمنح إسرائيل ذريعة دائمة لتبرير اعتداءاتها، فالسلاح غير الشرعي لم يسلم للدولة، ولم توضع خرائطه بتصرف الجيش، مما يقيد قدرة الدولة على المواجهة السياسية والدبلوماسية”، وشدد على أن خطاب القسم والبيان الوزاري كانا واضحين في المطالبة بتطبيق الدستور وحصرية السلاح بيد الدولة، وأن الرئيس جوزاف عون حاول منذ انتخابه فتح مسار تفاوضي مع “حزب الله” بحسن نية، من دون الوصول إلى نتائج ملموسة. من هنا، جاءت جلسة الخامس من أغسطس (آب) كمحطة سيادية أكدت القرار بإنهاء كل سلاح غير شرعي، وأكد “أن الجيش اللبناني يقوم بدوره إلا أن غياب تعاون ’حزب الله‘ وامتناعه عن تسليم مواقعه ومنشآته يعوقان أي معالجة جدية، ويشلان أي هامش للتحرك الدبلوماسي، إذ إن المجتمع الدولي يربط أي ضغط فعلي على إسرائيل بقدرة الدولة اللبنانية على الإمساك الحصري بقرار الحرب والسلم”، وختم العاقوري بالتأكيد أن الاعتداءات الإسرائيلية مدانة ومرفوضة، “لكن إنهاء السلاح غير الشرعي يبقى المدخل الإلزامي لحماية لبنان، لأن استمرار هذا الواقع يضع البلاد أمام أخطار داهمة لا يمكن احتمالها، ويقودها نحو مواجهات تتجاوز قدرتها على التحمل”.

الحرب المستمرة

من جانبه رأى المحامي والناشط السياسي شرف أبو شرف “أن الخطأ القاتل في مقاربة ما يجري هو الوهم بأن الحرب توقفت. الحرب لم تتوقف أصلاً، بل دخلت طوراً أخطر: حرب مستدامة منخفضة الوتيرة، تتبدل حدتها لكنها لا تنتهي، وتدار على حساب لبنان. ما جرى في البقاع في الأيام الأخيرة تأكيد صارخ أن البلاد ما زالت ساحة مفتوحة، وأن المدنيين سيبقون وقود هذه المعركة ما استمر الإنكار السياسي للواقع”، وحذر أبو شرف من أن خطورة المرحلة لا تكمن فقط في الغارات الإسرائيلية “بل في اقترانها بخطاب هجومي مرتفع السقف من ’حزب الله‘، وبشد عصب إقليمي تقوده طهران عبر محور الممانعة، تحضيراً لاحتمال مواجهة أميركية – إسرائيلية مع إيران. منذ انتهاء ما سمي بحرب الإسناد لم يطرأ أي تحول جوهري على خطاب الحزب أو سلوكه، لا خفض نبرة ولا تراجع في منطق المواجهة، وكأن لبنان مطالب بالبقاء في وضع الاستنفار الدائم بانتظار قرار إقليمي لا علاقة له بمصالحه أو قدرته على الاحتمال. المعضلة لم تعد قابلة للتجميل أو التدوير: هناك تناقض فاضح داخل الدولة نفسها التي تعلن أن قرار السلم والحرب عاد إلى الدولة، فيما قيادة ’حزب الله‘ تقول بوضوح إنها لم ولن تسلم السلاح، وإنها سترد في الزمان والمكان المناسبين. هذا ليس تبايناً في وجهات النظر، بل نسف مباشر لمفهوم الدولة. لا دولة بصوتين، ولا سيادة بنصف قرار، ولا وطن قادر على الصمود في ما قرار الحرب موزع بين مؤسسات شرعية وتنظيم مسلح”، واعتبر أبو شرف أن استمرار هذا الواقع يعني إبقاء لبنان في حال حرب دائمة، حتى في غياب حرب شاملة. كلفة هذه الحرب لا تقاس فقط بعدد الضحايا، بل بانهيار اقتصادي متواصل، وتفكك اجتماعي، واستنزاف بنيوي للدولة. الحديث عن تجنيب لبنان حرباً جديدة يصبح فارغاً ما دامت أسباب الحرب قائمة، وما دام السلاح خارج الشرعية هو من يحدد إيقاع التصعيد والتهدئة”، من هنا، وجه أبو شرف تحذيراً واضحاً “إذا كان ’حزب الله‘ يريد مقارعة إسرائيل، فليعلن ذلك ويتحمل مسؤوليته كاملة، من دون أن يختبئ خلف الدولة والمجتمع، أما إذا كان يريد البقاء جزءاً من لبنان، فعليه العودة فوراً إلى منطق الدولة، لا إلى لبنان الساحات. العودة إلى لبنانيته ليست شعاراً، بل شرط بقاء، فلبنان لم يعد يحتمل أن يكون رهينة الانتظار، ولا ساحة اختبار لحروب الآخرين، ولا دولة تدار على حافة الانفجار الدائم”.

