هكذا نزعت أوكرانيا عن الحرب الروسية صفة “العملية الخاصة”؟

تعاظمت “الخيبة المتدرجة” من العملية الخاصة وزادت التوقعات من حرب طويلة الأمد بعد دخولها أمس عامها الخامس، ذلك أن اتفاقية “المعادن النادرة” بين واشنطن وكييف أطاحت بـ “قمة ألاسكا”.
إلى جانب مجموعة الأزمات الدولية التي تناسلت وتفاقمت لتعمّ معظم القارات، بقي للحرب الروسية على أوكرانيا موقعها المتقدّم، بفعل تورّط معظم القوى الدولية فيها من دون استثناء. وهو أمر وضعها في صدارة الاهتمامات، بعدما طالت فصولها بعبورها العام الخامس أمس، على رغم من تسميتها الروسية بـ “بالعملية الخاصة” التي أوحت بأنّها يمكن أن تكون “كزدورة” شبيهة بتلك التي رافقت ضمّ “شبه جزيرة القرم” إلى روسيا الاتحادية، بحكم سقوط حجة تاريخية قديمة. وعليه، ما الجديد المتوقع؟
ما زال تاريخ 23 من شباط موعداً لعيد روسي مميّز، بعدما ارتبط موعده بمجموعة من الاستحقاقات الروسية التاريخية التي تتحدّث عن النصر العظيم، وهو التاريخ الذي يحمل اسم “يوم المدافع عن أرض الآباء” يُحتفل به في كل من بيلاروسيا وطاجيكستان وروسيا وقيرغيزستان. ويُعرف في روسيا باسم “ماسلينيتسا”. ولطالما كان من أكثر الأعياد بهجةً وشعبيةً، إذ كان في الأصل طقسا وثنياً للاحتفال بنهاية الشتاء، ثم أصبح لاحقاً جزءاً من التقاليد المسيحية، يُحتفل به خلال الأسبوع الأخير قبل الصوم الكبير.
ليس في هذه المقدّمة ما يوحي بدرس تاريخي أو ديني عظيم، إنّما للتدليل على الشعور العالمي، ولا سيما الشعبي الروسي المتمادي بـ “الخيبة المتدرّجة”، بعدما طالت الحرب على أوكرانيا على رغم من الإصرار لدى القيادة الروسية منذ البداية عام 2022 على تسمِيتها بـ “العملية الخاصة” التي قد تكون عملية “صاعقة”، لن تستغرق وقتاً طويلاً، ولن تستنزف الاقتصاد الروسي، ولن تأتي بما جاءت به من العقوبات الأميركية والأوروبية الدولية التي أرهقت الاقتصاد الروسي ووضعت أجزاء من العاصمة والبلاد تحت مرمى الصواريخ والمسيّرات الأوكرانية بما لم تشهده هذه المدن من مخاطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في نهاية النصف الثاني من القرن الماضي.
اعتقد كبار المسؤولين في القيادة العسكرية الروسية ومعهم مجموعات شعبية كبرى، أنّه ولا بُدّ من ضربة عسكرية “خاطفة” تُعيد أوكرانيا إلى فلك “روسيا الاتحادية” وتُبعِدها عن “الحلف الأطلسي” وربما عن الاتحاد الأوروبي أيضاً، بعد فوز فلودومير زيلينسكي المعادي للروس. وقد تمنّى هؤلاء، ومعهم الرئيس بوتين، بأن يُعيد التاريخ نفسه بفارق 8 سنوات وإنهاء السقطات التي تلت سقوط الاتحاد السوفياتي العظيم في فخ “البريسترويكا” قبل ثلاثة عقود.
