لا “تطمينات ولا ضمانات” أميركية… المطلوب من لبنان ضبط حدوده

كلمتان أميركيتان سمعهما اللبنانيون منذ بدء العدوان الإسرائيلي على لبنان ردّا على “حرب الاسناد”، التي أعلنها “حزب الله” غداة عملية “طوفان الأقصى”. وهاتان الكلمتان كان لهما وقع غير محبب على قلوب اللبنانيين المحمية بأيديهم العارية على مدى أكثر من سنتين، وسيكون لهما على الأرجح المفعول نفسه في حال قرّر “الحزب” إدخال لبنان من جديد في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، في حال قرّرت كل من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل الدخول مع النظام الإيراني في حرب مفتوحة.
ففي كل مرّة يحاول المسؤولون اللبنانيون التماس إشارات معينة من الدوائر الديبلوماسية الأميركية والغربية عن احتمال تعرّض لبنان لأي اعتداء مرجّح من قِبل إسرائيل في حال دخل “حزب الله” كطرف مساند لإيران في حربها الجهادية ضد أميركا وإسرائيل، يسمعون ترداد هاتين الكلمتين: لا تطمينات ولا ضمانات. وهذا يعني باللغة اللبنانية المحكية أن على اللبنانيين أن يقبّعوا شوكهم بأيديهم، خصوصًا أن حكومتهم، التي شربت “حليب السباع” في 5 آب، لا تزال “تبيع المي في حارة السقايين”.
وفي ظل الوقع السلبي لهاتين الكلمتين تتواصل التحضيرات لمؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي الذي دعا اليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في العاصمة الفرنسية باريس في الخامس من اذار المقبل، فضلا عن المحاولات الفاشلة لرئيس الحكومة نواف سلام للتصدي للمشكلات المعيشية التي ترهق كاهل المواطنين، عبر مقولة المتنبي “وداوني بالتي كانت هي الداء”، فلجأ الى فرض حزمة من الضرائب الجديدة، بعدما تمّ تمرير مادة من ضمن قانون الموازنة العامة، أجاز من خلالها مجلس النواب للحكومة، التشريع في الضريبة الجمركية، في صفقة غير مسبوقة بينهما.
فعلى رغم الاتصالات التي أجريت بين بيروت وواشنطن في محاولة للحصول على ضمانات بعدم قيام إسرائيل بأي تحرك استباقي او مواكب للضغوط الممارسة ضد طهران، في ظل المعطيات الميدانية المتوافرة عن تحرك عند الحدود الجنوبية، وفي العمق بحدود عشرة كيلومترات، جاء الجواب الاميركي واضحًا كما في المرّات السابقة، بأن “لا ضمانات ولا تطمينات” يمكن تقديمها، وأن على بيروت القيام بما يلزم لضبط حدودها”.
في المقابل، فإن ان المشاورات الداخلية مفتوحة على أكثر من خط داخلي، رسمي وغير رسمي، للحد من تداعيات التطورات الاقليمية، ومحاولة عزل لبنان عنها “قدر الإمكان”، على رغم التقديرات بان تل ابيب تعد “لعمل ما” غير واضح المعالم، قد يجعل من شهر آذار “شهرًا حاميًا”.
غير أنّ عبارة “لا ضمانات ولا تطمينات” لم تعد مجرّد موقف ديبلوماسي أميركي تقليدي، بل تحوّلت إلى سياسة ثابتة تُقال ببرودة أعصاب، فيما الأعصاب اللبنانية مشدودة إلى أقصى حدّ. فواشنطن، التي تعرف تمامًا هشاشة الواقع اللبناني، تضع الكرة في الملعب الحكومي، وذلك من باب التحذير، بقولها: اضبطوا حدودكم أولًا، ثم اسألوا عن الضمانات. وكأن المطلوب من دولة تتنازعها الولاءات والسلاح المزدوج أن تتصرّف فجأة كدولة مكتملة السيادة.