خيار “المقاومة”

في المقابل، عبرت قيادة “حزب الله” عن موقف واضح من الاستهدافات الأخيرة في البقاع، معتبرة أن ما جرى يندرج في إطار تصعيد إسرائيلي متعمد يتجاوز منطق الخروق المحدودة ويستهدف بنية الحزب وخياراته السياسية والعسكرية. وفي هذا السياق، قال نائب رئيس المجلس السياسي في “حزب الله” محمود قماطي إن الغارات التي طاولت البقاع تمثل اعتداء جديداً وخطراً، مؤكداً أن إسرائيل تواصل سياسة القتل والتدمير من دون أي اعتبار للقانون الدولي أو لحياة المدنيين، في محاولة لفرض وقائع جديدة على الساحة اللبنانية. وأشار قماطي إلى أن “حزب الله” لا يرى في هذه الضربات “سوى حلقة إضافية في مسلسل العدوان المستمر”، معتبراً أن استهداف مواقع في العمق اللبناني، وسقوط ضحايا مدنيين، يكشفان طبيعة النهج الإسرائيلي القائم على توسيع دائرة المواجهة ورفع منسوب الضغط، لا سيما في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة. ولفت إلى أن الحزب يتعامل مع هذه الاعتداءات باعتبارها جزءاً من معركة مفتوحة، لا يمكن فصلها عن الصراع الأوسع في المنطقة، وعن محاولات إسرائيل فرض معادلة ردع جديدة بالقوة.

وشدد قماطي على أن خيار الحزب، في ظل ما وصفه بـ”العدوان المتكرر”، يبقى خيار المقاومة والدفاع، رافضاً أي طرح يطالب الحزب بالتراجع أو التخلي عن عناصر قوته فيما تستمر إسرائيل في انتهاكاتها واعتداءاتها. واعتبر أن تحميل الحزب مسؤولية التصعيد هو قلب للوقائع، “لأن جوهر المشكلة يكمن في استمرار الاحتلال والعدوان، وليس في وجود مقاومة نشأت أصلاً لمواجهته”.

وفي معرض حديثه عن المرحلة المقبلة، أوضح قماطي أن الحزب يدرك حساسية الوضع اللبناني وتعقيداته الداخلية، لكنه، في الوقت نفسه لن يقبل، كما قال “بأن تفرض عليه معادلات جديدة تحت النار أو أن يدفع إلى خيارات أحادية الجانب تخدم الأهداف الإسرائيلية”، وأكد أن الحزب يوازن بين حماية لبنان والدفاع عن نفسه وبين حسابات الرد، من دون أن يعني ذلك التخلي عن حقه في الرد في الزمان والمكان المناسبين.

رسالة أميركية حاسمة… هل يكون البقاع مسرح “حرب الإسناد” الثانية؟

الكاتب: طوني بولس | المصدر: اندبندنت عربية
24 شباط 2026

الاستهدافات الإسرائيلية في البقاع جاءت في سياق إقليمي متشابك يعكس مرحلة جديدة من الصراع مع “حزب الله”، عنوانها المنع الاستباقي لأي محاولة لإعادة بناء القدرات العسكرية، لا سيما ترسانته الصاروخية في البقاع، التي تخشى إسرائيل تحريكها في حال اندلاع حرب أميركية – إيرانية. في المقابل، تلقت الدولة اللبنانية رسالة أميركية حاسمة مفادها بأن أي صاروخ يطلق من لبنان سيعد إعلان حرب تتحمل مسؤوليته الدولة.