وقد تجلّت هذه المعادلة، عندما أعلن بوتين بطريقة مذهلة ومفاجئة عن استعادة السيطرة على شبه جزيرة القرم في 18 آذار 2014 وإعادتها إلى روسيا، بعدما فرض التدخّل العسكري الروسي المفاجئ فيها في شباط منذ ذلك العام استفتاءً شعبياً في 16 آذار عُرِف بـ “استفتاء القرم”، فأعادها إلى كنفها التاريخي، الذي اعتبرته أوكرانيا ومعها المجتمع الدولي احتلالاً غير قانوني وضمّاً غير معترف به إلى اليوم. لكن ما قصده بوتين كان إنهاء لما سمّاه “عهد الهدايا الروسية” للدولة الجارة، بعدما برّر عملية استعادتها بأنّها “أرض روسية” كما باقي المحافظات الأوكرانية الحدودية التي أعاد احتلالها ومنح سكانها الهوية الروسية بحجة أنّ شعبها روسي ولا يتقن إلّا اللغة الروسية. وقد سبق للزعيم الروسي “الأوكراني الأصل” نيكيتا خروتشوف أن أهدى شبه الجزيرة إلى أوكرانيا في عام 1954، إبان الحقبة السوفياتية، على خلفية نقلها من “جمهورية روسيا الاتحادية الإشتراكية السوفياتية” إلى “جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفياتية” معتبراً في حينه بأنّه “إجراء إداري لإحياء الذكرى الـ 300 لاتحاد روسيا وأوكرانيا، ولأسباب لوجستية وجغرافية أخرى” لا يمكن أن تسهل أو تبرّر ضمّها كما هو مطروح اليوم إلى الحلف الاطلسي أو الاتحاد الأوروبي من موقعها على الخاصرة الروسية.
على هذه الخلفيات، ترى المراجع الديبلوماسية في كل ما يجري محاولات معقّدة لترتيب اتفاق أوكراني – روسي ينهي الحرب، فعلى رغم من الصداقة التي تجمع الرئيسَين بوتين ونظيره الأميركي دونالد ترامب، لم يفلح موفده ستيف ويتكوف من ترتيب أي اتفاق يعمل عليه منذ أن عُقدت قمة ألاسكا بين الرجلَين في 15 آب 2025، التي لم تغيّر شيئاً في مجرى العمليات العسكرية على رغم من الاتهامات التي طالت ترامب وويتكوف بمسايرة بوتين وتبنّي طروحاته ومواقفه المتصلّبة، وصولاً إلى دعوة زيلينسكي إلى التنازل والاستسلام. لكن ذلك لم يحصل إلى أن اضطرّت واشنطن إلى الاصطفاف مرّةً أخرى إلى جانبه ومعها الاتحاد الأوروبي، في فرض عقوبات على موسكو، بعدما أنجز ترامب مع زيلينسكي “اتفاق المعادن الثمينة” في نهاية نيسان العام الماضي، الذي أتاح لواشنطن الوصول إلى المعادن النادرة الأوكرانية مثل الليثيوم والتيتانيوم، مقابل الدعم المالي وإعادة الإعمار وربط المصالح الاقتصادية بالدعم العسكري والسياسي.
واستناداً إلى ما تقدّم، جزمت التقارير الديبلوماسية الواردة إلى بيروت من أكثر من مصدر، إلى أنّ ما يجري تداوله حتى اليوم لوقف الحرب في أوكرانيا تعوقه العمليات العسكرية المتبادلة التي تجاوزت خطوط التماس إلى محاولات المَسّ بأمن موسكو ومنشآت عسكرية روسية في العمق، مقابل الضربات الروسية للعاصمة الأوكرانية ونتائجها على مصادر الطاقة والمنشآت الحيوية، بما يوحي بأنّ أي اتفاق محتمل ما زال بعيد المنال. واصفةً المساعي المبذولة لعقد قمة جديدة بين ترامب وزيلينسكي بأنّها لن تقدّم ولن تؤخّر في التوجّه نحو إنهاء الحرب كما تعهّد ترامب، لا بل فإنّها ستزيد من الدعم الأميركي له. ولا سيما أنّها تتزامن مع مشاريع الزيادة على الموازنات العسكرية في الدول الأوروبية بمئات المليارات من اليورو إلى مرحلة يصعب فيها التكهّن بإمكانية الوصول إلى أي اتفاق سلام لا بل فإنّ دخول الغزو الروسي أمس السنة الخامسة، مؤشراً إلى أنّها ستكون حافلة بالمخاطر النوعية إلى أجل غير مسمّى.