وفي الكواليس، يُقال إن الرسالة الأميركية ليست موجّهة فقط إلى الحكومة، بل إلى كل من يعنيه الأمر في الداخل. فإمّا أن يُحسم خيار السلم والحرب بقرار لبناني واضح، وإمّا أن يبقى لبنان ساحة مفتوحة على كل الاحتمالات، ذلك أن أي انخراط جديد في مواجهة إقليمية لن يُقابل هذه المرّة ببيانات شجب واستنكار، بل بوقائع ميدانية لا يمكن لأحد ضبط إيقاعها.
وفي المقابل، تبدو السلطة اللبنانية وكأنها تمشي على حبل مشدود بين ضغطين: ضغط خارجي يطالبها بإجراءات سيادية حاسمة، وضغط داخلي يخشى من كلفة هذه الإجراءات سياسيًا وأمنيًا. وبين الضغطين، يُترك المواطن وحيدًا أمام احتمالين أحلاهما مرّ، وهما: إمّا انفجار على الحدود، وإمّا انفجار في الداخل تحت وطأة الضرائب والضيق المعيشي.
أما الحديث عن عزل لبنان عن الصراع الإقليمي، فيبقى أقرب إلى التمنّي منه إلى الخطة الواقعية. فالعزل يحتاج إلى قرار جامع، لا إلى بيانات متناقضة. ويحتاج إلى مظلّة سياسية واضحة تحدّد من يملك قرار الحرب والسلم، لا إلى توازنات رمادية تتيح لكل طرف أن يقرأ التطورات بما يناسبه.
هكذا، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام معادلة قاسية، إذ لا ضمانات خارجية، ولا حسم داخليًا. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال معلّقًا: هل يتعلّم أهل السلطة من تجارب السنوات الماضية، أم أن عبارة “لا ضمانات ولا تطمينات” ستتحوّل إلى لازمة تتكرّر قبل كل استحقاق أمني كبير؟
الأيام المقبلة، وخصوصًا في “آذار الحامي” الذي يُهمس به في المجالس، كفيلة بالإجابة عن أسئلة كثيرة. لكن المؤكّد أن لبنان لم يعد يحتمل رفاهية المغامرة، ولا ترف الانتظار الطويل على أبواب العواصم طلبًا لوعدٍ يعرف مسبقًا أنه لن يأتي.
لا “تطمينات ولا ضمانات” أميركية… المطلوب من لبنان ضبط حدوده

كلمتان أميركيتان سمعهما اللبنانيون منذ بدء العدوان الإسرائيلي على لبنان ردّا على “حرب الاسناد”، التي أعلنها “حزب الله” غداة عملية “طوفان الأقصى”. وهاتان الكلمتان كان لهما وقع غير محبب على قلوب اللبنانيين المحمية بأيديهم العارية على مدى أكثر من سنتين، وسيكون لهما على الأرجح المفعول نفسه في حال قرّر “الحزب” إدخال لبنان من جديد في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، في حال قرّرت كل من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل الدخول مع النظام الإيراني في حرب مفتوحة.
ففي كل مرّة يحاول المسؤولون اللبنانيون التماس إشارات معينة من الدوائر الديبلوماسية الأميركية والغربية عن احتمال تعرّض لبنان لأي اعتداء مرجّح من قِبل إسرائيل في حال دخل “حزب الله” كطرف مساند لإيران في حربها الجهادية ضد أميركا وإسرائيل، يسمعون ترداد هاتين الكلمتين: لا تطمينات ولا ضمانات. وهذا يعني باللغة اللبنانية المحكية أن على اللبنانيين أن يقبّعوا شوكهم بأيديهم، خصوصًا أن حكومتهم، التي شربت “حليب السباع” في 5 آب، لا تزال “تبيع المي في حارة السقايين”.
وفي ظل الوقع السلبي لهاتين الكلمتين تتواصل التحضيرات لمؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي الذي دعا اليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في العاصمة الفرنسية باريس في الخامس من اذار المقبل، فضلا عن المحاولات الفاشلة لرئيس الحكومة نواف سلام للتصدي للمشكلات المعيشية التي ترهق كاهل المواطنين، عبر مقولة المتنبي “وداوني بالتي كانت هي الداء”، فلجأ الى فرض حزمة من الضرائب الجديدة، بعدما تمّ تمرير مادة من ضمن قانون الموازنة العامة، أجاز من خلالها مجلس النواب للحكومة، التشريع في الضريبة الجمركية، في صفقة غير مسبوقة بينهما.