لم تأت الاستهدافات الإسرائيلية الأخيرة في منطقة البقاع (شرق) من فراغ، ولا يمكن عزلها عن السياق الإقليمي المتشابك الذي يحيط بلبنان منذ انتهاء الجولة الكبرى من الحرب بين إسرائيل و”حزب الله” عام 2024. ما جرى في عمق البقاع قرأه بعض الأوساط السياسية بأنه رسالة إسرائيلية حاسمة وصلت بوضوح إلى الحزب والدولة اللبنانية معاً، عنوانها أن مرحلة ما بعد الحرب الأولى ليست فترة هدنة لإعادة البناء العسكري، بل مرحلة مراقبة دقيقة ومنع استباقي لأي محاولة ترميم أو استعادة لقدرات الحزب، وخصوصاً في ما يتصل بالسلاح الصاروخي الذي لا تزال إسرائيل تعتبره التهديد الوجودي الأول على جبهتها الشمالية.

في هذه المسافة الزمنية الفاصلة بين الحرب التي وقعت، والحرب التي تخشى عودتها، لم تغب إسرائيل عن المشهد اللبناني، ولم تكتف بمتابعة سياسية أو إعلامية. وفق المعطيات المتداولة في تقارير إسرائيلية ودولية، كانت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حاضرة في عمق بنية “حزب الله”، تراقب تحركاته، وتعيد تركيب شبكاته التنظيمية، وتتابع التعيينات الجديدة التي جرت بعد الخسائر التي تكبدها خلال المواجهة الأخيرة، وتعيد تحديث بنك أهدافها على أساس معلومات استخباراتية متراكمة. من هذا المنطلق لا يمكن فهم ضربة البقاع إلا بوصفها ذروة مسار طويل من الرصد والتتبع.

عسكرياً، تكتسب منطقة البقاع بالنسبة إلى “حزب الله” أهمية استثنائية، كونها الخزان الاستراتيجي الأعمق لسلاحه حيث راكم الجزء الأثقل والأكثر حساسية من ترسانته العسكرية، وخصوصاً الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى والأكثر دقة، وصولاً إلى ما تصنفه تقارير إسرائيلية وغربية ضمن فئة الصواريخ الباليستية، فضلاً عن منظومات إطلاق متحركة، وسلاح المسيرات الذي تحول خلال الأعوام الأخيرة إلى عنصر مركزي في العقيدة القتالية للحزب، ويثير قلقاً دائماً في الإعلام والتقارير العسكرية الإسرائيلية.

السلاح والمدنيون

تشير التقديرات المتقاطعة إلى أن جزءاً كبيراً من هذه الترسانة لا يزال موجوداً في باطن الأرض، ضمن شبكات أنفاق ومستودعات محصنة، بعضها يقع في محيط مناطق مأهولة أو تحتها، في محاولة واضحة لخلق معادلة ردع مضادة قوامها الدمج بين السلاح والمدنيين. من هنا فإن استهداف البقاع لا يعني فقط ضرب موقع أو اجتماع، بل يعني الاقتراب من العمود الفقري لقدرة الحزب على الصمود وإعادة التموضع عسكرياً.

هذا ما يفسر لماذا ذهب عدد من المراقبين إلى تشبيه ما جرى بضربة “قوة الرضوان” التي سبقت توسيع حرب عام 2024، فالتشابه لا يكمن في عدد الغارات أو نوع الذخائر المستخدمة، بل في طبيعة الهدف والرسالة. في الحالتين لم تكن إسرائيل تستهدف منصات إطلاق عابرة أو مجموعات ميدانية صغيرة، بل بنية قيادية وعملياتية تعد حجر الزاوية في أي سيناريو تصعيد واسع. الفرق الجوهري أن ضربة البقاع جاءت هذه المرة في ظل وقف إطلاق نار هش، مما يعني أن إسرائيل لم تعد تعتبر الهدنة قيداً يمنعها من العمل في العمق اللبناني، بل إطاراً تتحرك داخله متى رأت أن تهديداً استراتيجياً آخذاً في التكون.