هكذا نزعت أوكرانيا عن الحرب الروسية صفة “العملية الخاصة”؟

تعاظمت “الخيبة المتدرجة” من العملية الخاصة وزادت التوقعات من حرب طويلة الأمد بعد دخولها أمس عامها الخامس، ذلك أن اتفاقية “المعادن النادرة” بين واشنطن وكييف أطاحت بـ “قمة ألاسكا”.
إلى جانب مجموعة الأزمات الدولية التي تناسلت وتفاقمت لتعمّ معظم القارات، بقي للحرب الروسية على أوكرانيا موقعها المتقدّم، بفعل تورّط معظم القوى الدولية فيها من دون استثناء. وهو أمر وضعها في صدارة الاهتمامات، بعدما طالت فصولها بعبورها العام الخامس أمس، على رغم من تسميتها الروسية بـ “بالعملية الخاصة” التي أوحت بأنّها يمكن أن تكون “كزدورة” شبيهة بتلك التي رافقت ضمّ “شبه جزيرة القرم” إلى روسيا الاتحادية، بحكم سقوط حجة تاريخية قديمة. وعليه، ما الجديد المتوقع؟
ما زال تاريخ 23 من شباط موعداً لعيد روسي مميّز، بعدما ارتبط موعده بمجموعة من الاستحقاقات الروسية التاريخية التي تتحدّث عن النصر العظيم، وهو التاريخ الذي يحمل اسم “يوم المدافع عن أرض الآباء” يُحتفل به في كل من بيلاروسيا وطاجيكستان وروسيا وقيرغيزستان. ويُعرف في روسيا باسم “ماسلينيتسا”. ولطالما كان من أكثر الأعياد بهجةً وشعبيةً، إذ كان في الأصل طقسا وثنياً للاحتفال بنهاية الشتاء، ثم أصبح لاحقاً جزءاً من التقاليد المسيحية، يُحتفل به خلال الأسبوع الأخير قبل الصوم الكبير.
ليس في هذه المقدّمة ما يوحي بدرس تاريخي أو ديني عظيم، إنّما للتدليل على الشعور العالمي، ولا سيما الشعبي الروسي المتمادي بـ “الخيبة المتدرّجة”، بعدما طالت الحرب على أوكرانيا على رغم من الإصرار لدى القيادة الروسية منذ البداية عام 2022 على تسمِيتها بـ “العملية الخاصة” التي قد تكون عملية “صاعقة”، لن تستغرق وقتاً طويلاً، ولن تستنزف الاقتصاد الروسي، ولن تأتي بما جاءت به من العقوبات الأميركية والأوروبية الدولية التي أرهقت الاقتصاد الروسي ووضعت أجزاء من العاصمة والبلاد تحت مرمى الصواريخ والمسيّرات الأوكرانية بما لم تشهده هذه المدن من مخاطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في نهاية النصف الثاني من القرن الماضي.
اعتقد كبار المسؤولين في القيادة العسكرية الروسية ومعهم مجموعات شعبية كبرى، أنّه ولا بُدّ من ضربة عسكرية “خاطفة” تُعيد أوكرانيا إلى فلك “روسيا الاتحادية” وتُبعِدها عن “الحلف الأطلسي” وربما عن الاتحاد الأوروبي أيضاً، بعد فوز فلودومير زيلينسكي المعادي للروس. وقد تمنّى هؤلاء، ومعهم الرئيس بوتين، بأن يُعيد التاريخ نفسه بفارق 8 سنوات وإنهاء السقطات التي تلت سقوط الاتحاد السوفياتي العظيم في فخ “البريسترويكا” قبل ثلاثة عقود.