فعلى رغم الاتصالات التي أجريت بين بيروت وواشنطن في محاولة للحصول على ضمانات بعدم قيام إسرائيل بأي تحرك استباقي او مواكب للضغوط الممارسة ضد طهران، في ظل المعطيات الميدانية المتوافرة عن تحرك عند الحدود الجنوبية، وفي العمق بحدود عشرة كيلومترات، جاء الجواب الاميركي واضحًا كما في المرّات السابقة، بأن “لا ضمانات ولا تطمينات” يمكن تقديمها، وأن على بيروت القيام بما يلزم لضبط حدودها”.
في المقابل، فإن ان المشاورات الداخلية مفتوحة على أكثر من خط داخلي، رسمي وغير رسمي، للحد من تداعيات التطورات الاقليمية، ومحاولة عزل لبنان عنها “قدر الإمكان”، على رغم التقديرات بان تل ابيب تعد “لعمل ما” غير واضح المعالم، قد يجعل من شهر آذار “شهرًا حاميًا”.
غير أنّ عبارة “لا ضمانات ولا تطمينات” لم تعد مجرّد موقف ديبلوماسي أميركي تقليدي، بل تحوّلت إلى سياسة ثابتة تُقال ببرودة أعصاب، فيما الأعصاب اللبنانية مشدودة إلى أقصى حدّ. فواشنطن، التي تعرف تمامًا هشاشة الواقع اللبناني، تضع الكرة في الملعب الحكومي، وذلك من باب التحذير، بقولها: اضبطوا حدودكم أولًا، ثم اسألوا عن الضمانات. وكأن المطلوب من دولة تتنازعها الولاءات والسلاح المزدوج أن تتصرّف فجأة كدولة مكتملة السيادة.
وفي الكواليس، يُقال إن الرسالة الأميركية ليست موجّهة فقط إلى الحكومة، بل إلى كل من يعنيه الأمر في الداخل. فإمّا أن يُحسم خيار السلم والحرب بقرار لبناني واضح، وإمّا أن يبقى لبنان ساحة مفتوحة على كل الاحتمالات، ذلك أن أي انخراط جديد في مواجهة إقليمية لن يُقابل هذه المرّة ببيانات شجب واستنكار، بل بوقائع ميدانية لا يمكن لأحد ضبط إيقاعها.
وفي المقابل، تبدو السلطة اللبنانية وكأنها تمشي على حبل مشدود بين ضغطين: ضغط خارجي يطالبها بإجراءات سيادية حاسمة، وضغط داخلي يخشى من كلفة هذه الإجراءات سياسيًا وأمنيًا. وبين الضغطين، يُترك المواطن وحيدًا أمام احتمالين أحلاهما مرّ، وهما: إمّا انفجار على الحدود، وإمّا انفجار في الداخل تحت وطأة الضرائب والضيق المعيشي.
أما الحديث عن عزل لبنان عن الصراع الإقليمي، فيبقى أقرب إلى التمنّي منه إلى الخطة الواقعية. فالعزل يحتاج إلى قرار جامع، لا إلى بيانات متناقضة. ويحتاج إلى مظلّة سياسية واضحة تحدّد من يملك قرار الحرب والسلم، لا إلى توازنات رمادية تتيح لكل طرف أن يقرأ التطورات بما يناسبه.
هكذا، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام معادلة قاسية، إذ لا ضمانات خارجية، ولا حسم داخليًا. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال معلّقًا: هل يتعلّم أهل السلطة من تجارب السنوات الماضية، أم أن عبارة “لا ضمانات ولا تطمينات” ستتحوّل إلى لازمة تتكرّر قبل كل استحقاق أمني كبير؟
الأيام المقبلة، وخصوصًا في “آذار الحامي” الذي يُهمس به في المجالس، كفيلة بالإجابة عن أسئلة كثيرة. لكن المؤكّد أن لبنان لم يعد يحتمل رفاهية المغامرة، ولا ترف الانتظار الطويل على أبواب العواصم طلبًا لوعدٍ يعرف مسبقًا أنه لن يأتي.