“ضربة استباقية”

في هذا الإطار يبرز بقوة التفسير الإسرائيلي الرسمي الذي يرى في الغارات الأخيرة “ضربة استباقية” لمنع إطلاق صواريخ من البقاع باتجاه إسرائيل. هذا التفسير تعزز بما كشفته هيئة البث الإسرائيلية “كان” في تقرير تحدثت فيه عن رصد نشاط غير اعتيادي في منظومات النيران التابعة لـ”حزب الله”، ولا سيما في مجال الصواريخ، خلال الأيام الأخيرة. ووفق التقرير فإن شعبة الاستخبارات العسكرية والقيادة الشمالية في الجيش الإسرائيلي لاحظتا إعادة تنظيم داخل صفوف منظومة الصواريخ، شملت إعادة تأهيل منصات إطلاق، على رغم الضربات التي تلقاها الحزب سابقاً واستمرار الغارات الإسرائيلية.

الأخطر في هذا التقرير أنه ربط هذه التحركات مباشرة بسيناريو إقليمي أوسع، مفاده بأن “حزب الله” يستعد لإطلاق صواريخ في حال أقدمت الولايات المتحدة على مهاجمة إيران. في هذه الحال لا يكون القصف من لبنان معزولاً، بل جزءاً من مواجهة متعددة الجبهات تشارك فيها إيران مباشرة عبر “الحرس الثوري”، إلى جانب الميليشيات الشيعية في العراق والحوثيين في اليمن. هذا السيناريو، كما تقدمه التقديرات الإسرائيلية، يضع لبنان تلقائياً في قلب أي مواجهة أميركية – إيرانية، حتى لو لم يكن الحزب راغباً في ذلك، بفعل التزاماته السياسية والأيديولوجية ضمن ما يعرف بـ”محور المقاومة”.

وفق الرواية الإسرائيلية كانت هذه المعطيات أحد الأسباب الرئيسة لتنفيذ غارات جوية في البقاع استهدفت ثلاثة مقار تابعة للحزب، وأدت إلى مقتل ثمانية عناصر من وحدة الصواريخ، في ما وصف بأنه أكبر تصعيد منذ اغتيال رئيس أركان الحزب علي طباطبائي. في موازاة ذلك، رصدت إسرائيل ما وصفته بإشارات صادرة عن قيادة الحزب تفيد بأن صبره تجاه إسرائيل آخذ في النفاد، وهو ما يضع الأمين العام للحزب نعيم قاسم، أمام معادلة شديدة التعقيد: التزام عقائدي وسياسي تجاه طهران من جهة، وإدراك بأن أي تدخل مباشر سيستجلب رداً إسرائيلياً واسعاً، وقد يعيد فتح ملف سلاح الحزب داخل لبنان بقوة غير مسبوقة من جهة أخرى.

مشاركة “الحرس الثوري”

هذه القراءة تتقاطع مع تقارير غربية تحدثت عن تكثيف الاجتماعات العسكرية والأمنية داخل قيادة الحزب في الفترة الأخيرة، تحسباً لأي تصعيد محتمل، مع مشاركة ضباط من “الحرس الثوري الإيراني” في إدارة هذه الاستعدادات، بعض هؤلاء الضباط كانوا موجودين سابقاً في لبنان، في وقت وصل آخرون أخيراً، في ظل الحديث المتصاعد عن احتمال توجيه ضربة أميركية لإيران، وعلى رغم غياب تأكيد رسمي علني لهذه المعطيات، فإن تزامنها مع الضربة الإسرائيلية في البقاع يمنحها وزناً إضافياً في ميزان التحليل.