وقد تجلّت هذه المعادلة، عندما أعلن بوتين بطريقة مذهلة ومفاجئة عن استعادة السيطرة على شبه جزيرة القرم في 18 آذار 2014 وإعادتها إلى روسيا، بعدما فرض التدخّل العسكري الروسي المفاجئ فيها في شباط منذ ذلك العام استفتاءً شعبياً في 16 آذار عُرِف بـ “استفتاء القرم”، فأعادها إلى كنفها التاريخي، الذي اعتبرته أوكرانيا ومعها المجتمع الدولي احتلالاً غير قانوني وضمّاً غير معترف به إلى اليوم. لكن ما قصده بوتين كان إنهاء لما سمّاه “عهد الهدايا الروسية” للدولة الجارة، بعدما برّر عملية استعادتها بأنّها “أرض روسية” كما باقي المحافظات الأوكرانية الحدودية التي أعاد احتلالها ومنح سكانها الهوية الروسية بحجة أنّ شعبها روسي ولا يتقن إلّا اللغة الروسية. وقد سبق للزعيم الروسي “الأوكراني الأصل” نيكيتا خروتشوف أن أهدى شبه الجزيرة إلى أوكرانيا في عام 1954، إبان الحقبة السوفياتية، على خلفية نقلها من “جمهورية روسيا الاتحادية الإشتراكية السوفياتية” إلى “جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفياتية” معتبراً في حينه بأنّه “إجراء إداري لإحياء الذكرى الـ 300 لاتحاد روسيا وأوكرانيا، ولأسباب لوجستية وجغرافية أخرى” لا يمكن أن تسهل أو تبرّر ضمّها كما هو مطروح اليوم إلى الحلف الاطلسي أو الاتحاد الأوروبي من موقعها على الخاصرة الروسية.
على هذه الخلفيات، ترى المراجع الديبلوماسية في كل ما يجري محاولات معقّدة لترتيب اتفاق أوكراني – روسي ينهي الحرب، فعلى رغم من الصداقة التي تجمع الرئيسَين بوتين ونظيره الأميركي دونالد ترامب، لم يفلح موفده ستيف ويتكوف من ترتيب أي اتفاق يعمل عليه منذ أن عُقدت قمة ألاسكا بين الرجلَين في 15 آب 2025، التي لم تغيّر شيئاً في مجرى العمليات العسكرية على رغم من الاتهامات التي طالت ترامب وويتكوف بمسايرة بوتين وتبنّي طروحاته ومواقفه المتصلّبة، وصولاً إلى دعوة زيلينسكي إلى التنازل والاستسلام. لكن ذلك لم يحصل إلى أن اضطرّت واشنطن إلى الاصطفاف مرّةً أخرى إلى جانبه ومعها الاتحاد الأوروبي، في فرض عقوبات على موسكو، بعدما أنجز ترامب مع زيلينسكي “اتفاق المعادن الثمينة” في نهاية نيسان العام الماضي، الذي أتاح لواشنطن الوصول إلى المعادن النادرة الأوكرانية مثل الليثيوم والتيتانيوم، مقابل الدعم المالي وإعادة الإعمار وربط المصالح الاقتصادية بالدعم العسكري والسياسي.
واستناداً إلى ما تقدّم، جزمت التقارير الديبلوماسية الواردة إلى بيروت من أكثر من مصدر، إلى أنّ ما يجري تداوله حتى اليوم لوقف الحرب في أوكرانيا تعوقه العمليات العسكرية المتبادلة التي تجاوزت خطوط التماس إلى محاولات المَسّ بأمن موسكو ومنشآت عسكرية روسية في العمق، مقابل الضربات الروسية للعاصمة الأوكرانية ونتائجها على مصادر الطاقة والمنشآت الحيوية، بما يوحي بأنّ أي اتفاق محتمل ما زال بعيد المنال. واصفةً المساعي المبذولة لعقد قمة جديدة بين ترامب وزيلينسكي بأنّها لن تقدّم ولن تؤخّر في التوجّه نحو إنهاء الحرب كما تعهّد ترامب، لا بل فإنّها ستزيد من الدعم الأميركي له. ولا سيما أنّها تتزامن مع مشاريع الزيادة على الموازنات العسكرية في الدول الأوروبية بمئات المليارات من اليورو إلى مرحلة يصعب فيها التكهّن بإمكانية الوصول إلى أي اتفاق سلام لا بل فإنّ دخول الغزو الروسي أمس السنة الخامسة، مؤشراً إلى أنّها ستكون حافلة بالمخاطر النوعية إلى أجل غير مسمّى.