ضمن هذا النقاش قدم المتخصص العسكري العميد المتقاعد سعيد القزح قراءة لافتة لدلالات الاعتداء الأخير، فبرأيه “لا جديد جوهرياً في سلوك إسرائيل سوى العدد الكبير من الضحايا المدنيين، إذ إن تل أبيب تلاحق أي خطر تعتبره مهدداً لأمنها، حتى لو أدى ذلك إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين الذين تصنفهم كأضرار جانبية”، واستشهد القزح بما جرى في حرب غزة، حين دمرت إسرائيل أحياء كاملة لاغتيال قياديين، مما أدى إلى سقوط مئات الضحايا. من هذا المنطلق رأى “أن إسرائيل لا تعتمد فعلياً سياسة رسائل الردع مع ’حزب الله‘، لأنها تدرك أنه لن يرتدع إذا كان مصير النظام الإيراني على المحك، وأنه مستعد لدفع أثمان بشرية ومادية هائلة لتنفيذ أوامر طهران، كما عبر عن ذلك صراحة الشيخ قاسم في أكثر من مناسبة”، وذهب القزح إلى اعتبار أن ما جرى في البقاع كان عملاً مزدوجاً، استهدف منصة إطلاق صواريخ باليستية في منطقة الشعرة (البقاع)، إلى جانب قصف عناصر من الوحدة الصاروخية خلال اجتماعهم، في ضربة استباقية تهدف إلى منع تنفيذ هجوم كان يجري التحضير له، وأضاف أن الحديث عن “إنذار مسبق” للحزب من التدخل في حرب قادمة بين الولايات المتحدة وإيران لا معنى له عملياً، “لأن الحزب سينفذ ما يطلب منه مهما كانت الكلفة”.

سلاح البحرية

اللافت في هذا السياق أن إسرائيل استخدمت، للمرة الأولى، سلاح البحرية في قصف البقاع. وهذه الخطوة تحمل بعداً يتجاوز العملية بحد ذاتها، إذ تشكل رسالة مزدوجة مفادها بأن إسرائيل تملك تنوعاً كافياً في وسائلها العسكرية للتعامل مع أي تهديد، حتى في حال انشغال سلاح الجو بمهام دفاعية أخرى، كذلك فإنها تمثل اختباراً عملياً للقدرات الصاروخية التي تحملها الفرقاطات البحرية من طراز “ساعر 6″، وهي من أحدث القطع في الأسطول البحري الإسرائيلي.

نزع الشرعية

إلى جانب البعد العسكري، برز بوضوح البعد الإعلامي – السياسي للضربة، ولا سيما في ما يتعلق بمسألة المدنيين، فقد أعلنت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية أن الغارات استهدفت ثلاثة مقار قيادة تابعة لـ”حزب الله” أنشئت عمداً وسط تجمعات سكانية في البقاع، وطرحت سؤالاً مباشراً: لماذا توجد منظومة صواريخ “حزب الله” في قلب الأحياء المدنية؟ وذهبت أبعد من ذلك باتهام الحزب باستخدام المدنيين دروعاً بشرية، وباختياره وضع مقراته ومنصات صواريخه بين منازل العائلات والمدارس، موجهة خطاباً مباشراً إلى اللبنانيين حول قبولهم بتحويل قراهم إلى قواعد عسكرية تخدم أجندات تقود البلاد نحو الدمار.

هذا الخطاب لا يمكن فصله عن الاستعداد لأي مرحلة تصعيد مقبلة، فهو يهدف إلى نزع الشرعية المسبقة عن أي اعتراض لبناني أو دولي على ضربات مستقبلية، عبر تحميل الحزب مسؤولية مباشرة عن أي خسائر مدنية، في الوقت نفسه يضع الدولة اللبنانية أمام إحراج مضاعف، لأنها تصبح مطالبة، أمام المجتمع الدولي، بإثبات أنها لا تغطي استخدام المناطق المدنية لأغراض عسكرية.

أميركا وإعلان الحرب

وبحسب معلومات دبلوماسية غربية، أبلغت الدولة اللبنانية بصورة واضحة بأن الولايات المتحدة لن تتهاون مع أي تحرك ميداني لـ”حزب الله” في المرحلة المقبلة. الرسالة الأميركية، كما نقلت، شديدة الوضوح: أي صاروخ يطلق من لبنان، في أي اتجاه، سيعتبر إعلان حرب، ليس فقط على إسرائيل، بل على الولايات المتحدة نفسها، وفي هذه الحال، ستحمل الدولة اللبنانية المسؤولية الكاملة، وسيعطى الضوء الأخضر لإسرائيل لتنفيذ ضربات كبيرة وواسعة داخل لبنان، مع احتمال توسع المواجهة إلى ما هو أبعد من الضربات المحدودة.

ضمن هذه الرؤية الأميركية الأوسع، يندرج أيضاً الحديث عن دور إقليمي محتمل للرئيس السوري أحمد الشرع، الذي ينظر إليه في واشنطن كحليف أساس ضمن مشروع الاستقرار الإقليمي الجديد. في المقابل، تصنف إيران و”حزب الله” كعاملي زعزعة لهذا الاستقرار، مما يعني أن أي تساهل مع استخدام لبنان كمنصة عسكرية لن يكون مقبولاً في المرحلة المقبلة، في إطار إعادة ترتيب الشرق الأوسط وفق توازنات جديدة.

في هذا المشهد المعقد، يجد لبنان الرسمي نفسه أمام اختبار بالغ الخطورة، فالدولة تعترف ضمنياً بأن البقاع يشكل العقدة الأصعب في ملف سلاح “حزب الله”، باعتباره الخزان الاستراتيجي الأساس لهذا السلاح. وقد تعهدت، بالتعاون مع الجيش، بوضع خطة بطيئة وتدريجية لضبط الوضع ومنع أي عمل عسكري انطلاقاً من هذه المنطقة. وعلى أساس هذا التعهد منحت واشنطن نوعاً من الضمانة المشروطة، قوامها إعطاء الوقت للدولة اللبنانية، شرط أن تظهر فعلاً ملموساً على الأرض، غير أن هذه الضمانة ليست مفتوحة، فإذا تبين أن الدولة عاجزة أو غير راغبة في القيام بمسؤولياتها، فإن الباب سيفتح أمام خيارات أخرى، أقلها توسيع الاستهدافات الإسرائيلية، وأكثرها انزلاق لبنان مجدداً إلى حرب واسعة لا يملك قرارها ولا قدرة حقيقية على تحمل كلفتها.

ووفق المعلومات فإن رئيس مجلس النواب نبيه بري نقل رسالة إلى أمين عام “حزب الله” نعيم قاسم تؤكد خطورة الموقف في ظل كلام قاسم عن رفض الوقوف على حياد في حال شنت أميركا حرباً على إيران، محذراً من أن أي “حرب إسناد” جديدة ستؤدي إلى عزل الحزب كلياً ومقاطعة شاملة من ضمنها حركة “أمل” التي قد تفك التحالف القائم بينهما منذ 30 عاماً.

“الصبر الاستراتيجي”

في سياق متصل، رأى الصحافي جورج العاقوري أن الواقع القائم لم يعد يحتمل الالتباس أو إدارة الوقت، بل يفرض على “حزب الله” حسم خياره السياسي والعسكري بوضوح كامل، فبرأيه “هناك ضرورة حقيقية لأن يصل الحزب إلى قناعة نهائية: إما أن يقرر الوقوف فعلياً خلف الدولة اللبنانية، فيتخلى عن جناحه العسكري ويعلن صراحة أنه سينصرف إلى العمل السياسي، ويسلم الدولة كامل مواقعه وترسانته وبناه العسكرية، وإما أن يختار مواجهة إسرائيل بشكل مباشر ويتحمل وحده تبعات هذا القرار، من دون إبقاء لبنان رهينة حرب مستدامة”، وأشار العاقوري إلى أن استمرار الوضع القائم منذ اتفاق وقف إطلاق النار وضع لبنان عملياً في حال حرب غير معلنة، “يدفع ثمنها المدنيون أولاً، إلى جانب كلفة اقتصادية واجتماعية وبنيوية هائلة تطاول الدولة والمجتمع”، واعتبر أن الحزب لا يستطيع الاستمرار في رفع شعار “الصبر الاستراتيجي فيما أفعاله الميدانية تناقض هذا الشعار وتعرض البلاد لأخطار متراكمة، في مشهد يذكر بتجارب أنظمة استخدمت الوقت كوسيلة للهرب من الاستحقاقات”.

وفي ما يتصل بالمأزق الذي تعيشه الدولة اللبنانية، لفت العاقوري إلى أن هذا المأزق يتفاقم عندما يعقد “’حزب الله‘ اجتماعاته العسكرية داخل مناطق مدنية مكتظة، مما يحول المدنيين إلى دروع بشرية ويمنح إسرائيل ذريعة دائمة لتبرير اعتداءاتها، فالسلاح غير الشرعي لم يسلم للدولة، ولم توضع خرائطه بتصرف الجيش، مما يقيد قدرة الدولة على المواجهة السياسية والدبلوماسية”، وشدد على أن خطاب القسم والبيان الوزاري كانا واضحين في المطالبة بتطبيق الدستور وحصرية السلاح بيد الدولة، وأن الرئيس جوزاف عون حاول منذ انتخابه فتح مسار تفاوضي مع “حزب الله” بحسن نية، من دون الوصول إلى نتائج ملموسة. من هنا، جاءت جلسة الخامس من أغسطس (آب) كمحطة سيادية أكدت القرار بإنهاء كل سلاح غير شرعي، وأكد “أن الجيش اللبناني يقوم بدوره إلا أن غياب تعاون ’حزب الله‘ وامتناعه عن تسليم مواقعه ومنشآته يعوقان أي معالجة جدية، ويشلان أي هامش للتحرك الدبلوماسي، إذ إن المجتمع الدولي يربط أي ضغط فعلي على إسرائيل بقدرة الدولة اللبنانية على الإمساك الحصري بقرار الحرب والسلم”، وختم العاقوري بالتأكيد أن الاعتداءات الإسرائيلية مدانة ومرفوضة، “لكن إنهاء السلاح غير الشرعي يبقى المدخل الإلزامي لحماية لبنان، لأن استمرار هذا الواقع يضع البلاد أمام أخطار داهمة لا يمكن احتمالها، ويقودها نحو مواجهات تتجاوز قدرتها على التحمل”.

الحرب المستمرة

من جانبه رأى المحامي والناشط السياسي شرف أبو شرف “أن الخطأ القاتل في مقاربة ما يجري هو الوهم بأن الحرب توقفت. الحرب لم تتوقف أصلاً، بل دخلت طوراً أخطر: حرب مستدامة منخفضة الوتيرة، تتبدل حدتها لكنها لا تنتهي، وتدار على حساب لبنان. ما جرى في البقاع في الأيام الأخيرة تأكيد صارخ أن البلاد ما زالت ساحة مفتوحة، وأن المدنيين سيبقون وقود هذه المعركة ما استمر الإنكار السياسي للواقع”، وحذر أبو شرف من أن خطورة المرحلة لا تكمن فقط في الغارات الإسرائيلية “بل في اقترانها بخطاب هجومي مرتفع السقف من ’حزب الله‘، وبشد عصب إقليمي تقوده طهران عبر محور الممانعة، تحضيراً لاحتمال مواجهة أميركية – إسرائيلية مع إيران. منذ انتهاء ما سمي بحرب الإسناد لم يطرأ أي تحول جوهري على خطاب الحزب أو سلوكه، لا خفض نبرة ولا تراجع في منطق المواجهة، وكأن لبنان مطالب بالبقاء في وضع الاستنفار الدائم بانتظار قرار إقليمي لا علاقة له بمصالحه أو قدرته على الاحتمال. المعضلة لم تعد قابلة للتجميل أو التدوير: هناك تناقض فاضح داخل الدولة نفسها التي تعلن أن قرار السلم والحرب عاد إلى الدولة، فيما قيادة ’حزب الله‘ تقول بوضوح إنها لم ولن تسلم السلاح، وإنها سترد في الزمان والمكان المناسبين. هذا ليس تبايناً في وجهات النظر، بل نسف مباشر لمفهوم الدولة. لا دولة بصوتين، ولا سيادة بنصف قرار، ولا وطن قادر على الصمود في ما قرار الحرب موزع بين مؤسسات شرعية وتنظيم مسلح”، واعتبر أبو شرف أن استمرار هذا الواقع يعني إبقاء لبنان في حال حرب دائمة، حتى في غياب حرب شاملة. كلفة هذه الحرب لا تقاس فقط بعدد الضحايا، بل بانهيار اقتصادي متواصل، وتفكك اجتماعي، واستنزاف بنيوي للدولة. الحديث عن تجنيب لبنان حرباً جديدة يصبح فارغاً ما دامت أسباب الحرب قائمة، وما دام السلاح خارج الشرعية هو من يحدد إيقاع التصعيد والتهدئة”، من هنا، وجه أبو شرف تحذيراً واضحاً “إذا كان ’حزب الله‘ يريد مقارعة إسرائيل، فليعلن ذلك ويتحمل مسؤوليته كاملة، من دون أن يختبئ خلف الدولة والمجتمع، أما إذا كان يريد البقاء جزءاً من لبنان، فعليه العودة فوراً إلى منطق الدولة، لا إلى لبنان الساحات. العودة إلى لبنانيته ليست شعاراً، بل شرط بقاء، فلبنان لم يعد يحتمل أن يكون رهينة الانتظار، ولا ساحة اختبار لحروب الآخرين، ولا دولة تدار على حافة الانفجار الدائم”.

خيار “المقاومة”

في المقابل، عبرت قيادة “حزب الله” عن موقف واضح من الاستهدافات الأخيرة في البقاع، معتبرة أن ما جرى يندرج في إطار تصعيد إسرائيلي متعمد يتجاوز منطق الخروق المحدودة ويستهدف بنية الحزب وخياراته السياسية والعسكرية. وفي هذا السياق، قال نائب رئيس المجلس السياسي في “حزب الله” محمود قماطي إن الغارات التي طاولت البقاع تمثل اعتداء جديداً وخطراً، مؤكداً أن إسرائيل تواصل سياسة القتل والتدمير من دون أي اعتبار للقانون الدولي أو لحياة المدنيين، في محاولة لفرض وقائع جديدة على الساحة اللبنانية. وأشار قماطي إلى أن “حزب الله” لا يرى في هذه الضربات “سوى حلقة إضافية في مسلسل العدوان المستمر”، معتبراً أن استهداف مواقع في العمق اللبناني، وسقوط ضحايا مدنيين، يكشفان طبيعة النهج الإسرائيلي القائم على توسيع دائرة المواجهة ورفع منسوب الضغط، لا سيما في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة. ولفت إلى أن الحزب يتعامل مع هذه الاعتداءات باعتبارها جزءاً من معركة مفتوحة، لا يمكن فصلها عن الصراع الأوسع في المنطقة، وعن محاولات إسرائيل فرض معادلة ردع جديدة بالقوة.

وشدد قماطي على أن خيار الحزب، في ظل ما وصفه بـ”العدوان المتكرر”، يبقى خيار المقاومة والدفاع، رافضاً أي طرح يطالب الحزب بالتراجع أو التخلي عن عناصر قوته فيما تستمر إسرائيل في انتهاكاتها واعتداءاتها. واعتبر أن تحميل الحزب مسؤولية التصعيد هو قلب للوقائع، “لأن جوهر المشكلة يكمن في استمرار الاحتلال والعدوان، وليس في وجود مقاومة نشأت أصلاً لمواجهته”.

وفي معرض حديثه عن المرحلة المقبلة، أوضح قماطي أن الحزب يدرك حساسية الوضع اللبناني وتعقيداته الداخلية، لكنه، في الوقت نفسه لن يقبل، كما قال “بأن تفرض عليه معادلات جديدة تحت النار أو أن يدفع إلى خيارات أحادية الجانب تخدم الأهداف الإسرائيلية”، وأكد أن الحزب يوازن بين حماية لبنان والدفاع عن نفسه وبين حسابات الرد، من دون أن يعني ذلك التخلي عن حقه في الرد في الزمان والمكان المناسبين.

مزيد من الأخبار